وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

النظام التركي يحاول طمس الجرائم بحق النساء

 الجرائم بحق النساء الأتراك
نساء يرددن هتافات بينما يحاول ضباط شرطة مكافحة الشغب التركية صدهم خلال تجمع حاشد بمناسبة اليوم العالمي للمرأة في شارع الاستقلال في اسطنبول في 8 مارس 2019. أوزان كوس / وكالة الصحافة الفرنسية

علي نور الدين

تتفاقم الجرائم بحق النساء في تركيا، وفقًا لجميع الإحصاءات المتوفّرة. بحسب أرقام منظمة “سنوقف قتل النساء”، سجّلت تركيا 226 جريمة قتل النساء لغاية شهر آب من هذا العام، مقابل 425 جريمة قتل على امتداد العام الماضي. ورغم فظاعة هذه الأرقام، تشير المنظّمات الحقوقيّة في تركيا إلى أنّ ما خُفي أعظم.

فنتيجة التستّر المنظّم على هذه الجرائم من قبل الجهات الرسميّة، يستمر تسجيل عدد كبير من هذه الحوادث كحالات انتحار أو حوادث عرضيّة، ما يحول دون الاعتراف بها وتسجيلها كجرائم منظّمة. وفي النتيجة، أصبح هذا النوع من التستّر على الجرائم بحق المرأة غطاء غطاء رسميا منظما لقتل النساء، ما يدفع مجموعات حقوق المرأة لوضع الحكومة والنظام القضائي تحت ضغط مستمر.

تضاعفت معدلات الجرائم بحق النساء بنحو ثلاث مرّات خلال الأعوام القليلة الماضية، لتتكرّر بمعدّل حالة قتل واحدة في اليوم. ولعلّ تواطؤ القضاء الذي تشير إليه المنظمات الحقوقيّة، وتسجيل المئات من هذه الحوادث كأحداث عرضيّة، هو ما يسمح اليوم للمجرمين بالتهرّب من أي ملاحقة أو عقوبات رادعة، ما يؤدّي إلى توسّع هذه الظاهرة وزيادة معدلاتها. ومع تنامي احتجاجات المنظمات الحقوقيّة المدافعة عن حقوق المرأة، رفضًا للعقليّة الذكوريّة التي تحكم عمل القضاء والسلطات التنفيذيّة في تركيا، تحوّلت هذه المنظمات إلى خصم بديهي للنظام الحاكم والقضاء.

القضاء يستهدف منظّمة “سنوقف قتل النساء”

لمواجهة استخفاف النظام والقضاء التركيين بالجرائم التي تستهدف النساء، عملت المنظمات الحقوقيّة بشكل حثيث على تعقّب هذه الجرائم وتوثيقها، والتصويب على الإحصاءات التي تثبت تغاضي القضاء التركي عن التحقيق الجدّي فيها. وهكذا، تحوّلت هذه الإحصاءات إلى السلاح الأساسي الذي يفضح تواطؤ المحاكم التركيّة، وعدم جديّتها في التعامل مع هذا الملف.

من هذه المنظمات المدافعة عن حقوق المرأة، ظهرت منظمة “سنوقف قتل النساء”، التي تأسست عام 2010، قبل أن تحتل صدارة المنصّات التي تُعنى بحقوق المرأة في تركيا. ومنذ تأسيسها، تحوّلت المنظمة إلى مرجعيّة أساسيّة توثّق بشكل شهري وسنوي الانتهاكات المرتكبة بحق النساء في تركيا، من قتل وتعنيف واغتصاب. كما ثابرت المنظمة على تنظيم الاحتجاجات وإطلاق المواقف الرافضة لأسلوب تعامل النظام والمحاكم في تركيا مع ملف الانتهاكات بحق المرأة. أمّا أهم ما قامت به المنظمة، فهو فضح الحالات التي تجاهلها القضاء التركي، ما حوّل المنظمة إلى مصدر إزعاج للمحاكم التركيّة والنظام الحاكم.

من هذه الزاوية بالتحديد، يمكن فهم الادعاء الذي تقدّم به المدّعي العام في مدينة اسطنبول بحق الجمعيّة في شهر أبريل/نيسان الماضي، والذي طلب إقفال هذه الجمعيّة وسحب رخصتها بشكل نهائي، بناءً على شكوى تقدّم بها عضو في حزب العدالة والتنمية الحاكم. وهذا الادعاء، جاء على خلفيّة اتهام الجمعيّة بالعمل “ضد القانون والأخلاق”، في إشارة واضحة إلى تبنّي الجمعيّة مواقف وتحرّكات داعمة لمجتمع الميم في تركيا. كما تضمّنت اتهامات عبارات مثل “محاولة تدمير الأسرة التركيّة وتقسيمها، تحت مظلّة حماية حقوق المرأة والدفاع عنها”.

مع الإشارة إلى أنّ القضاء التركي بدأ في مطلع شهر أكتوبر/تشرين الأوّل الحالي جلسات المحاكمة، على أن تتوالى خلال الأسابيع المقبلة الجلسات قبل البت نهائيًّا بطلب إقفال الجمعيّة. وبدا من الواضح خلال أولى جلسات المحاكمة أن الادعاء العام، ومن خلفه حزب العدالة والتنمية الذي يتزعّمه أردوغان، مصرّان على المضي بالإجراءات القضائيّة ضد المنظّمة حتّى النهاية. وهذا تحديدًا ما يشير إلى أنّ هدف تحريك الملف القضائي هو إقفال الجمعيّة بالفعل، لا مجرّد الضغط عليها لتقديم تنازلات معيّنة في الملفات التي تتابعها.

في جميع الحالات، لم يتضمّن الادعاء الذي قدّمه المدعي العام، ولا الشكوى التي تقدّم بها عضو حزب العدالة والتنمية الذي يتزعّمه أردوغان، أي وقائع ملموسة تتصل بمخالفات جديّة للقوانين المعمول بها في البلاد. وهذا تحديدًا ما يدفع إلى الاعتقاد باتصال هذا الملف القضائي بالدور الذي لعبته المنظمة، على مستوى الدفاع عن حقوق النساء في وجه القضاء والنظام التركيين، وتواطؤهما لطمس العدالة عند حصول هذا النوع من الجرائم.

أردوغان في مواجهة منظمات حقوق المرأة

قد يبدو من الواضح سبب المواجهة بين المنظمات الحقوقيّة المدافعة عن حقوق النساء، والقضاء التركي، المعني بتحقيق العدالة في ملفّات العنف ضد المرأة. إلا أردوغان لعب دورًا أساسيًّا، من موقعه كرئيس لتركيا، في تسهيل الاستخفاف القضائي بحقوق النساء وملفات العنف والجرائم ضدهنّ. فسياسة أردوغان، الآتي من خلفيّة محافظة، اتسمت منذ البداية بمحاولة التملّص من أي التزام تجاه ملف حقوق المرأة، وهو ما ظهر بوضوح من خلال انسحابه من “اتفاقية المجلس الأوروبي لمنع ومكافحة العنف ضد المرأة والعنف الأسري”، المعروفة باسم “اتفاقيّة اسطنبول”، في الأوّل من يوليو/تموز 2021.

ومنذ انسحاب أردوغان من هذه الاتفاقيّة، وتنصّله من جميع الالتزامات التي تفرضها عبر تركيا في مجال حقوق المرأة ومكافحة العنف ضدها، اشتعلت المواجهة بين النظام التركي والمنظمات الحقوقيّة المحليّة. فمنذ ذلك الوقت، تكررت احتجاجات منظمات حقوق المرأة الرافضة لقرار الانسحاب من الاتفاقيّة، التي اعتبرت أن هذا القرار سيعني تخلّص أدروغان من معايير كفيلة بردع العنف الممارس ضد المرأة في تركيا. مع الإشارة إلى أنّ أهميّة فرض هذه المعايير بالنسبة إلى تركيا تنطلق من ارتفاع نسبة النساء اللواتي يتعرّضن للعنف الأسري في تركيا، والتي تتجاوز ال38%.

هكذا تزايد تدريجيًّا التشنّج الذي حكم علاقة أردوغان مع المنظمات المدافعة عن حقوق المرأة، التي رأت في سياساته سببًا إضافيًّا يسهّل إعفاء مرتكبي جرائم العنف الأسري والعنف ضد المرأة من العقاب. أمّا أردوغان وحزب العدالة والتنمية، فتمسّكا بنظرتهم المرتابة من نشاط هذه المنظمات، التي تحمل بنظرهم مبادئ تقوّم قيم الأسرة التقليديّة، وتتعارض مع الثقافة التركيّة المحافظة التي ينبغي الحفاظ عليها. ولهذا السبب بالتحديد، بات من المألوف أن تتحوّل المظاهرات النسائيّة في تركيا إلى صدامات عنيفة مع قوى الأمن، التي لم تتساهل في كثير من الأحيان مع تنظيم هذه الاحتجاجات في المدن الكبرى أو الميادين العامّة الحسّاسة.

أسباب انسحاب أردوغان من اتفاقيّة اسطنبول

تم توقيع اتفاقيّة “المجلس الأوروبي لمنع ومكافحة العنف ضد المرأة والعنف الأسري”، أو “اتفاقيّة اسطنبول”، سنة 2011، في مدينة اسطنبول التي حملت لاحقًا إسمها المختصر. وتقوم الاتفاقيّة، التي تضم 81 مادّة، على أربعة أسس هي: منع العنف ضد المرأة بكافة أشكاله وأنواعه، وحماية الشهود من الاعتداء عليهم من قبل الجناة، ودعم الضحايا وتوفير أماكن آمنة لاستضافتهم، ومحاكمة المجرمين أمام القضاء وإنزال عقوبات رادعة بحقّهم.

كما تنص الاتفاقيّة على تحديد واضح للجرائم التي تندرج ضمن توصيف العنف ضد المرأة، وهي العنف النفسي والترصّد، والعنف الجسدي بما فيه الاغتصاب، والزواج القسري، والإجهاض بالقوّة، بالإضافة إلى التعقيم القسري والتحرّش الجنسي وجرائم الشرف والاستغلال الجنسي.

يعود انسحاب أردوغان من الاتفاقيّة إلى تحفّظ البيئات المحافظة، التي يعبّر عنها حزب العدالة والتنمية في تركيا، على بعض بنود الاتفاقيّة، وخصوصًا تلك التي تنص على حماية حقوق الضحايا دون تمييز على أساس “الميل الجنسي أو الهويّة الجنسائيّة”، وهو ما يمثّل برأيهم تطبيع للمثليّة الجنسيّة. وكان نعمان كورتولموش نائب رئيس الحزب قد عبّر عن هذه المسألة بصراحة، حين اعتبر أن رفض الحزب للاتفاقيّة يعود تحديدًا لتحفّظه على البنود التي يمكن أن “تعطي مساحة من الحريّة التي يمكن أن يتلاعب بها مجتمع الميم”.

لكن وبمعزل عن التصريحات العلنيّة، كان من الواضح أن خطوة الانسحاب من الاتفاقيّة، بعد الانضمام إليها سابقًا واستضافة فعاليّات توقيعها، تعود إلى حسابات سياسيّة خاصّة بأردوغان، ومنها:

– محاولة إرضاء قاعدة حزبه المحافظة، التي تعود بغالبيّتها إلى اليمين الإسلامي الرافض لبنودها.

التملّص من البنود التي تفرض على النظام التركي والقضاء بعض المعايير الصارمة في التعامل مع الجرائم ضد المرأة، والتي لا يرغب أردوغان حاليًّا بتحمّل وزر فرضها.

– محاولة تفتيت المعارضة التي تواجهه داخليًّا، عبر خلق انقسام حول ملف لا يحظى بإجماعها، بالنظر إلى توزّع المعارضة ما بين الإيديولوجيّات الإسلاميّة المحافظة والعلمانيّة.

– تخلّي أردوغان عن حلم الانتساب إلى الاتحاد الأوروبي، والذي مثّل الدافع الأساسي لدخول الاتفاقيّة سابقًا.

– عدم رغبة أردوغان بمواجهة العقليّة الذكوريّة المستحكمة بمفاصل الحياة السياسيّة والنظام القضائي في تركيا، خصوصًا أن خلفيّته الإيديولوجيّة وطبيعة قاعدته الانتخابيّة لا تعطيانه أي حافز للقيام بمواجهة من هذا النوع.

المواجهة المستمرّة

في ظل هذا التشنّج الذي يحكم علاقة النظام التركي بالمنظمات المدافعة عن حقوق النساء، جاء استهداف منظمة “سنوقف قتل النساء”، التي تمثّل إحدى أكبر هذه المنظمات في تركيا. وكما بات واضحًا، يأتي هذا الاستهداف ليعبّر عن انزعاج النظام التركي من الدور الذي تلعبه هذه المنظّمة والمنظمات الشبيهة، في مواجعة السياسات التي يتبعها كل من النظام الحاكم والقضاء المحلّي.

لكن أهم ما في الموضوع، هو أنّ الجميع يتوقّع اليوم استمرار هذه المواجهة بمعزل عن القرار القضائي الذي ستتخذه المحكمة في تركيا. فأوساط المجموعات الحقوقيّة المدافعة عن حقوق المرأة مستمرّة بالعمل على توثيق الانتهاكات بحق النساء التركيات، بينما لا يبدو أن أردوغان سيبدي قريبًا أي تراجع أو تغيير في طريقة تعامله مع هذا الملف. فمسألة الانتهاكات ضد المرأة لم تعد تعبّر عن موقف خاص بالرئيس التركي وحده، بل بطبيعة الفئات الممسكة بالقرار السياسي والنظام القضائي في تركيا، التي تحمل مقاربات ذكوريّة في التعامل مع هذا الملف.