وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

الاتجار بالبشر في حوض المتوسّط: العوامل السياسيّة والأمنيّة

يتطلب التصدي للاتجار بالبشر في حوض المتوسط ​​تعاوناً دولياً شاملاً يركز على التنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي وحماية حقوق المهاجرين بشكل فعال.

الاتجار بالبشر حوض المتوسّط
أعضاء منظمة Proactiva Open Arms الإسبانية غير الحكومية ينقذون مجموعة من 266 مهاجرًا كانوا يعبرون البحر الأبيض المتوسط ​​على متن قوارب صغيرة قبالة الساحل الليبي. ماتياس شيوفالو / وكالة الصحافة الفرنسية

علي نور الدين

بين عامي 2014 و2024، خلال عقد واحد من الزمن، تجاوز عدد ضحايا تهريب البشر والاتجار بهم حدود الـ 63 ألف شخص، بحسب أرقام المنظمة الدوليّة للهجرة.

ومن بين هؤلاء، قضى أكثر من 37 ألف ضحيّة غرقًا في مراكب الهجرة غير القانونيّة، فيما حصلت نحو 73% من حالات الغرق في مياه البحر الأبيض المتوسّط وحده.

على هذا النحو، احتلّ حوض البحر الأبيض المتوسّط مكانة محوريّة في أنشطة تهريب البشر والاتجار بهم، والتي تفشّت بشكلٍ ملحوظٍ خلال العقد الماضي.

وعند الحديث عن أزمة الهجرة غير القانونيّة وأنشطة الاتجار بالبشر، غالبًا ما يتم تسليط الضوء على تداعيات هذه الظاهرة في بلدان المقصد، وهي الدول الأوروبيّة في حالة الأنشطة العابرة لحوض المتوسّط. كما يكثر الحديث عن أسباب ظاهرة الهجرة غير الشرعيّة، المرتبطة بالمشاكل التنمويّة والاقتصاديّة في بلدان المهاجرين.

غير أنّ جزءًا رئيسًا من هذه الظاهرة يبقى متصلًا بالعوامل الأمنيّة والسياسيّة، التي تشجّع على نشاط شبكات الاتجار بالبشر وتهريبهم، والتي تعرّض المهاجرين لمخاطر الاستغلال والموت على امتداد طرق الهجرة غير الشرعيّة.

العلاقة بين الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين

عادةً ما يتم تعريف جريمة تهريب المهاجرين على أنّها السعي لتيسير دخول الأشخاص بشكل غير مشروع إلى بلد معيّن، إمّا هربًا من أحداث أمنيّة أو سعيًا للتخلّص من الفقر والعوز المادّي.

إلا أنّ شبكات التهريب غالبًا ما تنخرط في عمليّات إجراميّة أخرى إلى جانب هذه الأعمال، مثل استغلال المهاجرين على طرق الهجرة أو خداعهم بوعود عمل مزيّفة، أو التفريط بمعايير الأمان والأمن الموعودة عند نقلهم.

وفي كثير من الأحيان، يصبح المهاجرون عرضة للابتزاز أو حتّى الاستعباد، قبل الوصول إلى بلدان المقصد، بحكم وضعيّتهم غير القانونيّة خلال الرحلة.

عند هذه النقطة بالتحديد، تتقاطع عمليّات تهريب المهاجرين مع جرائم الاتجار بالبشر، والتي تعني نقل الأشخاص أو تجنيدهم أو إيواءهم إمّا بواسطة القوّة أو الابتزاز، أو بغرض استغلالهم للربح المادّي.

وبحسب تعريف الأمم المتحدة، يُعتبر اتجارًا بالبشر الاستفادة من حالة الاستضعاف التي يعاني منها المهاجرون في مثل هذه الحالات، واستعمال السلطة التي يملكها المهرّبون، لتعريض الأشخاص لانتهاكات مثل العمل الجبري والاستغلال الجنسي وتجنيد الأطفال، وظروف الإقامة والتنقّل الخطيرة، وغيرها من الممارسات المألوفة في عالم تهريب المهاجرين غير القانونيين.

أمَا على المستوى الاقتصادي، فثمّة ما يفسّر تفشّي عمل هذه الشبكات في حوض البحر الأبيض المتوسّط. إذ يتوسّط هذا الحوض أبرز مقاصد مسارات الهجرة غير الشرعيّة، في أوروبا، وأبرز مصادرها في الدول الأفريقيّة ذات الدخل المنخفض.

وخلال العقد الماضي، جاءت الاضطرابات الأمنيّة في بعض دول شمال أفريقيا، مثل ليبيا والسودان، والشرق الأوسط، مثل سوريا والعراق، لتفاقم من وتيرة الهجرة من تلك الدول بالذات.

وفي المرحلة التي تلت العام 2020، ساهمت تداعيات تفشّي وباء كورونا في زيادة التفاوتات التنمويّة بين دول الشمال، ودول الجنوب التي افتقدت الأدوات اللازمة لتأمين شبكات الحماية الاجتماعيّة.

إلا أنّ العوامل الاقتصاديّة وحدها لا تقدّم جميع الأسباب التي أدّت إلى تفشّي هذه الظاهرة. فخلال العقد الماضي، استفادت شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين في العديد من دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط من عوامل سياسيّة سهّلت عملها، مثل تعاون هذه الشبكات مع بعض الجماعات المسلّحة غير الحكوميّة، والتي امتلكت أسبابها الخاصّة لدعم هذا النشاط غير الشرعي.

كما استفادت من غض نظر بعض الحكومات عن استعمال أراضيها كمراكز لتهريب المهاجرين غير الشرعيين، كوسيلة للابتزاز والحصول على المزيد من المساعدات الدوليّة.

الانقلابات والنفوذ الروسي في أفريقيا

في شهر ديسمبر/كانون الأوّل 2023، أصدر المجلس العسكري الانقلابي في النيجر مرسومًا ألغى بموجبه قانون “مكافحة تهريب المهاجرين”، الذي جرى إقراره سابقًا كجزء من شراكة طويلة الأمد مع الاتحاد الأوروبي لمكافحة أنشطة الهجرة غير الشرعيّة.

وبهذا الشكل، اختار المجلس الرد على تعليق المساعدات الدوليّة التي كانت تستفيد منها النيجر، بعد تنفيذ الجيش انقلابًا عسكريًا على السلطات المنتخبة في البلاد.

باختصار، كان المجلس العسكري يدرك أن إلغاء القانون والإجراءات المرتبطة به، سيعني حتمًا إغراق دول شمال أفريقيا، وخصوصًا ليبيا والجزائر وتونس، بأفواج من المهاجرين غير الشرعيين الأفارقة المتجهين إلى أوروبا.

وهذا ما شكّل جزءًا من مناكفات المجلس العسكري مع الدول الغربيّة، بعدما اختار التقرّب من روسيا بشكلٍ متدرّج، ومطالبة الجيش الفرنسي بمغادرة قواعده الموجودة في البلاد.

وما أثار خشية الحكومات الأوروبيّة، كان استخدام مسارات تهريب المهاجرين من قبل الجماعات المسلّحة المحليّة المتصلة بموسكو، والتي توسّع عملها تدريجيًا في العديد من الدول الأفريقيّة. ومن هذه الدول طبعًا دول الساحل الأفريقي، التي شهدت انقلابات مسلّحة خلال العامين الماضيين، مثل النيجر وبوركينا فاسو ومالي وغينا كوناكري.

وبينما استهدفت الشركات الروسيّة استثمار الموارد الطبيعيّة في تلك الدول، كانت التقارير الإعلاميّة تصوّب دائمًا على نشاط الجماعات المسلّحة المدعومة من روسيا في مجال الاتجار بالبشر.

الدرس الصعب الذي تعلّمه أردوغان

في واقع الأمر، كان الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان سباقًا في استخدام الهجرة غير الشرعيّة كوسيلة للابتزاز السياسي، بعدما فتح حدوده عام 2020 لعبور آلاف المهاجرين غير الشرعيين باتجاه اليونان وبلغاريا.

يومها، حرص أردوغان على استعراض هذه الخطوات إعلاميًا، من خلال تقارير التلفزيون الرسمي التركي، التي وثّقت أنشطة تهريب المهاجرين عبر الحدود. ولتبرير تلك الخطوة، أشار رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركيّة فخر الدين ألتون إلى أنّ “بلاده لم تتلقَ دعمًا كافيًا في استضافتها ملايين اللاجئين السوريين.”

في السنة عينيها، حصل أردوغان على مُراده من تلك المناورة، بعدما نال في نهاية السنة نفسها دعمًا قاربت قيمته الستّة مليارات يورو من الاتحاد الأوروبي، لقاء استضافة بلاده للاجئين السوريين. لكنّ السلطات التركيّة أدركت لاحقًا حجم التداعيات السلبيّة، التي نتجت عن التساهل مع شبكات تهريب المهاجرين عبر الحدود.

إذ تحوّلت العديد من محافظات غربي البلاد إلى أرض خصبة تستقطب عصابات تهريب المخدرات والاتجار بالبشر، للاستفادة من مسارات التهريب المتاحة. وحتّى هذه اللّحظة، مازالت الشرطة التركيّة تجهد للقضاء على عمل هذه العصابات، في إسطنبول وأنطاليا وإزمير.

تونس وكسر عزلة قيس سعيد السياسيّة

على النحو عينيه، دفعت تونس غاليًا ثمن تفشّي نشاط شبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعيّة، نتيجة حقبات الاضطرابات السياسيّة السابقة. حيث تحوّلت البلاد إلى محطّة رئيسة لتجميع المهاجرين غير الشرعيين، القادمين من دول جنوب الصحراء، وهو ما أنتج مخيّمات عشوائيّة في مناطق واسعة جنوب البلاد، دون أن تكون البنية التحتيّة أو سوق العمل مهيئة لهذه الزيادات السكّانية.

وفي النتيجة، باتت السلطات التونسيّة توازن ما بين الاحتجاجات الشّعبيّة المحليّة الرافضة لهذه المخيّمات، والمشاكل الأمنيّة التي ستنتج عن تفكيك المخيّمات بالقوّة وتشريد قاطنيها.

أمام هذا الواقع، عاد نظام قيس سعيد لمد اليد للدول الأوروبيّة، وخصوصًا إيطاليا التي تضرّت بشكلٍ ملحوظٍ من مسارات الهجرة غير الشرعيّة التي تمر بتونس، بهدف التعاون لتضييق الخناق على شبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعيّة.

وفي واقع الأمر، وجد النظام هذا النوع من الشراكات فرصة سانحة، لاستقدام المساعدات ورزم الدعم من الاتحاد الأوروبي، بعدما عانت السلطات التونسيّة من العزلة السياسيّة التي تلت استيلاء قيس سعيد على الحكم وتعليقه عمل البرلمان.

هكذا، دخلت قضيّة الهجرة غير الشرعيّة والاتجار بالبشر حيّز الاستثمار السياسي في تونس أيضًا. إلا أنّ المقاربة الأمنيّة القاسية التي اعتمدها النظام التونسي، في وجه المهاجرين غير الشرعيين، سرعان ما تحوّلت إلى انتهاكات مؤكّدة لحقوق الإنسان.

ومن هذه الانتهاكات على سبيل المثال، لجوء السلطات التونسيّة إلى ترحيل مئات المهاجرين غير الشرعيين وتركهم في أماكن مقفرة وسط الصحراء، عند الحدود الجزائريّة.

وهذه الانتهاكات الخطيرة كانت تجري بينما كان النظام يلاحق منظمات المجتمع المدني، المختصّة في الدفاع عن حقوق اللاجئين والمهاجرين.

بهذا الشكل، وبدل التركيز حصرًا على ملاحقة الشبكات المنظّمة التي تعمل في مجال الاتجار بالبشر، لجأ نظام قيس سعيد إلى ملاحقة اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين أنفسهم، في حملات أمنيّة لم تكترث لمصير هؤلاء بعد إبعادهم. وهذه المقاربة، تكاملت مع خطابات قيس سعيد الشعبويّة، التي أسهمت في تحريض التونسيين على المهاجرين واللاجئين الموجودين في البلاد.

ومن المعلوم أن هذا النوع من المقاربات، التي تستهدف ضحايا الهجرة غير الشرعيّة والاتجار بالبشر، تزيد من عزلة وهشاشة هذه الفئات، وهو ما يرفع مخاطر تعرّضها للاستغلال على مسارات الهجرة غير الشرعيّة.

استثمار اللاجئين في الملفّات السياسيّة

لطالما نشطت عصابات تهريب البشر على الشواطئ اللّبنانيّة، بالاستفادة من قرب البلاد من شواطئ جزيرة قبرص، التي تمثّل مقصدًا رئيسًا للمهاجرين غير الشرعيين، بالإضافة إلى محاذاة لبنان لسوريا، إحدى أبرز الدول المصدّرة للمهاجرين غير الشرعيين.

وعلى الرغم من وجود شهادات تؤكّد استفادة بعض المسؤولين الأمنيين من رشى لغض النظر عن رحلات تهريب المهاجرين، ظلّت السلطات اللبنانيّة تبدي الحد الأدنى من التعاون الأمني مع سلطات الدول الأوروبيّة، لمكافحة هذه الظاهرة.

الجديد خلال العام 2024، كان تكرار ورواج الخطابات السياسيّة الداعية لتسهيل رحلات الهجرة غير الشرعيّة عبر البحر، باتجاه أوروبا، في محاولة لمحاكاة النموذج الذي اعتمده أردوغان عام 2020.

وبشكل واضح وصريح، كانت جميع تلك الخطابات تشير بصراحة إلى وجوب الضغط على الدول الأوروبيّة بهذه الطريقة، لزيادة المساعدات التي يحصل عليها لبنان، لقاء استضافته النازحين السوريين. كما وجد الساسة اللّبنانيون أن هذه الطريقة يمكن أن تكون مجدية، لدفع الدول الأوروبيّة لتسهيل عودة اللاجئين إلى سوريا.

في ليبيا، تحوّلت أنشطة الاتجار بالبشر إلى أحد مصادر تمويل المجموعات المسلّحة الناشطة هناك، إلى جانب أنشطة أخرى غير مشروعة، مثل الاستغلال غير القانوني للموارد الطبيعيّة.

وفي بيئات من هذا النوع، تقاطعت جرائم الاتجار بالبشر وتهريبهم باتجاه أوروبا لاحقًا، مع عمليّات تجنيد المقاتلين الأطفال وتهريب المخدرات والاستعباد، بالاستفادة من الظروف المأساويّة التي يعاني منها المهاجرون الأفارقة في ليبيا.

هكذا باتت شبكات تهريب البشر والاتجار بهم تتغذّى من انتهازيّة بعض الأنظمة والجماعات المسلّحة، ومن بعض المصالح السياسيّة التي تستفيد من هذه الأنشطة. امّا بعض الأنظمة التي اختارت مواجهة هذه الظاهرة، كحالة النظام التونسي، فذهبت نحو مقاربات تحمّل اللاجئين وطأة الحلول الأمنيّة المؤلمة.

وفي الحالتين، كان المهاجرون أنفسهم ضحايا هذه السياسات والانتهاكات، وخصوصًا أولائك الذين فشلوا في الوصول إلى بلدان المقصد الثريّة.