تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

هجمات 11 سبتمبر لم تغير العالم، بل كانت خطوة على طريق ممتد من الصراعات

11 سبتمبر لم تغير
صورة تم التقاطها يوم ١١ سبتمبر ٢٠٠١ لرجل وهو يقف بين الحطام طالباً المساعدة بعد انهيار البرج الأول من برجي مركز التجارة العالمي في منطقة لاور مانهاتن بنيويورك. المصدر: DOUG KANTER / AFP.

نشر موقع “The Conversation” مقالة سلطت الضوء على السياق التاريخي الذي تشكلت فيه أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١. وتناول صاحب المقالة بول روجرز، وهو أستاذ مختص في دراسات السلام بجامعة برادفورد، سياقاتٍ تاريخية متعددة ضمن هذه المقالة ابتداءً من هجمات بيرل هاربر ووصولاً إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

وكانت هجمات 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن عميقة في أثرها، إذ انهار برجا مركز التجارة العالمي في أقل من 3 ساعات وصارا كومة من المعادن الملتوية والحطام. وأسفرت هذه الهجمات عن مقتل أكثر من 2700 شخصاً، بالإضافة إلى مقتل مئات آخرين في البنتاغون. كلّ هذا تم على أيدي رجال اختطفوا طائرة ركاب متخمة بالوقود وهم مسلحون بسكاكين صغيرة.

حينذاك كانت أمريكا تتعرض للهجوم. وجاء ذلك بعد وقت قصير من تشكيل جورج دبليو بوش لإدارته الجديدة التي تضمنت أشخاصاً ذوي نفوذ قوي من المحافظين الجدد، وذلك إلى جانب واقعيين يتمتعون بالحزم في وزارتي الدفاع والخارجية والبيت الأبيض نفسه. كلّهم كانوا عازمين على تحقيق رؤية “القرن الأمريكي الجديد“، حيث تسود العالم أفكار السوق الحرة النيوليبرالية المتجذرة في التجربة الأمريكية، والتي يقودها التقدم الأمريكي من بعد الحرب الباردة، وهو ما جعلها القوة العظمى الوحيدة المهيمنة على العالم اقتصادياً وعسكرياً.

في ذلك الوقت، قارن المعلقون ما حدث بالهجوم على بيرل هاربر، لكن تأثير 11 سبتمبر كان أكبر كثيراً. إذ أن الهجوم على بيرل هاربر شنته القوات البحرية لدولة كان بينها وبين الولايات المتحدة توتر كبير بالفعل. يضاف إلى ذلك أن الهجوم نُفّذ ضد قاعدة عسكرية في عصر ما قبل التلفاز وبعيداً عن البر الرئيسي للولايات المتحدة. أما هجمات 11 سبتمبر فكانت صدمتها أكبر. وإذا ما كانت الحرب ضد اليابان قد نتجت لهجوم هذه الأخيرة على بيرل هاربر، فلا بد من شن حرب بعد 11 سبتمبر وإن كان الشعب الأمريكي يجهل الجناة ومن يقفون وراءهم.

كان لا بدّ من تأمين رؤية القرن الأمريكي الجديد وكانت قوة السلاح هي السبيل إلى تحقيق ذلك في البداية ضد القاعدة وطالبان في أفغانستان.

حينذاك، عارض الحرب عدد قليل من الناس واعتبروها فخاً لجر الولايات المتحدة إلى احتلال أفغانستان بدلاً من التعامل مع 11 سبتمبر باعتباره عملاً إجرامياً جماعياً مروّعاً. بيد أن أصوات هؤلاء الناس كانت بلا جدوى.

بدأت أول “حرب على الإرهاب” ضد القاعدة وطالبان في غضون شهر، واستمرت بالكاد شهرين وبدا أنها حققت نجاحاً فورياً. تبع ذلك خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه بوش في يناير 2002، حيث أعلن الأخير فيه حرباً ممتدة ضد ما وصفه بـ”محور الشر” للدول المارقة العازمة على دعم الإرهاب وتطوير أسلحة الدمار الشامل.

كانت الأولوية للعراق، مع أخذ إيران وكوريا الشمالية بعين الاعتبار. وبدأت حرب العراق في مارس 2003 وبدا أنها انتهت بحلول الأول من مايو عندما ألقى بوش خطاب “المهمة أنجزت” من على ظهر حاملة الطائرات الأمريكية أبراهام لنكولن.

كانت تلك ذروة “الحرب على الإرهاب” بأكملها التي قادتها الولايات المتحدة. وكانت أفغانستان هي الكارثة الأولى، إذ عادت حركة طالبان إلى المناطق الريفية في غضون عامين إلى ثلاثة أعوام. واستمرت الحركة في محاربة الولايات المتحدة وحلفائها طوال 20 عاماً قبل استعادة السيطرة الشهر الماضي.

أما العراق، فعلى الرغم من أن المتمردين بدا أنهم هُزموا بحلول عام 2009 وأنه بإمكان الولايات المتحدة سحب قواتها بعد ذلك بعامين، فقد خرج تنظيم الدولة الإسلامية من الرماد كما النار في الهشيم. وأدى ذلك إلى الصراع الثالث، وهو الحرب الجوية المكثفة بين عامي 2014 و2018 في شمال العراق وسوريا، التي خاضتها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وغيرها. وأسفرت هذه الحرب عن مقتل عشرات الآلاف من أنصار تنظيم “الدولة الإسلامية” إلى جانب آلاف المدنيين.

وحتى بعد انهيار “دولة الخلافة” في العراق وسوريا، فإن تنظيم “الدولة الإسلامية” عاد ليبزغ نجمه. وبسط التنظيم نفوذه إلى مناطق بعيدة في الساحل الإفريقي وموزمبيق والكونغو الديمقراطية وبنغلاديش وجنوب تايلاند والفلبين. وبعد ذلك، عاد التنظيم من جديد إلى العراق وسوريا وحتى في أفغانستان. وكان الانتشار عبر منطقة الساحل مدعوماً بانهيار الأمن في ليبيا، وكان التدخل الذي قاده الناتو عام 2011 هو رابع حروب الغرب الفاشلة في 20 عاماً.

في مواجهة هذه الإخفاقات المريرة، لدينا سؤالان مترابطان: هل كانت أحداث 11 سبتمبر بداية عقود من الاضطراب العالمي الجديد؟ وما العمل بعد ذلك؟

11 سبتمبر في سياقها

 11 سبتمبر لم تغير العالم
صورة أصدرها البيت الأبيض يوم ١٦ سبتمبر ٢٠٠١ ويظهر فيها الرئيس الأمريكي حينها جورج دبليو بوش وهو يتحدث هاتفياً إلى نائبه ديك تشيني بعد مغادرته لقاعدة أوفوت الجوية في نبراسكا يوم ١١ سبتمبر ٢٠٠١. المصدر: AFP PHOTO/THE WHITE HOUSE/ERIC DRAPER..

من الطبيعي أن نرى أحداث 11 سبتمبر المنفردة على أنها قلبت المواقف العسكرية التقليدية رأساً على عقب، لكن هذا سيكون مضللاً. فقد كانت هناك بالفعل تغييرات جارية، إذ كشف كلّ شيء حدثان مختلفان تماماً في فبراير 1993، قبل ثماني سنوات من الهجمات.

الأول هو تعيين الرئيس الأمريكي بيل كلينتون لجيمس وولسي مديراً جديداً لوكالة المخابرات المركزية، الذي عندما سُئل في جلسة تأكيد ترشيحه في مجلس الشيوخ عن وصفه لنهاية الحرب الباردة، أجاب بأن الولايات المتحدة ذبحت التنين (أي الاتحاد السوفيتي)، لكنها تواجه الآن غابة مليئة بالثعابين السامة.

خلال التسعينيات، وتماشياً إلى حدٍّ كبير مع عبارة وولسي، انتقل الجيش الأمريكي من وضعية الحرب الباردة إلى الاستعداد لحروب صغيرة في أماكن بعيدة. وتزايد الاهتمام بأنظمة الضربات الجوية بعيدة المدى والقوات البرمائية ومجموعات حاملات الطائرات والقوات الخاصة. وبحلول الوقت الذي انتُخب فيه بوش في نوفمبر عام 2000، كانت الولايات المتحدة أكثر استعداداً لترويض الغابة.

والأمر الثاني كان ظاهرة جديدة لم يلحظ أهميتها الجيش الأمريكي ومعظم المحللين في أنحاء العالم، ألا وهي قدرة الضعفاء التي تتطور بسرعة على حمل السلاح ضد الأقوياء. ومع ذلك، كانت الإشارات موجودة بالفعل. ففي 26 فبراير 1993، وبعد وقت قصير من حديث وولسي عن غابة الثعابين، حاولت مجموعة إسلامية مسلحة تدمير مركز التجارة العالمي بشاحنة ضخمة مفخخة وُضعت في موقف سيارات تحت الأرض في البرج الشمالي. وكانت الخطة تقضي بانهياره فوق فندق فيستا المجاور له والبرج الجنوبي، مما يؤدي إلى تدمير المجمع بأكمله وقتل ما يزيد عن 30 ألف شخص.

لكن الهجوم فشل رغم مقتل 6 أشخاص، ولم تُلحظ أهميته إلى حد كبير رغم وجود العديد من مؤشرات الضعف الأخرى في التسعينيات. ففي ديسمبر 1994، حاولت مجموعة جزائرية مسلحة إسقاط طائرة ركاب إيرباص في باريس، وقد أحبطت القوات الخاصة الفرنسية الهجوم أثناء توقف الطائرة للتزود بالوقود في مرسيليا. وبعدها شهر، نفّذت حركة نمور تاميل تفجيراً بالبنك المركزي في كولومبو بسريلانكا مما أدى إلى تدمير معظم المنطقة التجارية المركزية بالمدينة، ما أسفر عن مقتل أكثر من 80 شخصاً وإصابة أكثر من 1400.

وقبل عقد من الهجمات الأولى على مركز التجارة العالمي، قُتل 241 فرد من مشاة البحرية الأمريكية في تفجير واحد في بيروت (قُتل 58 مظلياً فرنسياً آخر في انفجار قنبلة ثانية في ثكنتهم). وبين 1993 و2001، وقعد هجمات في الشرق الأوسط وشرق إفريقيا، بما في ذلك تفجير أبراج الخُبر في السعودية، وهجوم على المدمرة الأمريكية يو إس إس كول في ميناء عدن، وتفجير البعثتين الدبلوماسيتين الأمريكيتين في تنزانيا وكينيا.

وعلى هذا النحو، فإن هجمات 11 سبتمبر لم تغيّر العالم، بل كانت خطوة أخرى على طول مسار ممهد يؤدي إلى عقدين من الصراع وأربع حروب فاشلة من دون نهاية واضحة في الأفق.

ماذا بعد؟

ومع ذلك، فإن هذا المسار الطويل كان فيه منذ البداية عيب أساسي واحد. وإذا ما أردنا فهم الاتجاهات العالمية الأوسع في انعدام الأمن، فعلينا أن ندرك أنه في جميع تحليلات ذكرى 11 سبتمبر يكمن الاعتقاد بأن الشاغل الأمني الرئيسي يجب أن يكون في نسخة متطرفة من الإسلام. قد يبدو هذا خطأً معقولاً بالنظر إلى تأثير الحروب، لكنه ما يزال يسيء فهم الحقيقة. لذلك، من الأفضل أن تُعتبر الحرب على الإرهاب جزءاً من اتجاه عالمي يتجاوز تقليداً دينياً واحداً، أي تحرك بطيء ثابت نحو قيام الثورات من الهامش.

في أثناء تأليف كتابه “Losing Control” في أواخر التسعينيات، أي قبل عامين من أحداث 11 سبتمبر، وصف روجرز الوضع على هذا النحو: “ما يجب توقعه هو أن تتطور حركات اجتماعية جديدة تكون بطبيعتها معادية للنخبة وتستمد دعمها ممّن على الهامش، وخاصةً الرجال. وعلى حسب السياقات والظروف المختلفة، قد تكون لهم جذور أيديولوجية سياسية أو عقدية دينية أو عرقية أو قومية أو ثقافية، أو مزيج معقد من هذه الأشياء. قد تركّز على الأفراد أو الجماعات، ولكن السمة الأكثر شيوعاً هي معارضة مراكز القوة الحالية… ما يمكن قوله هو أنه، في ضوء الاتجاهات الحالية، سيكون العمل المناهض للنخبة سمة أساسية في الثلاثين عاماً القادمة. لن يكون صراع حضارات بقدر ما سيكون عصر حركات تمرد.”

وقد برز هذا من وجهة النظر القائلة بأن العوامل الأساسية في انعدام الأمن العالمي كانت مزيجاً من الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية المتزايدة والقيود البيئية على النمو إلى جانب استراتيجية أمنية متجذرة في الحفاظ على الوضع الراهن. يمكن النظر إلى “الغابة المليئة بالثعابين” الخاصة بوولسي باعتبارها نتيجة لذلك، لكن ستكون هناك ردود عسكرية متاحة للتغطية على المشكلات.

وبعد أكثر من عقدين من الزمن، ساءت الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية، ووصل تركيز الثروة إلى مستويات أفضل ما تُوصف به أنها فاحشة، بل إنها زادت بشكل كبير خلال جائحة كورونا، مما أدى في حد ذاته إلى نقص الغذاء وزيادة الفقر.

 

ملاحظة

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن آراء الكاتب (الكتّاب)، وليس المقصود منها التعبير عن آراء أو وجهات نظر فَنَك أو مجلس تحريرها.

ملاحظة

تم نشر هذه المقالة في الأصل على موقع https://theconversation.com/au في 10 سبتمبر 2021

user placeholder
written by
Dima Elayache
المزيد Dima Elayache articles