تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

حصار الخليج: هل يستمر صلح قطر مع خصومها؟

حصار الخليج والمصالحة
صورة تم التقاطها يوم ١١ يناير ٢٠٢١ لرجل وهو يحضن أخته بعد وصولها على متن أول رحلة تجارية وصلت من قطر إلى مطار الملك خالد الدولي في العاصمة السعودية الرياض. المصدر: FAYEZ NURELDINE / AFP.

نشر موقع “The Conversation” مقالة سلطت الضوء على المصالحة بين دول الرباعية وقطر ومدى قدرة هذه المصالحة على الصمود في المستقبل. ويقوم صاحب المقالة مصطفى منشاوي، وهو باحثٌ مختص في سياسات الشرق الأوسط لدى جامعة لانكستر، بتحليل عوامل الخلاف التي ما تزال قائمة ومدى تأثير هذا الأمر على المصالحة.

وقال منشاوي إنه بعد وقت قصير من فرض الدول العربية الأربعة – السعودية، والإمارات، والبحرين، ومصر – حصاراً على قطر في 2017، سافر إلى العاصمة الدوحة. وكان مطار حمد الدولي – الذي عادة ما كان يعج بالزائرين القادمين من دول الخليج (واحد من بين كل أربعة زائرين إلى قطر في 2015 أتوا من السعودية) – هادئاً على نحوٍ مخيف.

وقطعت الدول الأربعة علاقاتها بقطر في يونيو 2017 بعد توجيهها أصابع الاتهام للدوحة بدعم الإرهاب. وطالبت هذه الدول بإغلاق قناة “الجزيرة” القطرية، بالإضافة إلى تخفيض مستوى علاقات قطر مع إيران. في المقابل، رفضت الدوحة هذه الاتهامات ووافقت على وساطة الكويت والولايات المتحدة للخروج من هذا المأزق.

وكانت قطر قد قدّرت خسائرها من الحصار بمليارات الدولارات – مشيرة إلى بعض العوامل المماثلة لسرقة شبكة BeoutQ السعودية لمحتوى شبكة قنواتها الرياضية BeIN القطرية، وتلاعب الدول الأربعة بعملتها المحلية. وعندما وافقت دول الرباعية في 5 يناير الماضي على رفع الحصار واستعادة العلاقات الدبلوماسية مع قطر، فإن جميع الأطراف ترقبت بحماس تحقيق أية فوائد اقتصادية جراء انفراج الأزمة الدبلوماسية بين الدول المتخاصمة.

وقد تكون قطر أصغر دول الخليج حجماً، لكنها أكثرهم ثراءً. وعندما تحدث وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، بعد ساعات من توقيع اتفاق المصالحة، عن إمكانية ضخ صندوق الثروة السيادية لبلاده لاستثمارات في السعودية وغيرها من دول الخليج، فإن تلميحه هذا لقي صدى في الرياض.

وبحسب منشاوي، فإن اللعب بورقة الحوافز الاستثمارية طريقةٌ جيدة لاسترضاء السعودية الحريصة على جذب الاستثمارات الأجنبية لدعم مشاريع التحديث الهائلة برعاية ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. كما أنها تقوم بتلبية احتياجات البلاد طويلة الأمد لتأمين أسواق تصدير جديدة وتنويع اقتصادها المعتمد على الإيرادات النفطية.

علاقات أخوية

لكن أكبر علامة على حالة الانفراج الجديدة في العلاقات هو تغيّر لهجة الإعلام القطري. وكان إغلاق قناة الجزيرة يأتي على رأس قائمة المطالب الـ 13 التي اشترطتها الدول الأربع لفك الحصار عن قطر.

وفي الوقت الذي لم تقم فيه قطر بإغلاق قناة الجزيرة – فإن من يتابع الشبكة الإخبارية القطرية في الأيام التي تلت رفع الحصار سيشعر باختلاف في توجه القناة. وعلى سبيل المثال، فإن النشرات لم تعد تحتوي أخبارًا عن “انتهاكات” النظام السعودي.

ووصل الأمر بالقناة إلى حد إعادة تدوير الصورة الرائجة لولي العهد السعودي الذي كانت تهاجمه بحدة في الأسابيع القليلة الماضية بسبب “تلطيخ صورة السعودية”. وفي الوقت الراهن، يجري تقديم بن سلمان باعتباره صانع للسلام ومنخرطاً في علاقات “أخوية”. وانعكس هذا رمزياً في الطريقة التي عانق بها أمير دولة قطر تميم بن حمد آل ثاني عندما وصل إلى الرياض لحضور لقاء جمعهما على هامش مؤتمر مجلس التعاون الخليجي في السعودية 5 يناير الماضي.

في المقابل، فإن حدة تغطية قناة “العربية” السعودية لأخبار قطر خفَّت على نحوٍ لافت. هذا الأمر استرعى انتباه شبكة تلفزيون بي بي سي، ودفعها لاستضافة محللين للتعليق على العرض المتكرر لمشهد عناق زعيمي الدولتين. وفي معرض تعليقه على الطريقة الحماسية التي تعانق بها الزعيمان عندما تقابلا في مطار الرياض، قال أحد المحللين: “لقد كان عناقاً حاراً”.

وكان التصالح قد خلّف شعوراً بالارتياح في الدول الأربعة. ومع ذلك، فإن النزاع الذي استمر لسنوات كان باهض الثمن على الناس البسطاء – إذ يرتبط الكثير منهم بعلاقات قبلية لصيقة. وهناك الآلاف من حالات الزواج المختلط العابر للحدود بين الدولتين (لإعطائك فكرة عن مدى قرب السعودية من قطر، تحتاج إلى ساعة واحدة فقط للوصول من الدوحة إلى الأراضي السعودية بالسيارة).

ويقول منشاوي: “في قطر، سمعت العديد من القصص عن عائلات تفرقت عندما صدرت أوامر للقطريين بمغادرة الدول الخليجية الثلاثة المجاورة لها في غضون 14 يوماً. وصدرت أيضاً أوامر لأكثر من 12 ألف شخص من السعودية، والبحرين، والإمارات بمغادرة قطر. وتمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي حالياً بمقاطع فيديو لعائلات وهي تعبر فارحةً معبر “أبو سمرة” الحدودي بين السعودية وقطر في غضون ساعات من الإعلان عن الاتفاق”.

محادثات سعيدة

قد يبدو كلّ هذا وكأن العلاقات قد عادت إلى طبيعتها. بيد أن المشككين يشيرون إلى حقيقة أن الزعيمين المتخاصمين لم يذكرا أي اتفاق بشأن الموضوعات محل الخلاف والمتسببة في الأزمة، رغم حديثهما عن “الوحدة الأخوية” والرغبة في تحقيق “وحدة الخليج”.

ويقول منشاوي: “يبدو للعيان أن الدول كلّها خرجت رابحة من النزاع، لكننا لا نعرف كيف ربحت هذه الدول ولماذا. يأتي ذلك في الوقت الذي تم فيه وصف الموقف على أنه ’انفراجة قابلة للتدهور‘ أكثر من كونها وصول إلى تسوية”.

لم تلب قطر أي من المطالب الـ13، التي حددتها الدول الخليجية الأخرى حتى الآن. وعلى سبيل المثال، فقد ردّ وزير الخارجية القطري بصورةٍ حاسمة على مطالبة قطر بتخفيض علاقتها بإيران عن طريق إغلاق المقار الدبلوماسية في إيران أو طرد أعضاء الحرس الثوري الإيراني من قطر. وقال وزير الخارجية القطري بعد إبرام الاتفاق بأيام إن بلاده لن تعدّل علاقتها بطهران.

وعلى هذا النحو، يرى منشاوي أن النزاع بين هذه الدول لم ينتهي مطلقاً ولا يزال التوتر يموج تحت السطح. من جانبها، تعتبر السعودية إيران “خطراً وجودياً” ومن المستبعد أن تتقبل الرياض إجابة عدم تغيير قطر علاقتها بطهران.

ويعتقد آخرون أن تخفيف حدة التوتر مع قطر مؤقتاً يُعد مكسباً سهلاً بالنسبة لبن سلمان – وهو هدفٌ حققه بسهولة نسبياً قبيل تنصيب جو بادين في الحكم بصفته الرئيس الـ46 للولايات المتحدة. ويُعرف بايدن بموقفه الناقد لمنهج الرياض في التعامل مع حقوق الإنسان.

ولا يوجد أي مؤشرات تدل على أن قطر تلقي بالاً بالمطالب الأخرى، والتي تشمل غلق القاعدة العسكرية التركية الموجودة خارج الدوحة. وتحظى تركيا بشعبية بين القطريين، إذ سترى العلم التركي أو حتى صورة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان معلّقة على لوحات أرقام بعض السيارات.

وفي ظل حل عدد قليل فقط من القضايا العالقة بين قطر والدول الخليجية الأخرى، لكن يكون من المستغرب أن تظهر بوادر توتر جديدة بين الطرفين بعد أيام فقط من توقيع الاتفاق. وقال وزير الخارجية الإماراتي أنور قرقاش بعد قمة مجلس التعاون الخليجي إنه لا يزال يتعين على الدوحة الإجابة على بعض الأسئلة، من بينها: “كيف ستتعامل قطر مع مسألة التدخل في شؤوننا عبر دعم الإسلام السياسي؟ وهل وجود تركيا في الخليج سيكون دائماً؟”.

ويختم منشاوي مقالته بالتالي: “كانت هذه هي نفس الأسئلة الموجهة لقطر قبل وقت طويل من إعلان الدول الأربعة إنذارها في 2017. ومن المرجح أن يعيش هذا التوتر لفترةٍ أطول من فترة الدفء الناجمة عن العناق على شاشات التلفاز”.

ملاحظة

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن آراء الكاتب (الكتّاب)، وليس المقصود منها التعبير عن آراء أو وجهات نظر فَنَك أو مجلس تحريرها.

* تم نشر هذه المقالة في الأصل على موقع https://theconversation.com في 21 يناير 2021.

user placeholder
written by
Mohammed Abdullatif
المزيد Mohammed Abdullatif articles