تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

ماكرون ولوبان: رؤيتان للشرق الأوسط

ماكرون لوبان

جاستن صالحاني

عندما تولى الوسطيّ إيمانويل ماكرون رئاسة فرنسا عام 2017، بشّر بسياسة  مبنيّة  على “حقوق الإنسان” “وإنهاء سياسة المحافظين الجدد التي استوردتها فرنسا طيلة عشر سنوات”. وها هو  يخوض الجولة الثانية من الانتخابات  ضد مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان في 24 إبريل  دون أن يكون هناك أي تأثير  لسياسته  اليافعة  في الشرق الأوسط .

وقال الدكتور زياد ماجد، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في الجامعة الأمريكية في باريس، لفنك: “لا تتسم سياسته تجاه الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالاتساق”. مضيفًا أنّه: إما أنها لم تكن على رأس أولوياته، وإما  أنّ جائحة كورونا ، أو احتجاجات السترات الصفراء،  أو الحرب الأوكرانية أخرجتها عن مسارها.

وأردف: “لقد رجعت إلى الأسلوب التقليدي تجاه الشرق الأوسط الذي يفضّل الاستقرار على مواكبة الديناميكيات السياسية والاجتماعية ودراسة تطلعات المجتمعات التي يعبّر عنها الفاعلون السياسيون المعارضون”.

وكان ماكرون قد انتقد الديكتاتور المصري عبد الفتاح  السيسي  في يناير عام 2019 على سجلّه اللاإنسانيّ،  لكنّه سرعان ما رحب بزيارته الرسمية إلى باريس في ديسمبر 2020 قائلًا  إنه لا علاقة بين مبيعات الأسلحة  وأوضاع  حقوق الإنسان.

وقد يتوطد هذا الاتجاه في سياسة فرنسا تجاه الشرق الأوسط في حالة فوز لوبان التي قالت إنها ستطبع العلاقات مع الديكتاتور السوري بشار الأسد مبررةً قرارها بمبررات مناصري الأسد نفسها. كما وطّدت فرنسا علاقاتها مع الإمارات في ظل إدارة ماكرون. ولوبان تتوقع أن تقوى هذه العلاقات –مع البلد التي قابل زعيمها مؤخرًا بشار الأسد– ما يعني إضعاف التعاون مع قطر والسعودية.

وقال ماجد: “الإمارات فاعل ناشط جدًا هذه الأيام، ويتدخل في مسارح عمليات مختلفة وينفق أموالًا  طائلة لبناء تحالفات وشبكات معارضة للإخوان المسلمين” . وأضاف أن الإمارات تقمع الحركات الثورية الداعية إلى التغيير في المنطقة.

وجدير بالذكر أن الإمارات ثاني أكبر شريك تجاري لفرنسا في المنطقة، وأحد كبار مشتري أسلحتها. فقد اشترت أسلحة بأكثر من 4.7 مليار يورو في الفترة بين عامي 2011 و2020. كما تشاركت الإمارات وفرنسا دعم الجنرال الليبي خليفة حفتر في عهد  ماكرون، وبدت فرنسا منحازة إلى الجانب الإماراتي في نزاعها الإقليمي مع تركيا.

ويحافظ ماكرون على تقدم بفارق كبير في جميع استطلاعات الرأي، بمتوسط 56% من الأصوات تقريبًا. لكن تفوقه على منافسته لوبان في الجولة الثانية من انتخابات عام 2017 جاء بـ66% من الأصوات، ما يدل على تراجع كبير في أعداد مؤيديه. ومع ذلك يُتوقع أن يكون ماكرون أول رئيس يفوز بولاية ثانية منذ عهد الرئيس جاك شيراك عام 2002.

يضيف ماجد أنّه إذا ما أسفرت الأمور عن غير ذلك، فإن لوبان ستُحدث بعض التغييرات المثيرة، وأحد ساحاتها ستكون في المغرب العربي وسط  تغيّر عنيف في العلاقات بين دولها وفرنسا.

وكان ماكرون قد فشل في محاولته تحسين العلاقات مع الجزائر، البلد التي خاضت حرب تحرير نفسها من الاحتلال الفرنسي الغاشم بين عامي 1954 و1962.

لكن ماجد يرى أن “المسؤولية لا تقع على عاتق ماكرون وحده، وإنما على الجانب الآخر كذلك. فالنظام القائم في الجزائر لا يريد فتح صفحة جديدة مع فرنسا لأنه يستخدم الإرث الاستعماري الفرنسي لتبرير كثير من سياساته وأفعاله”.

في الوقت نفسه، أظهرت لوبان ميلًا  إلى تحسين العلاقات مع المغرب وتونس، لكنها تشددت مع الجزائر. كما أنّ تشددها في قضايا الهجرة والجنسية سيؤثر في مواطني المستعمرات الفرنسية السابقة في شمال الصحراء الإفريقية وجنوبها أكثر من غيرهم.

أما في الشام، فقد حاول ماكرون أن يلعب دورًا مهمًّا  في لبنان ليشكل  نافذة  لتأثير واسع له في الشرق الأوسط.

وقال ماجد: “إنه لم يتعامل مع لبنان باعتباره البلد الذي يجمعه بفرنسا العديد من الروابط والصلات التاريخية والثقافية فحسب، وإنما باعتباره جسرًا لبلدان الشرق الأوسط كلها، إذ يمكن لفرنسا أن تؤدي دورًا مختلفًا  لأنها تستطيع التحدث إلى الإيرانيين والسعوديين، والإماراتيين والقطريين”.

وكانت خطط ماكرون للمنطقة واعدة لكنها لم تفلح كما كان يأمل. فقد شاع أن تدخله كان حاسمًا  لإطلاق سراح رئيس الوزراء اللبناني الأسبق سعد الحريري بعد أن احتجزته السعودية، وهو تصرف يُحتمل أنه قد عقّد علاقاته مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. إلا أنه كان أول مسؤول غربي يزوره بعد اغتيال الصحفي جمال خاشقجي.

كما زار ماكرون لبنان بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس 2020 باستعراض كبير ووعود بتقديم المساعدات إلى اللبنانيين وأنها لن تذهب إلى أيدي قادتهم الفاسدين. إضافة إلى تقديم فرنسا في ظل إدارة ماكرون مساعدات للبنان بأكثر من 119 مليون دولار بعد عام من الانفجار.

بدورها جاءت بعض وعود لوبان بالتركيز على مساعدة لبنان -البلد الذي يعاني واحدة من أقسى الأزمات الاقتصادية في العالم ونقص شديد في الكهرباء  لكن ماجد يرى أن خطابها عن لبنان أقرب إلى جذب “غالبية المسيحيين” و”الناخبين التقليديين” وهو يخفف من وطأة أزمات الدولة كونها معقل المسيحيين في الشرق الأوسط.

وأضاف ماجد متحدّثًا عن التغيرات التي قد تُحدثها لوبان في السياسة الفرنسية تجاه لبنان: “لا أظن أن بإمكان لوبان فعل أكثر مما فعل ماكرون. فقد فعل أقصى ما يمكن ولا يمكنها فعل أكثر من ذلك أو تغيير شيء”.

وفيما يتعلق بالعلاقات مع إسرائيل وفلسطين، يُعتبر ماكرون أقرب إلى أن يكون رئيسًا مؤيّدًا  لإسرائيل. وهو إذ يعترف ببعض حقوق الفلسطينيين، يركز على العلاقة القوية بين إسرائيل وفرنسا. وفي أغلب الأحوال ستنتهج لوبان النهج نفسه، إن لم تفضّل أمن إسرائيل على حقوق الفلسطينيين.

وقال ماجد: “تاريخيًّا” ، يجمع اليمين المتطرف في فرنسا، بل وأوروبا كلها، بين معاداة السامية وتأييد إسرائيل، فهي بعيدة عنهم وتضطهد العرب والفلسطينيين”.

بينما بدأ ماكرون ولايته بوعود عن إعادة كتابة التاريخ بين فرنسا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فقد فشل في بناء سياسة متماسكة تجاه المنطقة. وقد تعاون مع حكامها المستبدين خلال خمس سنوات قضاها في السلطة. ولا شك في أن فوز لوبان يعني تعميق هذا الاتجاه. وإن كان لا فارق كبير بينهما، لكن وعود لوبان بتعميق العلاقات مع الإمارات ونظام الأسد من شأنها أن تعرقل عمل الحركات الثورية والديمقراطية في المنطقة.