تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

باكستان تكافح للحفاظ على مكانتها وسط تغيّر القوى المحرّكة للعالم الإسلامي

saudi pakistan
صورة تم التقاطها يوم ٤ سبتمبر ٢٠١٩ لوزير الخارجية الباكستاني شاه محمود قريشي وهو يضع يديه بأيدي وزير الخارجية السعودي السابق عادل الجبير (يمين) ووزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان (يسار) قبل قمة تم عقدها في وزارة الخارجية الباكستانية بإسلام أباد. المصدر: STR/ AFP.

نشر الصحفي البارز جيمس دورسي مقالة على مدونته الخاصة سلّط فيها الضوء على الوضع الدقيق الذي تعيشه باكستان حالياً وسط ما يعيشه العالم الإسلامي من صراع بين القوى الإسلامية للهيمنة على زعامته. ويقوم دورسي، وهو باحثٌ بارز في معهد الشرق الأوسط التابع لجامعة سنغافورة الوطنية، باستعراض أسباب توتر العلاقات بين باكستان والسعودية، وتأثير تغيّر التحالفات في المنطقة على علاقة الدولتين.

ويرى دورسي أن حالة التوتر القائمة بين باكستان وحليفيها العرب التقليديين، السعودية والإمارات، لا تتوقف فقط عند استهداف الدولتين الخليجيتين للسوق الهندي الأكثر ربحية.

وتأتي قدرة الهند على تعزيز فرص دول الخليج في التحوّط ضد المخاطر المترتبة على حالة الغموض بشأن استمرار إيفاء الولايات المتحدة الأمريكية بالتزاماتها تجاه الأمن الإقليمي في المنطقة في قلب حالة التوتر التي الراهنة مع باكستان، الأمر الذي سيعرقل على الأرجح التعافي الاقتصادي الباكستاني.

وتعد الهند عضواً هاماً في التحالف الرباعي، الذي يشمل أيضاً الولايات المتحدة، وأستراليا، واليابان. ويمكن لهذه الدولة أن تلعب دوراً مستقبلياً في صياغة استراتيجية متعددة الأطراف للأمن القومي في الخليج.

ولأنّ هذه الاستراتيجية مصممة كدعامة رئيسية لاستراتيجية منطقة المحيط الهادي الهندي الأشمل ولمواجهة نفوذ الصين عبر المساحات البحرية الشاسعة في آسيا، من المستبعد أن تختار دول الخليج صفاً على حساب الآخر، بل أنها ستبقى حريصة على الاحتفاظ بعلاقات وثيقة مع الجانبين، الذين تتسع الهوة بينها.

وبحسب دورسي، فإن التوتر المتراكم مع باكستان يعتبر أيضاً النسخة الأحدث من الصراع العالمي للقوة المسلمة الناعمة. فهذا الصراع يضع السعودية والإمارات في مواجهة مع تركيا، وإيران، ناهيك عن قوى آسيوية أخرى فاعلة كحركة نهضة العلماء في إندونيسيا، وهي أكبر حركة إسلامية في العالم.

ويرى صاحب المقالة أن جهود الدول الإسلامية الكبرى في آسيا، التي تحاول اتخاذ مواقف معتدلة تتعقّد بسبب مزيج من السياسات المحلية والجيوسياسية. يأتي هذا في الوقت الذي قامت فيه باكستان، وهي موطن أكبر أقلية شيعية في العالم، بالتواصل مع تركيا في إطار ما تقوم به من جهود لموازنة علاقاتها مع جارتها إيران.

لكن الضغط الذي تتعرض له باكستان متعدد الجوانب.

وكان رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان قد وجه مؤخراً أصابع الاتهام نحو الولايات المتحدة الأمريكية ودولة أخرى لم يسمّها، بأنهما يضغطان عليه لإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.

في المقابل، أكدت وسائل إعلام باكستانية وإسرائيلية أن السعودية هي الدولة المقصودة في تصريحات رئيس وزراء باكستان. وتحظى إمكانية سير باكستان على خطا الإمارات والبحرين بالاعتراف بإسرائيل بأهميةٍ خاصة، سيّما وأن هذه الدولة تعتبر ثاني أكبر دولة إسلامية في العالم من حيث عدد السكان.

وكانت باكستان قد أشارت مرتين خلال العام الماضي إلى اتساع الشقاق بينها وبين المملكة العربية السعودية.

وخطط خان للمشاركة في القمة الإسلامية، التي استضافتها ماليزيا في العام الماضي بحضور الدول المعارضة للسعودية كتركيا، وإيران، وقطر. بيد أن المملكة لم تحضر هذه القمّة ومعها في ذلك معظم الدول الإسلامية. وألغى رئيس الوزراء الباكستاني مشاركته في اللحظة الأخيرة بضغط من السعودية.

ومؤخراً، تحدَّت باكستان مجدداً زعامة السعودية للعالم الإسلامي عندما عبّر وزير الخارجية الباكستاني شاه محمود قريشي عن شكوته من نقص دعم منظمة التعاون الإسلامي التي تهيمن عليها السعودية، لباكستان في صراعها مع الهند حول إقليم كشمير.

في المقابل، أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على دعم بلاده المستمر لباكستان في نزاع كشمير، وذلك على هامش زيارة أجراها لباكستان في وقت مبكر من العام الجاري.

وبتحدي المملكة علناً، يكون قريشي قد سدّد ضربة للسعودية في أشد المواضع حساسية للأخيرة، سيّما وأن هذه الضربة جاءت في الوقت الذي تسعى فيه الرياض إلى إصلاح صورتها الملطخة باتهامات انتهاكها لحقوق الإنسان. كما أن هذا الأمر يتزامن مع مناورة المملكة لبناء علاقة جيدة مع إدارة الرئيس الأمريكي المقبل جو بايدن، فضلاً عن التصدي للتحديات التي تواجه زعامتها للعالم الإسلامي.

ومع ذلك، فإن باكستان لم تساعد نفسها. فعلى الرغم من التقدم الذي أحرزته البلاد على مستوى البنية التشريعية وإنفاذ القانون، فإنها فشلت مؤخراً في إزالة اسمها من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي، وهي منظمة دولية تكافح غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.

ويؤدي إدراج الدول على القائمة الرمادية إلى الإضرار بسمعتها ويجعل المستثمرين الأجانب والبنوك الدولية أكثر حرصاً عند التعامل مع تلك الدول التي لم تحصل على شهادة تفيد بنزاهتها المالية.

ورداً على تحدي قريشي للمملكة، فقد طالبت السعودية باكستان بردّ قرضٍ قيمته مليار دولار أمريكي كانت قد منحته الرياض للدولة الموجودة في جنوب آسيا بهدف التخفيف من حدة أزمتها المالية. كما تراجعت المملكة عن تجديد تسهيل ائتماني نفطي قيمته 3.2 مليار دولار كان قد انتهى في مايو الماضي.

وفيما ستفسره باكستان باعتباره دعماً من الإمارات للسعودية، أدرجت الإمارات باكستان في قائمة الدول الإسلامية المحظور دخول مواطنيها إلى الدولة الخليجية، وهي نسخة إماراتية من الحظر الذي فرضه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على سفر المسلمين القادمين من بعض الدول الإسلامية إلى بلاده.

وأدى وضع باكستان ضمن قائمة تشمل 13 دولة إسلامية، لن يتمكن مواطنيها من الحصول على تأشيرة سفر إلى الإمارات، إلى زيادة الضغوط عليها لأنها تعتمد بقوة على تصدير عمالتها للحصول على تحويلات نقدية وتخفيف حدة البطالة لديها.

ويخشى بعض الباكستانيين من أن يؤدي التحسن المحتمل للعلاقات التركية – السعودية إلى سقوط بلادهم في التصدعات الجيوسياسية في المنطقة.

في أول لقاء يجمع مسؤولين سعوديين وأتراك بارزين منذ حادثة مقتل الصحفي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول في أكتوبر 2018، عقد وزيرا خارجية الدولتين، الأمير فيصل بن فرحان ومولود جاويش أوغلو، محادثات ثنائية نهاية الأسبوع الجاري على هامش فعاليات مؤتمر منظمة التعاون الإسلامي التي عُقدت في النيجر.

وكتب أوغلو تغريدة بعد اللقاء: “إن عقد شراكة قوية بين السعودية وتركيا لا يفيد بلدينا فحسب، بل المنطقة بأكملها”.

هذا اللقاء جاء بعد أيام من اتصال العاهل السعودي الملك سلمان بإردوغان عشية قمة افتراضية، عقدتها المملكة لمجموعة العشرين، التي تضم أكبر الاقتصادات في العالم.

وقالت المحللة سحر خان: “العالم الإسلامي يتغير والتحالفات تتحول وتدخل عهداً جديداً”.

أما المحللة امتياز علي فقالت: “على المدى القصير، ستواصل الرياض استغلال الهشاشة الاقتصادية لإسلام آباد. لكن على المدى الطويل، لا يمكن للرياض تجاهل صعود قوة الهند في المنطقة، وقد يجمع الدولتين تحالفاً لصيقاً – وهو أمرٌ سيزيد من الضغط المفروض على العلاقات السعودية – الباكستانية”.

ملاحظة

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن آراء الكاتب (الكتّاب)، وليس المقصود منها التعبير عن آراء أو وجهات نظر فَنَك أو مجلس تحريرها.

* تم نشر هذد المقلة بالأصل على موقع https://mideastsoccer.blogspot.com في 30 نوفمبر 2020.

written by
Mohammed Abdullatif
المزيد Mohammed Abdullatif articles