تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

جولة لافروف في الخليج: مؤشر على العلاقات السعودية الأمريكية

سيرغي لافروف أثناء حضوره لمؤتمرٍ صحفي
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أثناء حضوره لمؤتمرٍ صحفي مشترك عقب لقاء مع نظيريه التركي والقطري يوم 11 مارس 2021 في العاصمة القطرية الدوحة. المصدر: KARIM JAAFAR / AFP.

جيمس دورسي

نشرت مدونة الصحفي البارز جيمس دورسي مقالةً على مدونته تناول فيها زيارة وزير الخارجية الروسي الحالية إلى الخليج في سياق سياسة الإدارة الأمريكية الجديدة في التعامل مع المنطقة. وفي الوقت الذي شرع فيه وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف بزيارة إلى دول الخليج تستغرق أربعة أيام، يحاول قادة الشرق الأوسط تدارك تبعات المعايير الجديدة للإدارة الأمريكية الخاصة بسياستها في المنطقة أو التعبير عن رفضهم للتأقلم مع سياسة بايدن.

وتأتي زيارة لافروف إلى السعودية والإمارات وقطر بعد أسبوع من إصدار الولايات المتحدة تقرير استخباراتي يزعم أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قد أمر بقتل الصحفي جمال خاشقجي في عام 2018.

وكانت الولايات المتحدة في وقت سابق قد أوقفت بيع أسلحة للمملكة قد تستعملها في حربها المدمرة ضد اليمن المستمرة منذ ست سنوات.

ولن يمر لافروف في زيارته تلك بإسطنبول أو القدس في وقت ينتظر فيه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مكالمة هاتفية من بايدن، وبينما تقترح إسرائيل أنها قد لا تساهم في الجهود الأمريكية لإحياء الاتفاقية الدولية لعام 2015 التي حدّت من البرنامج النووي الإيراني، وأنها قد تعمل منفردة بشكل أكثر عدائية لمواجهة الطموحات النووية للجمهورية الإسلامية.

ومن المؤكد أن لافروف يرغب في الاستفادة من استفزاز سياسة إدارة بايدن لقادة الشرق الأوسط وسط ملاحظات بأن إعادة تقويم العلاقات مع السعودية وتأخير المكالمات الهاتفية يوحي بأن الولايات المتحدة تقلل من أهمية الشرق الأوسط في استراتيجيتها العالمية، أي أنها ستقلل من التزاماتها الأمنية تجاهه، بل ربما تفكر في الانسحاب من المنطقة.

لا شك أن الولايات المتحدة ترغب في إعادة هيكلة التزاماتها في المنطقة من خلال زيادة تقاسم الأعباء والتعاون الإقليمي، ولكن يُستبعد أن تتخلى عن الشرق الأوسط كلياً.

والسؤال المهم هو إذا ما كان استفزاز الولايات المتحدة لقادة الشرق الأوسط مجرد تعبير عن نية الإدارة الجديدة أم أنه محاولة متعمدة لبثّ الشك في نفوس بعض الشركاء في المنطقة أملاً في زيادة نفوذ الإدارة.

ويرى دورسي أن الاستراتيجية طويلة المدى قد تحقق نتائج مفيدة غير مقصودة لقناعة الإدارة الجديدة بأن معالجة الطوارئ المحلية مثل الوباء والأزمة الاقتصادية، وكذلك إصلاح العلاقات مع حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في أوروبا وآسيا شرط مسبق لاستعادة نفوذها الذي أضعفه الرئيس السابق دونالد ترامب.

إذا صح ذلك الاستنتاج، فإن لافروف قد يقدم عن غير قصد خدمة لإدارة بايدن، فهو يسعى إلى استغلال اضطراب العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها من أجل دفع خطة روسية لإعادة هيكلة البنية الأمنية.

مفاد هذه الخطة هو عقد مؤتمر أمني شرق أوسطي على غرار منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE) واتفاقية عدم اعتداء إقليمية تضمنها الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند.

وبفعل ذلك، سيمهد لافروف الطريق للنقاش حول مفهوم جرت مناقشته بأشكال مختلفة في مراحل عدة بين المسؤولين الأمريكيين، حيث تستعيد الولايات المتحدة التي ترتب شؤونها الداخلية بمصداقية هيمنتها بصفتها أساس الهيكل الأمني الجديد.

كما أنه سيعيد إلى الواجهة عدم رغبة روسيا والصين أو عجزهما عن حل محل الولايات المتحدة، وأن دول الشرق الأوسط قد تستفيد أكثر من بنية تسمح لها بتنويع علاقاتها، بل ربما استغلال هذه العلاقات بعضها ضد بعض.

صحيح أنه من المبكر الحكم على هذه التصورات، لكن السعودية ما تزال مصرةً حتى الآن على “أن الشراكة بين المملكة والولايات المتحدة شراكة قوية ودائمة”. يأتي هذا التصوّر رغم رفض المملكة في البيان نفسه ما ورد في تقرير المخابرات الأمريكية من استنتاجات باعتبارها “مسيئة وغير صحيحة”.

وتبدو المملكة في الوقت الراهن عازمةً على مواجهة الرياح العاتية في البيت الأبيض والكونغرس بدلاً من الاندفاع نحو موسكو وبكين لإعادة تنظيم علاقاتها الجيوسياسية والأمنية.

وفي الفترة التي سبقت صدور التقرير، سعت المملكة في سبيل تحقيق ذلك الهدف إلى توسيع نشاطها في العلاقات العامة وجماعات الضغط للتركيز على قطاعات شعبية أوسع من دوائر واشنطن السياسية؛ قطاعات يُستبعد أن تكون على دراية جيدة بالتفاصيل المروعة لمقتل خاشقجي أو بواقع الحرب المرير في اليمن، وهو البلد الذي جعل منه تحالف السعودية العسكري أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

ويبدو أن هذه الحملة تهدف إلى خلق تعاطف شعبي مع المملكة في جميع أنحاء الولايات المتحدة حتى ينعكس ذلك على سلوك الناخبين ويؤثر على أعضاء الكونغرس.

وقال فهد ناظر المتحدث باسم السفارة السعودية في واشنطن: “ندرك أن الأمريكيين خارج واشنطن مهتمون بالتطورات في المملكة كما ندرك أن كثيرين بما في ذلك مجتمع الأعمال والمؤسسات الأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني المختلفة حريصون على تقوية العلاقات مع السعودية والحفاظ عليها”.

وتُظهر السجلات أن أكثر من نصف شركات العلاقات العامة التي تعمل لصالح السعودية خلال العام الماضي والبالغ عددها 2000 شركة هي شركات تقع خارج واشنطن.

هذه الشركات المحلية والإقليمية المتمركزة خارج العاصمة الأمريكية، ومنها مجموعة لارسون شاناهان سليفكا في ولاية أيوا والمتعاقدين معها من الباطن في ولاية ماين وجورجيا ونورث كارولينا وغيرها من الولايات، كانت قد تواصلت مع غرف التجارة المحلية ووسائل الإعلام ومنظمات نسوية وجماعات دينية من بينها دور عبادة يهودية.

ووزعت جماعات الضغط مواد تروّج لما جنته النساء في قطاع الرياضة وقطاعات أخرى بسبب الإصلاحات الاجتماعية التي نفذها الأمير محمد في بلد كان يمنع النساء من القيادة حتى ثلاث سنوات مضت.

ولا يُرجح أن تكون تلك الجهود السعودية سبباً يمنع لافروف من بيع الأسلحة الروسية خلال جولته في الخليج بما في ذلك نظام الدفاع الصاروخي “S-400” الذي أعربت المملكة عن رغبتها في شرائه قبل فترة طويلة من الانتخابات الأمريكية التي فاز بها بايدن.

بيد أن المملكة لم تتخذ أي خطوات أخرى في هذا الصدد. وإِن فعلت ذلك خلال زيارة لافروف هذا الأسبوع، فإن هذا سيكون بمثابة دليل على استعدادها للتوجه نحو روسيا والصين.

وحتى الآن لا يبدو أن المحللين الأمريكيين مهتمون بهذا الأمر.

وقد قال المسؤول في المخابرات الأمريكية السابق بول بيلار المتابع لشؤون الشرق الأوسط: “إن جاذبية التعامل مع الولايات المتحدة ستستمر دون تساهلات، وهو ما يبرز مثلاً في خيارات السعودية لشراء الأسلحة نظراً إلى أن دفاعاتهم قد بنيت إلى حد كبير اعتماداً على التكنولوجيا الأمريكية”.

ملاحظة

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن آراء الكاتب (الكتّاب)، وليس المقصود منها التعبير عن آراء أو وجهات نظر فَنَك أو مجلس تحريرها.

* تم نشر هذه المقالة في الأصل على موقع https://mideastsoccer.blogspot.com في 08 مارس 2021.

إقراء المزيد