تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

تركيا وإيران تستصعبان القوة الناعمة على القوة الصارمة

تركيا وإيران القوة الناعمة
صورة تم التقاطها يوم ١٦ سبتمبر ٢٠١٩ للرئيس التركي رجب طيب إردوغان (يمين) والرئيس الإيراني السابق حسن روحاني (يسار) وهما يتصافحان قبيل اجتماعهما في القصر الرئاسي في أنقرة. وأجرى في ذلك الوقت الرئيس التركي إردوغان محادثات ثلاثية حول الشأن السوري مع نظيريه الإيراني روحاني والروسي فلاديمير بوتين. المصدر: ERDEM SAHIN/ POOL/ AFP.

جيمس دورسي

قد لا يكون القادة الإيرانيون مستمعين لبوب ديلان، لكن يبدو أن صدى كلمات أغنيته “الأوقات تتغير” ستتردد على مسامعهم عندما يقدمون على خطواتهم المقبلة في العراق وكردستان العراق ولبنان وأذربيجان.

والأمر نفسه ينطبق على الرئيس التركي رجب طيب إردوغان. فسمعة الرئيس بوصفه المدافع الشرس عن قضايا المسلمين – إلا إذا كلفه ذلك ثمناً اقتصادياً كما هو الحال مع قمع الصين الوحشي للمسلمين التركمان – بدأت تتراجع بسبب دعاوى التساهل مع غسيل الأموال وسوء إدارة الاقتصاد.

وتأتي هذه التراجعات في وقت تنحدر فيه شعبية أردوغان في استطلاعات الرأي العام.

وكانت تركيا قد طردت في نهاية هذا الأسبوع سفراء الولايات المتحدة وكندا وفرنسا وفنلندا والدنمارك وألمانيا وهولندا ونيوزيلندا والنرويج والسويد لدعوتهم إلى إطلاق سراح الناشط الإنساني والحقوقي عثمان كافالا تماشياً مع قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

ولا تستطيع إيران أو تركيا تحمّل تبعات هذه التراجعات التي غالباً ما كانت نتيجة الغطرسة. فكلتاهما لديها هموم جيوسياسية ودبلوماسية واقتصادية أكبر، وهما تنافسان السعودية والإمارات بالإضافة إلى حزب نهضة العلماء الإندونيسي لا على القوة الناعمة الدينية فحسب، بل على قيادة العالم الإسلامي أيضاً.

وتكتسب هذه المنافسة أهميتها في عالم يميل فيه خصوم الشرق الأوسط إلى إدارة خلافاتهم بدلاً من حلّها، عن طريق التركيز على الاقتصاد والتجارة والقوة الناعمة بدلاً من القوة الخشنة والحروب بالوكالة.

وقد عارض محمد هدايت نور وحيد، نائب رئيس البرلمان الإندونيسي، مؤخراً أن يطلق اسم مصطفى كمال أتاتورك، الجنرال ورجل الدولة الذي صنع تركيا الحديثة من أنقاض الإمبراطورية العثمانية، على أحد شوارع جاكرتا. واقترح أن تُطلق أسماء بديلة مثل السلطان العثماني محمد الفاتح، أو سليمان القانوني، أو المتصوف والشاعر جلال الدين الرومي الذي عاش في القرن الرابع عشر.

ونور وحيد هو زعيم حزب العدالة والرفاهية (PKS) المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين وعضو مجلس إدارة رابطة العالم الإسلامي التي تديرها السعودية وتُعدّ أحد أبرز المروجين لقوة المملكة الناعمة الدينية.

الأهم هو أن نزاهة تركيا باعتبارها دولة تواجه تمويل العنف السياسي وغسيل أموال باتت محلّ تساؤل مجموعة العمل المالي الرقابية الدولية، إضافة إلى قضية محتملة تنظر فيها محكمة أمريكية ربما تشوّه صورة الرئيس إردوغان.

وقضت محكمة استئناف أمريكية الجمعة الماضية بإمكانية مقاضاة بنك هالك التركي بتهمة مساعدة إيران في التهرّب من العقوبات الأمريكية.

وتتهم النيابة البنك بتحويل عائدات النفط إلى ذهب ثم إلى نقد لمصلحة إيران، ثم توثيق شحنات غذائية مزيفة لتبرير تحويلات عائدات النفط. كما تقول إن البنك ساعد إيران سراً في تحويل 20 مليار دولار أمريكي من الأموال المحتجزة، مع غسل ما لا يقل عن مليار دولار في النظام المالي الأمريكي.

ودفع بنك هالك ببراءته وتذرّع بقانون حصانة الحكومات الأجنبية ليثبت حصانته من الملاحقة القضائية لأنه “مرادف” لتركيا المحصنة وفق القانون. وقد أدت القضية إلى تعقيد العلاقات التركية الأمريكية إثر دعم إردوغان لبراءة البنك في مذكرة أرسلها إلى الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب في عام 2018.

ووضعت مجموعة العمل المالي تركيا على لائحتها الرمادية الأسبوع الماضي لتنضم إلى دول مثل باكستان وسوريا وجنوب السودان واليمن التي فشلت اتباع معايير المجموعة. وكان صندوق النقد الدولي قد حذّر في وقت سابق من هذا العام من أن وضع الدولة على القائمة الرمادية يؤثر على قدرتها على الاقتراض من الأسواق العالمية، ويكلفها ما يعادل 3% من الناتج القومي الإجمالي وانخفاض الاستثمار الأجنبي المباشر.

اضطربت إدارة إردوغان الاقتصادية جرّاء طرد ثلاثة من صانعي السياسات في البنك المركزي، وخفض معدل الفائدة بأكثر من المتوقع ما أدى لانهيار الليرة التركية وارتفاع الأسعار، واقتراب معدل التضخم السنوي الشهر الماضي من 20%. ويلقي إردوغان باللوم دائماً على معدلات الفائدة العالية التي تسببت بالتضخم.

وخلص استطلاع للرأي العام في مايو إلى أن 56.9٪ من المشاركين لن يصوتوا لصالح أردوغان وأن الرئيس سيخسر في جولة الإعادة ضد أحد منافسيه، منصور يافاش عمدة أنقرة أو عمدة اسطنبول أكرم إمام أوغلو.

أما الأخبار الأسوأ بالنسبة للرئيس فهي قول شركة متروبول لاستطلاعات الرأي إن استطلاع شهر سبتمبر أظهر أن 69% من المشاركين يرون العلمانية ضرورية، بينما يعارض 85.1% استغلال الدين في الحملات الانتخابية.

وفي حالة إيران، تغيّر مجموعة من العوامل ديناميكيات العلاقة بينها وبين بعض الميليشيات العربية المتحالفة معها. ويثير هذا الأمر التساؤل عن التمركز المحلي لبعض هذه الميليشيات، ويؤجج التوتر في طهران من محاصرة منتقديها لها، ما يؤثر على الطريقة التي تريد إيران أن تظهر بها.

وخلص تقرير نشره مؤخراً مركز مكافحة الإرهاب في أكاديمية ويست بوينت العسكرية الأمريكية إلى أن الحرس الثوري الإيراني يواجه “صعوبات متزايدة في السيطرة على الخلايا المسلحة المحلية. فالميليشيات المتعصبة المناهضة لأمريكا تواجه الحاجة الماسة إلى خفض التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، وتلبية مطالب قاعدتها بعمليات مناهضة للولايات المتحدة، وتطوير أجنحة سياسية واجتماعية غير نشطة في الوقت نفسه”.

ونتج خفض التصعيد مع الولايات المتحدة عن الجهود المبذولة لإعادة إحياء الاتفاق الدولي عام 2015 لكبح جماح البرنامج النووي الإيراني، والمحادثات الهادفة لتحسين العلاقات مع السعودية حتى وإن لم تسفر عن نتائج ملموسة.

وإلى جانب ذلك، تواجه قوة إيران الناعمة في العراق، كما في لبنان، معارضة شعبية متزايدة للطائفية والميليشيات الشيعية المدعومة إيرانياً ولا تسيطر عليها الدولة إلا اسمياً في أحسن الأحوال.

والأدهى، أن الميليشيات، بما في ذلك حزب الله، الجماعة المسلحة الأولى في العالم العربي المدعومة إيرانياً، بات الناس يعتبرونها من النخب الفاسدة في لبنان والعراق. فكثيرون في لبنان يعارضون حزب الله باعتباره جزءاً من النخبة التي سمحت للدولة اللبنانية بالانهيار لحماية مصالحها الخاصة.

واكتفى حزب الله بالقليل في مواجهة تلك التصورات عندما هدد زعيمه حسن نصر الله المسيحيين اللبنانيين بعد اندلاع مواجهات هذا الشهر بين الميليشيا وحزب القوات اللبنانية المارونية على طول الخط الأخضر الفاصل بين المسيحيين في شرق بيروت والمسلمين في غربها إبان الحرب الأهلية 1975-1990.

واشتبكت الجماعتان لساعات بعدما نظم حزب الله مظاهرة للضغط على الحكومة لإحباط التحقيق في الانفجار المدمر الذي وقع في ميناء بيروت العام الماضي. ويخشى حزب الله من احتمال كشف التحقيق عن ملاحقة لمصالح الجماعة على حساب السلامة العامة.

وحذر نصر الله من أن “الخطر الأكبر على الوجود المسيحي في لبنان هو حزب القوات اللبنانية وزعيمه”، ما أثار مخاوف من عودة العنف الطائفي.

ويفضح هذا التحذير تأكيد إيران على أن فهمها للإسلام يحترم حقوق الأقليات، مستشهدين بالمقاعد المحجوزة في البرلمان للأقليات الدينية، وهي اليهود والأرمن والسريان والزرادشتيون.

وبصورةٍ مماثلة، فقد كان تحالف من الميليشيات الشيعية المدعومة إيرانياً الخاسر الأكبر في الانتخابات العراقية التي جرت هذا الشهر. فقد شهد تحالف الفتح، ثاني أكبر كتلة في البرلمان سابقاً، تراجع عدد مقاعده من 48 إلى 17.

وكان رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي قد قدّم موعد التصويت بدلاً من العام 2022 لاسترضاء حركة احتجاجية يقودها الشباب اندلعت قبل عامين ضد الفساد، والبطالة، وانهيار الخدمات العامة، والطائفية، والنفوذ الإيراني في السياسة.

لكن الخبر الجيد لإيران هو فشل محاولة من نشطاء في الولايات المتحدة للدعوة إلى اعتراف العراق بإسرائيل

وكانت إيران قد استهدفت الشهر الماضي منشآت تابعة لجماعات كردية إيرانية معارضة شمالي العراق تعتبرها إيران جزءاً من تشديد الخناق الأمريكي الإسرائيلي عليها، والذي يشمل وكالات وعمليات سرية على حدودها مع العراق وأذربيجان.

وباءت جهود تخفيف التوتر مع أذربيجان بالفشل. لتنتهي الحرب الكلامية بمناورات على طرفي الحدود لم تدم طويلاً. وبدا رئيس الوزراء الأذربيجاني الذي شجعه الدعم التركي والإسرائيلي في حربه العام الماضي ضد أرمينيا غير مستعد لتخفيف حدة الخطاب.

ومع الشكوك حول عودة البرنامج النووي، تخشى إيران من أن تصبح أذربيجان منصة لعمليات سرية أمريكية وإسرائيلية. وتعززت هذه الشكوك بعد دعوات أطلقها باحثون في مراكز أبحاث محافظة في واشنطن، من بينها مركز هدسون ومؤسسة هيريتدج، تطالب بدعم الولايات المتحدة لأذربيجان.

وحذر إلدار مامدوف، وهو مستشارٌ سياسي للاشتراكيين الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الأوروبي من أن “حكومة الولايات المتحدة يجب أن تقاوم دعوات الصقور لتوريطها في صراع لا مصلحة لها فيه بالنيابة عن نظام يتعارض مع قيم الولايات المتحدة ومصالحها”.

وهو يشير بذلك إلى أن علييف أجبر المنظمات غير الحكومية الأمريكية الكبرى على مغادرة أذربيجان، وانتهك الحقوق الإنسانية والسياسية، ولم يكن متسامحاً بأي حال من الأحوال مع التراث الأرمني للبلاد.

الدكتور جيمس دورسي صحفي حائز على جوائز وباحث وزميل بمعهد الشرق الأوسط بجامعة سنغافورة القومية.

 

ملاحظة

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن آراء الكاتب (الكتّاب)، وليس المقصود منها التعبير عن آراء أو وجهات نظر فَنَك أو مجلس تحريرها.

ملاحظة

تم نشر هذه المقالة في الأصل على موقع https://mideastsoccer.blogspot.com/ في 24 أكتوبر 2021

user placeholder
written by
Dima Elayache
المزيد Dima Elayache articles