الصفحة الرئيسية / الشؤون الدولية / روسيا في الشرق الأوسط: ثأر الإمبراطورية

روسيا في الشرق الأوسط: ثأر الإمبراطورية

صورة لفلاديمير بوتين معلقة على جسر 6 أكتوبر ترحيبا به أثناء زيارته لمصر، القاهرة مصر، 9 فبراير 2015. Photo APAimages/REX

عادت روسيا مرةً أخرى إلى الشرق الأوسط، وباتت على مقربةٍ من استعادة الوضع الذي كانت عليه حتى عام 1973، عندما غيّر الرئيس المصري أنور السادات الولاء من الاتحاد السوفيتي إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

فقد تمت بلورة التعاون بين روسيا وإيران، الذي بدأ منذ أكثر من عقدٍ من الزمان، في سوريا، آخر بقايا فلك نفوذ الاتحاد السوفيتي السابق في الشرق الأوسط. فقد نجحت الدولتان في إبقاء بشار الأسد في السُلطة وتغيير مجرى الأحداث لصالحه، كما ساعدت روسيا أيضاً إيران في تطوير برنامجها النووي، وإقامة علاقاتٍ عسكرية واقتصادية. وبدعمٍ من إيران، عاودت روسيا الدخول إلى الشرق الأوسط.

واليوم، تتمتع روسيا بوجودٍ في جميع مناطق نفوذ الاتحاد السوفيتي السابق تقريباً، أي في سوريا، ومصر، العراق، واليمن، وليبيا، والجزائر. وعلاوة على ذلك، أصبحت أقرب إلى القادة غير العرب الآخرين، بصرف النظر عن إيران وتركيا.

وتعتبر سوريا المقر الشرق أوسطي لروسيا، وهو المكان الذي يوجد فيه ميناء روسيا الوحيد في البحر الأبيض المتوسط، في طرطوس، وحيث أنشأت لها مركزاً للقيادة بدعمٍ من قاعدة حميميم الجوية. فقد استفادت البلاد التي يقودها حزب البعث، حليف الاتحاد السوفيتي منذ عام 1955، بشكلٍ كبير من المساعدات السوفيتية آنذاك، والروسية اليوم، في جميع المجالات. ويعود الفضل في بقاء النظام، بعد ست سنواتٍ من إندلاع ثورات الربيع العربي، إلى حدٍ كبير، للرعاية الروسية.

كما أن لروسيا تأثيرٌ أيضاً على السياسة في مصر، حيث يعمل الرئيس عبد الفتاح السيسي على إبطال إرث السادات بتقربه المتزايد من روسيا، وبالتالي، النأي بالبلاد عن الولايات المتحدة الأمريكية. فقد تجلى التقارب المتزايد في الزيارات المتبادلة بين قادة البلدين، والمحادثات اللاحقة حول التعاون العسكري والنووي وكذلك المساعدات الاقتصادية والتحالفات الدبلوماسية.

وفي حين أن الحليف السابق للولايات المتحدة الأمريكية، العراق، يُغازل موسكو منذ عدة سنوات، إذ أغضب هذا “المنقذ” الأمريكي، إلا أنه فشل في ردع العراقيين. فقد مضى البلدين قُدماً في عقود شراء النفط والأسلحة وإنشاء مركزٍ للمخابرات لتنسيق العمليات في سوريا، بمشاركة روسيا وإيران ونظام الأسد، دون الولايات المتحدة الأمريكية.

وعلاوة على ذلك، تتلقى السفارة الروسية في اليمن زياراتٍ متكررة من الرئيس اليمني السابق المتحالف مع جماعة الحوثي، علي عبد الله صالح. وفي ليبيا، أصبح اليوم الزعيم الشرقي، خليفة حفتر، ضيفاً منتظماً في موسكو، كما أن حكومة طبرق، التي ينتمي إليها، تتجنب العقوبات الدولية من خلال ممارسة الأعمال التجارية مع روسيا، كما يتضح من الأوراق النقدية الليبية المطبوعة في روسيا. فقد كانت ليبيا، في ظل حكم معمر القذافي (1969-2011)، حليفاً قوياً لكلٍ من الاتحاد السوفيتي وروسيا.

الجزائر، من ناحيةٍ أخرى، لم تقطع علاقاتها قط مع روسيا، ولا يزال التعاون بين البلدين قوياً، سيما على المستوى العسكري. فمن وجهة نظرٍ جزائرية، التزام موسكو تجاه الأسد، بالرغم من الصعوبات الهائلة، دليلٌ على أن التحالف مع روسيا أكثر أمناً ويمتاز بضماناتٍ أكبر من التحالف مع الغرب. وغالباً ما يُقارن ولاء موسكو للأسد بتخلي واشنطن عن حلفائها السابقين، مثل حسني مبارك (في مصر)، وزين العابدين بن علي (في تونس)، عام 2011.

وعلاوة على ذلك، باتت روسيا أكثر تقارباً مع دولٍ كانت تعتبر في السابق من الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة الأمريكية. وتعتبر تركيا المثال الأبرز على ذلك، إلا أن القائمة تضم أيضاً إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. كما تحظى تونس أيضاً بزياراتٍ متكررة من قِبل روسيا.

في الواقع، ما نشهده اليوم هو عودة روسيا إلى المسرح العالمي، بعد عقدين من السبات. فقد تعرضت روسيا، وريثة الاتحاد السوفيتي، إلى الإذلال علناً من قِبل أمريكا وحلفاء أمريكا منذ أواخر ثمانينات القرن الماضي: هزيمة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، وثورات أوروبا الشرقية الوسطى، والعراق، ويوغسلافيا، والثورات الملونة، وما إلى ذلك. وجاءت أحدث هذه الإهانات في عام 2011، عندما ضغط حلف شمال الأطلسي (الناتو) لإسقاط النظام في ليبيا، وفي عام 2014، عندما دعم الاتحاد الأوروبي الثورة المناهضة لروسيا في أوكرانيا.

وبالتالي، يُمثل الشرق الأوسط المنصة الأمثل لإظهار القوة من قِبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ومن المفارقات العجيبة، أن الربيع العربي، الذي تنتقده وسائل الإعلام الروسية باستمرار، ما سمح لبوتين بتحقيق أهدافه. وبصرف النظر عن غزو جورجيا عام 2008، والتدخل في أوكرانيا عام 2014، نجحت لعبة روسيا الضخمة بشكلٍ رئيسي في الشرق الأوسط، بدءاً من عام 2015 في سوريا.

فقد حدث تقدم روسيا في الوقت الذي قررت فيه الولايات المتحدة الأمريكية إجراء تحوّل جيو استراتيجي، وهو ما أشارت إليه وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، هيلاي كلينتون، بـ”محور آسيا.” فقد سمح الفراغ الملموس الناجم عن تراجع الولايات المتحدة الأمريكية بتشجيع بوتين على اتخاذ سلسلةٍ من الخطوات الجريئة. سواء كان ذلك على مستوى استثمار جيشه في سوريا لإنقاذ حليفه الأسد، أو عرقلة منطقة النفوذ التي أنشأتها واشنطن حديثاً في العراق من خلال العقود والاتفاقيات.

وعلاوة على ذلك، مع انتخاب دونالد ترامب في نوفمبر 2016، من المرجح أن يستمر اتجاه الولايات المتحدة بالانسحاب. وبالتالي، ستحافظ روسيا على تعزيز مكانتها في النظام العالمي الجديد المنبثق. بالإضافة إلى ذلك، يحتاج الروس إلى الشرق الأوسط لمعالجة اقتصادهم؛ إذ ستساعد عقود النفط والغاز، فضلاً عن برامج إعادة الإعمار ومبيعات الأسلحة، بشكلٍ كبير.

يصف البعض هذا بنهاية الديمقراطية الليبرالية، فيما يُشير إليه البعض الآخر بولادة نظامٍ متعدد الأقطاب. ولا يزال آخرون يشبهون عودة روسيا بعودة ألمانيا في ثلاثينيات القرن الماضي، مما أدى إلى تحولها إلى قوة مدمرة ومنتقمة. وإذا ما أثبتت الأخيرة أن هذا هو الحال، فأسباب الشعور بالقلق مشروعة.

image_pdfimage_print