فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / الشؤون الدولية / ترمب في الشرق الأوسط

ترمب في الشرق الأوسط

Specials- Donald Trump
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يتحدث إلى أفراد من الجيش الأمريكي خلال رحلةٍ لم يعلن عنها إلى قاعدة عين الأسد الجوية في العراق، في 26 ديسمبر 2018. Photo AFP

تسبب انتخاب دونالد ترمب في عام 2016 رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية بموجاتٍ صادمة في جميع أنحاء العالم. الأقل صدمةً كان الأثر الذي تركه على الشرق الأوسط، على الرغم من أنه لربما غيّر النفوذ الأمريكي في المنطقة بما لا يمكن إصلاحه. من سوريا إلى المملكة العربية السعودية، إليكم نظرةً حول كيف تنمّر البيض الأبيض بقيادة ترمب، وتوسّط وشق طريقه في جميع أرجاء المنطقة.

سوريا: العقاب والإنسحاب

كانت سوريا القضية البارزة في الشرق الأوسط منذ ما يقرب من عقدٍ من الزمان. ومع ذلك، في البداية، اقتصر تركيز ترمب، كحال سلفه باراك أوباما، على الإستراتيجية، على الرغم من وعده خلال حملته الانتخابية بأنه “سيقضي” على تنظيم الدولة الإسلامية “داعش.” وكحال أوباما أيضاً، استخدم الأكراد لمحاربة داعش، وإمدادهم بالأسلحة والتدريب والدعم الجوي الضخم. كانت أبرز خطواته الضربات الجوية التي شنها ضد نظام بشار الأسد لاستخدامه الأسلحة الكيميائية – مستخفاً بـ”الخطوط الحمر” التي وضعها أوباما – وقرار الانسحاب من سوريا بشكلٍ كامل.

فقد قيل أن ترمب صُدم من هول التقارير التي تتحدث عن هجوم النظام بغاز السارين على المواطنين السوريين، وأمر بشن حملةٍ من الضربات الصاروخية على أهداف للنظام. وعلى الرغم من أن الضربات نفسها لم تسفر عن نتائج تذكر، إلا أنه سرعان ما شكّل قراره هذا نمط سياسته باعتبارها مختلفةً عن سياسة سلفه، مما آثار بعض الآمال بإمكانية استخدامه سلطته من أجل الخير في المنطقة. ومع ذلك، فإن عدم رغبته في إبقاء الجيش الأميركي في سوريا ما سيحدد، على الأرجح، شكل رئاسته. ويبدو أن انسحاب القوات الأمريكية، الذي أعلن عنه في يناير 2019 على موقع تويتر، والذي أثار دهشة حتى وزير دفاعه، من شأنه أن يضع حداً للإنخراط الأمريكي الهام في الحرب الأكثر بغضاً في المنطقة، التي باتت بالفعل تحت وطأة النفوذ الروسي والإيراني إلى حدٍ كبير.

تركيا: تقارب وتنافر

تحوّل موقف ترمب تجاه تركيا من نقيضٍ إلى آخر، بيد أنه ورث هذه العلاقة النزقة من أوباما، الذي لطالما اعترض على الاستبداد المتنامي للرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعد احتجاجات حديقة جيزي في عام 2013. وازدادت هذه النزعة حدةً مع عملية التطهير التي شنها أردوغان ضد المجتمع التركي في أعقاب محاولة الانقلاب في عام 2016.

كانت علاقة ترمب مع القيادة التركية صعبة نوعاً ما طوال معظم السنتين اللتان قضاهما في منصبه. فقد تمحورت الكثير من التوترات حول اعتقال أندرو برونسون (بالإضافة إلى مواطنين أمريكيين- أتراك آخرين)، حيث استخدام ترمب تغريداتٍ مهدداً بفرض عقوباتٍ اقتصادية لإجبار تركيا على إطلاق سراح برونسون. ومنذ ذلك الحين تحسنت العلاقات، رغم أن قرار الكونجرس الأمريكي بمنع بيع طائرات إف-35 إلى تركيا دفع بأنقرة إلى شراء صواريخ روسية من طراز إس-400 بدلاً من ذلك، مما أثار غضب الولايات المتحدة.

ومع ذلك، يقال إن الزعيمين يتواصلان بانتظامٍ عبر الهاتف، ويعملان على قضايا ذات اهتمامٍ مشترك، وبالأخص سوريا. أدى ذلك إلى تقديم ترمب لأردوغان جائزة لطالما كان يسعى للحصول عليها منذ سنوات، ألا وهي إقامة “مناطق آمنة” تحت سيطرةٍ تركية على طول الحدود السورية التركية والتي من شأنها أن تسمح لأنقرة بسحق الجماعات المسلحة الكردية. فقد حاول كبار المسؤولين الأمريكيين على الفور تجنب مثل هذا التحول العنيف في العلاقات، إلا أن قرار واشنطن بالانسحاب من سوريا، يمهد الطريق أمام تركيا للهيمنة على الأراضي السورية خارج حدودها.

إسرائيل- فلسطين: فصلٌ جديدٌ محفوفٌ بالمخاطر

لعل أفضل ما يُلخص سياسة ترمب في الشرق الأوسط هي تصرفاته تجاه إسرائيل. فقد بات منحازاً إلى إسرائيل على نحوٍ غير اعتيادي وبشكلٍ أكبر مما كان عليه قبل انتخابه، حيث قدم وعوداً تتجاوز سياسة الولايات المتحدة المقبولة فيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

محور هذه السياسة هو قرار ترمب الإعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل ونقل السفارة الامريكية من تل أبيب إلى القدس، وإبطال عقودٍ من حياد الولايات المتحدة فيما يتعلق بمسألة السيادة في القدس. حذت دولٌ أخرى حذوها، مما منح إسرائيل مطالبةً بالقدس بشرعيةٍ دولية لم يسبق لها مثيل. كما التزم ترمب الصمت إزاء تحركات إسرائيل المتكررة لتوسيع مستوطناتها في الضفة الغربية. كل هذا جاء على حساب الفلسطينيين، حيث لم يعد البيت الأبيض يعاملهم على أنهم شعبٌ مظلوم منذ فترةٍ طويلة، بل كشعبٍ ينبغي عليه تقبّل وضعه تحت الإحتلال دون أي تذمر. فقد أشرف جاريد كوشنر، صهر ترمب، على المفاوضات لإجراء محادثاتٍ بين الجانبين، والتي وصفت بالفشل الذريع، ويرجع ذلك أساساً إلى رفض الولايات المتحدة اعتبار كلا الطرفين متساويين. وبوجود نيكي هايلي، ممثلة ترمب السابقة لدى الأمم المتحدة، التي كانت تعمد إلى انتقاد أي شيءٍ مؤيدٍ للفلسطينيين بشكلٍ علني، تعتبر إدارة ترمب واحدةً من الإدارات الأمريكية الأكثر مناهضةً للفلسطينيين منذ عشرات السنين، بل وصل الأمر بها إلى تجريد الأونروا، وكالة الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين، من الكثير من تمويلها. ومع وجود ترمب في منصبه، يبدو مستقبل الحقوق والدولة الفلسطينية قاتماً.

العراق: قُضي أمره وبات طيّ النسيان

على الرغم من أن ترمب لم يكن متحمساً قط للتورط العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، إلا أنه سمح للقوات الأمريكية بلعب دورٍ رئيسي (حتى وإن كان بعيداً جداً عن الخطوط الأمامية) في الحرب ضد داعش. فقد كانت القوة الجوية والدعم الأمريكي جزءاً لا يتجزأ من الهزيمة الإقليمية لداعش في العراق، لكن ترمب لم يُظهر منذ ذلك الحين سوى القليل من الحماس لتقديم دعمٍ على المدى الطويل لإصلاح الضرر الذي تسببت فيه الجماعة الأصولية. فقد باتت غالبية مدينة الموصل أنقاضاً، كما أن الولايات المتحدة- كحال العديد من الدول الغربية- مترددةٌ في تقبل عودة مواطنيها الذين انضموا إلى داعش وتم إلقاء القبض عليهم في العراق (على الرغم من أعدادهم الصغيرة). وعلاوةً على ذلك، يبدو أن إدارة ترمب غير مهتمةٍ إلى حدٍ كبير بضمان إعادة إعمار البلاد على نحوٍ ملائم، وضمان تطبيق العدالة الحقيقية والمحاكمات العادلة في العراق، مما سيساعد، لربما، على إرساء الأسس لنفس المظالم التي سمحت لداعش بالإزدهار في المقام الأول.

وعلى الرغم من ظفره بتأييد الأكراد العراقيين – الذين أطلقوا عليه لقب “أبو إيفانكا” – لدعمه الأولي لهم، إلا أن ترمب أثبت أنه لا يرغب في دعم مطالب الأكراد بالاستقلال. فقد وقفت إدارته إلى جانب بغداد عندما أجرت أربيل استفتاءً في عام 2017، منهياً آمال الأكراد بإنشاء دولةٍ خاصة بهم. في هذه العملية، من المحتمل أن يكون ترمب قد فقد فرصته للفوز بحب سرمدي من الأمة الجديد. فما زال بيل كلينتون، على سبيل المثال، يُقدس على نطاقٍ واسع في كوسوفو، بعد عقودٍ من دعمه لحلم الاستقلال هناك.

وفيما يتعلق بدور إيران في العراق، لا تختلف سياسة ترمب كثيراً عن سياسة أوباما. ونظراً لعلاقات العراق الوثيقة مع إيران، وخاصة على المستوى الشعبي والثقافي بين الأغلبية الشيعية، فإن تحدي هذه العلاقات أو حتى كسرها سيكون أمراً شبه مستحيل بالنسبة للولايات المتحدة، خاصة في حقبة ما بعد صدام– وما بعد الاحتلال الأميركي.

المملكة العربية السعودية ومصر: صداقة مصالح

منذ الأيام الأولى لرئاسته، عزز ترمب علاقاتٍ وثيقة مع المملكة العربية السعودية. وبعد فترةٍ وجيزة من توليه منصبه، التقطت صورةٌ لترمب مع الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قادة اثنين من أكثر الأنظمة إثارةً للجدل في المنطقة.

بيد أن علاقة ترمب بالمملكة العربية السعودية سيحددها دون أدنى شك قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في 2 أكتوبر 2018. تشير الأدلة المتاحة إلى أن الرياض خططت ونفذت ولربما أمرت بإعدام وتقطيع أوصال الكاتب في صحيفة واشنطن بوست. وفي حين أن كبار السياسيين من مختلف الأطياف السياسية (ناهيك عن الحلفاء الدوليين ومنظمات حقوق الإنسان) قد عبروا عن غضبهم من عملية القتل، إلا أن ترمب لم يبدِ سوى القليل من الذعر. وعلى الرغم من أنه طالب في البداية بالكشف عن الحقيقة وراء وفاة خاشقجي، إلا أنه بدا بعد ذلك مستعداً لإلقاء ظلال الشك على جهاز استخباراته لدعم انكار القيادة السعودية بتورطها في العملية، وذلك على ما يبدو استناداً على قلةٍ من الأدلة وكلمةٍ قالها ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان. السبب؟ مبيعات الأسلحة، فلطالما كانت الرياض من أشد المتحمسين لشراء الأسلحة الأمريكية في عهد كلٍ من أوباما وترمب، إلا أن ترمب أشاد بهذه المبيعات كنجاحاتٍ رئيسية للسياسة الخارجية. وفي ظل تركيزه قصير البصر على قيمة الدولار في أنشطة الولايات المتحدة في الخارج، وصولاً إلى ثقته الراسخة في علاقاته الشخصية مع القادة بدلاً من عمل وكالات حكومته الخاصة، تعتبر العلاقات السعودية الأمريكية محوريةً في سياسة ترمب الخارجية فيما يتعلق بالشرق الأوسط.

تمثلت إحدى الآثار الجانبية لهذه العلاقة بسياسة الولايات المتحدة في اليمن. فقد واصلت واشنطن، باعتبارها أكثر من مجرد فكرةٍ استدراكية في سياسة الولايات المتحدة الإقليمية، دعم التحالف بقيادة السعودية في اليمن من الناحية السياسية، على الرغم من المعارضة في الداخل، إذ لم تفعل الكثير لإنهاء الحرب الدامية هناك. ولا شك في أن نهج عدم التدخل الأمريكي يكمن أساساً في استرضاء حلفائها السعوديين، في حين أن الحظر على إعادة تزويد الطائرات العسكرية السعودية بالوقود يهدف إلى تخفيف حدة المخاوف داخل الولايات المتحدة. ومع ذلك، غيّر مقتل خاشقجي الشعور العام في واشنطن، حيث يحاول أعضاء مجلس الشيوخ المؤثرين الآن وضع حدٍ لمبيعات الأسلحة الأمريكية إلى السعودية والضغط من أجل إنهاء الحرب في اليمن.

وكما هو الحال مع المملكة العربية السعودية، اتسمت سياسة ترمب في مصر بظهوره العلني في وقتٍ مبكر مع الرجل القوي في البلاد، والاستعداد للتغاضي عن مخاوف حقوق الإنسان واسعة النطاق. ففي منتصف عام 2018، أفرجت الولايات المتحدة عن 195 مليون دولار من المساعدات العسكرية المعلقة سابقاً إلى مصر، على الرغم من عدم تمكن وزير الخارجية من تأكيد استيفاء القاهرة لشروط حقوق الإنسان الضرورية.

إيران: العدو اللدود

منذ ثورة عام 1979، توترت العلاقات الأمريكية مع إيران. فقد كان الإتفاق النووي، الذي تم التوصل إليه عام 2015، القشة التي قسمت ظهر البعير، والذي تم التفاوض عليه من قبل أوباما وحكومة حسن روحاني الإيرانية الأكثر اعتدالاً. وحتى قبل انتخابه، كان ترمب شديد الإنتقاد للإتفاق النووي، الذي أوقف التقدم الإيراني نحو صنع قنبلة نووية. ومنذ ذلك الحين، عمل على انسحاب الولايات المتحدة من ما أسماه “أسوأ صفقة.”

ومع وجود شخصياتٍ متشددة في البيت الأبيض مثل جون بولتون، المعروف بعدائه لإيران، ووزير الدفاع السابق جيم ماتيس، اتخذ ترمب موقفاً عدوانياً تجاه إيران. ففي عام 2018، تم إعادة فرض العقوبات التي تم تخفيفها عام 2015، على الرغم من أن صناعة النفط الإيرانية لم تغلق (بعد)، حيث يعمل ترمب على تقييم الشراكات الدولية بالإضافة إلى رغبته في الحد من النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط. ومع ذلك، فقد دخل في معركةٍ حامية مع نظرائه الإيرانيين على موقع تويتر، ليرد على خطابهم بتحذيراتٍ من “العواقب” التي ستعاني منها طهران في حال هددت الولايات المتحدة. ولا يبدو أن ترمب يرغب في خوض غمار حربٍ أخرى في الشرق الأوسط، ولكن من غير المرجح أن يخفف موقفه من الاتفاق النووي، على الرغم من دعم حلفائه للإتفاق، من حدة التوترات.

إن تورط ترمب- الأكثر عدوانية تجاه أعداء الولايات المتحدة، والأكثر تقلباً، كما يُقال، مع حلفاء الولايات المتحدة، ومع اعتباره المصالح المالية للولايات المتحدة محور سياسته الخارجية- في الشرق الأوسط لم يكن عامل استقرارٍ في واحدةٍ من أكثر الفترات اضطراباً في تاريخ المنطقة الحديث. ومع وجوده في البيت الأبيض لسنتين إضافيتين على الأقل، فمن السابق لأوانة تحديد شكل إرثه الدائم في الشرق الأوسط، إلا أن الدلائل بعيدة كل البعد عن الإيجابية.

image_pdfimage_print

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.