تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

مظفر النواب: الشعر سلاح ثوريّ

مظفر النواب
مشيعون يحملون نعش الشاعر العراقي الشهير مظفر النواب خلال جنازته بالقرب من مرقد الإمام علي في مدينة النجف وسط العراق ، في 21 مايو 2022. Qassem al-KAABI / AFP

دانا حوراني

تُوفي شاعر العراق الشهير مظفر النواب في 20 مايو الماضي في أحد المستشفيات الإماراتية عن عمر يناهز الثامنة والثمانين مخلّفًا وراءه  إرثًا من الشعر الثوري. وكان النواب من أبرز المؤيدين للنضال الشيوعي وعُرف عنه انتقاده الأنظمة السلطوية العربية وقادتها بشدّة.

وبسبب موقفه السياسيّ، أمضى حياته في السجون وصدرت بحقه أحكام بالإعدام، وأُجبر على العيش في المنفى، لكن ذلك لم يمنعه من التمسك بأفكاره الثورية، وظلّ كما عهده الناس يعبّر عن صوت أهله العراقيين وإن لم يكن بينهم.

بداية عسيرة

وُلد مظفر النواب في بغداد عام 1934 في أسرة من أصول هندية أرستقراطية أجبرها الاحتلال البريطاني على العيش في المنفى في العراق. ودرس الأدب ليصبح مدرسًا. وانضم في تلك الفترة إلى الحزب الشيوعي العراقي وشارك في ثورة 1958. وإبان ذلك، سُجن وعُذب في عهد النظام الهاشمي الغاشم. وعندما أطاحت الثورة بالملكية العراقية، تولى مظفر النواب منصبًا حكوميًا في وزارة التعليم.

لكن كل ذلك تغيّر إثر وقوع انقلاب 1963 وما تلاه من تشكيل حكومة قومية استبدادية فصلت النواب من عمله، ولاحقت الشيوعيين، وضيقت عليهم. فاضطر النواب عقب ذلك إلى الفرار من العراق إلى إيران حيث ألقت مخابرات السافاك القبض عليه وأعادته إلى العراق.

وحُكم على النواب بالإعدام ثم خُفف الحكم إلى السجن المؤبد عقابًا  له على قصائده التي أكبَّ فيها على انتقاد النظام العراقي. ولكنه تمكّن بمساعدة سجناء آخرين من حفر نفق ونجح في الفرار من السجن وتوارى عن الأنظار لفترة بعد ذلك.

لاحقًا انتقل النواب إلى قرية في الأهوار في جنوب العراق وافتتن بجمال اللهجة الجنوبية وقوتها الرنانة والمهيبة. وإليه يُنسب الفضل في اعتماد لهجة أهل الجنوب العراقية العامة، ويسهل علينا تتبع ذلك في شعره وقصائده.

وبعدما حصل النواب على عفو عام، عاد للظهورعلنًا بين الناس. لكن ذلك لم يدم طويلًا  إذ اضطُر إلى الفرار من العراق مرة أخرى في الستينيات بسبب قمع الحكومة المعارضة. وأمضى السنوات التالية من حياته بالتنقل في عدة دول عربية، وتابع نضاله وبقي في رأي كثير من النقاد عَلَمًا  بارزًا  في الأدب العربي لا يتوانى عن نقد الأنظمة القمعية.

نضال ضد الأنظمة العربية كلها

يروي مشتاق عيدان الحلفي، الكاتب العراقي وأستاذ التاريخ ، لفنك، عن ترحال النواب من بلد إلى بلد. إذ انتقل النواب لأول مرة إلى بيروت في الستينيات، ثم استقر لاحقًا  في دمشق في السبعينيات والثمانينيات. وفي بيروت ودمشق، حظي النواب بالأمان إلى حين، فأبدع في بيروت ونعمَ بالحرية لمدّة طويلة، أمّا في دمشق، فقد كانت حينها حاضنة تأوي المناضلين العراقيين وسمحت لهم بحرية الاجتماعات وعقد اللقاءات وفق رواية الحلفي.

وقال الحلفي: “في ذلك الوقت، حاول قادة العراق البعثيين ورجال نظام صدام حسين إصلاح العلاقات مع الشاعر، لكنه أبى ذلك وفضّل ترك العراق ليكون صوت العراقيين الحُرّ، على أن يكون في بلده مهزومًا  وخاضعًا مسلوب الحرية”.

وقد أثّر ذلك القرار على النواب فترة طويلة، فأصرّ على البقاء قريبًا من وطنه واستقر في سوريا.

وقال الحلفي إن النواب قد استخدم لغة لاذعة وفجة في نظم عدة قصائد للتشنيع بالأنظمة العربية الاستبدادية في العالم العربي خلال الثمانينيات والتسعينيات، فما كان من الأنظمة إلا أن حاولت ترهيبه لقدرته على حشد الناس ضدها.

وتابع الحلفيّ: “كانوا يعلمون وقع أشعاره في نفوس الناس وقدرته على إشعال الغضب في نفوسهم وحثهم على التمرد، فقد كانت لغته هي لغة العمال الفقراء. ولذلك كانت الحكومة العراقية تحديدًا  تخشى منه”.

وفي منفاه بين أوروبا والعالم العربي، كتب النواب أيضًا عن الأحداث الجارية في ذلك الوقت مثل الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) والاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.

إرث من الأحزان

يرى الصحفي الفلسطيني عبد الرحمن جاسم أن مظفر النواب كان واحدًا من جماعة الشعراء المهمومين  والأدباء المهتمّين  في ذلك الوقت بالنضال الفلسطيني والنكبة مثل غسان كنفاني ونزار قباني ومحمود درويش.

وفي رأي جاسم “رأى هؤلاء الكُتّاب كلهم فلسطين بوصلةً ومركزًا. وهي عندهم مبعث الشعور بالقهر والحزن وخسارة لا تنقطع مرارتها”.

وقد خرج جاسم بهذا الرأي بعدما التقى بمظفر النواب منذ 15 عامًا في  لقاء استمر ساعة ونصف أدرك خلالها ما يعانيه من عذاب وما فيه من حرقة.

وأضاف جاسم: “هذه سمة الفن العراقي، فهو يميل إلى الحزن والأسى. وفي ذلك كانت حياة النواب وشعره مثالًا”.

ويرى الحلفي أن هذه السمة العراقية ترجع إلى زمن السومريين. فقد كانت الحضارة السومرية في رأيه، التي قامت في جنوب العراق، موطنًا لكثير من الأساطير الحزينة، بداية من أسطورة تموز إله الخصوبة الذي حُكم عليه بالإعدام لأنه لم يوف فقدان حبيبته الإلهة عشتار حقها من الحزن والحسرة. وقد احتفى الناس بإرثه بالرثاء الغنائي وما ارتبط به من تقاليد.

وفي التاريخ الإسلامي، وقعت أحداث مثل معركة كربلاء، وصارت بعد ذلك مصدرًا  للندب والحزن في العراق المعاصر.

صوت العراقيين كافة

بحسب ما ذكر الحلفي، يرى العراقيون في النواب وسيلة أساسية للتعبير عن معارضتهم النظام. فقد كان النواب مفوهًا في التعبير عن مشقات الحياة التي عاناها الناس. كما كان أيضًا صدى لواقع الناس بعيدًا عن التعالي النخبوي. واستعان في ذلك بلغة أهله التي جمعت بين الفصاحة والسهولة والتعابير الفاحشة في بعض الأحيان.

ولهذه الأسباب ردد بعض المشيعين في جنازة مظفر النواب هتافات تزدري رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، وذلك رغم أمره بإعادة جثمان النواب إلى العراق على متن طائرة رئاسية حتى يُدفن في بلاده، لكن ذلك لم يشفع له وأُجبر الكاظمي على مغادرة الجنازة.

وكان من بين هتافات المشيعين “مظفر للشعب مو للحرامية“.

ويذكر الحلفي أن النواب مات يحلم بالتغيير، لا في العراق فحسب، بل في كل أقطار العالم العربي. وأمضى حياته بلا زوجة ولا أسرة، مضحّيًا بحياته ليبقى صامدًا  في نضاله ضد الاستبداد والقمع.

وعن إرث النواب بين العراقيين، يثق الحلفي بأن الشباب سيحافظون على شعره ويعتمدونه وسيلة في نضالهم من أجل الحرية ومستقبل أفضل للعراق.

وقال الحلفي: “شباب العراق لا يصغون للنظام دون نظر وتمعُّن. وإني على ثقة بأنهم سيحفظون إرث النواب بما يليق به وسيواصلون النضال حتى ينال الشعب كله حقه في الحرية”.

ويرى الحلفي أن صورة مظفر النواب ستبقى راسخة في أذهان العراقيين؛ طفل أمام شعبه وثورة شاملة ضد النظام.