تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

شيعة العراق: بيتٌ واحد وخلافاتٌ متعددة

شيعة العراق
صورة تم التقاطها يوم ٢٢ إبريل ٢٠٢٢ لعراقيين وهم يقيمون مراسم جلد الذات في ضريح الإمام علي بمدينة النجف الأشرف بالقرب من العاصمة بغداد، وذلك في إطار الحداد لمقتل الإمام علي في القرن السابع. وتم اغتيال علي بن أبي طالب عام ٦٦١ ميلادي في مسجد الكوفة الكبير الموجود في العراق. المصدر: AHMAD AL-RUBAYE/ AFP.

علي العجيل

على مدى نحو ثلاثة عقود من حكم نظام البعث في العراق، أنشأت القوى السياسية الشيعية المعارضة لنظام صدام حسين دعوتها على أسس دينية وأخلاقية تزعم فيها مناهضة الظلم والإجرام أياً كان مصدره، وتُعلي من قيم العدالة والمساواة والحرية والمواطنة.

هذه القوى اقتدت بـ “عدالة الإمام علي وزهده” و”ثورة الإمام الحُسين“، متغنيةً بهما ورافعةً الشعارات الإسلامية في خطاباتها وحركاتها. هذا التغني انسحب أيضاً على أسماء هذه الفصائل التي تتضمن حزب الدعوة الإسلامية، ومنظمة العمل الإسلامي، ومنظمة بدر، وعصائب أهل الحق، وجيش المهدي ولواء اليوم الموعود.

لكن كل هذه الشعارات وغيرها كثنائية “الثورة والعدالة” أو “الثورة من أجل العدالة” التي أوصلت شيعة العراق إلى الحكم ومكنتهم من الاستمرار طوال 20 عاماً تقريباً لم تستمر. ويعود السبب في ذلك إلى الخلافات المتراكمة التي نتجت من سوء الإدارة وفوضوية الحكم واستغلال مزاياه بمنافع شخصية وحزبية بحتة. ومن العوامل التي ساهمت في ذلك الإثراء الذي ساد حين تحول أعوان النظام السياسي الجديد إلى أمراء حرب وسياسة، بعد أن استأثروا بالسلطة والمال العام وحولوا الشعب العراقي، وحتى أبناء الطائفة الشيعية منه، إلى مجاميع من الفقراء المعدمين.

هذا الأمر أدى إلى تحطيم الصورة التي كانت هذه الأحزاب تسعى إلى تلميعها منذ أكثر من خمسين عاماً على حد قولهم.

قداسة الدولة الدينية

أثبتت حادثة الصرخي وما تبعها من حملات مناهضة واعتقالات عشوائية لمناصريه وأتباعه، أن المادتين الثانية والعاشرة من الدستور هما النصان التعريفيان الوحيدان للدولة العراقية. وتنص المادة الثانية من الدستور العراقي على أن الإسلام دين رسمي للعراق ومصدر رئيسي للتشريع، أما المادة العاشرة فتفرض على الدولة صيانة العتبات المقدسة وحرمة المقامات الدينية. وفي نفس السياق، يمكن القول إن وجود عشرات المواد الدستورية والقانونية الأخرى التي تؤكد على الهوية المدنية والحرية في ممارسة الشعائر والحق في إبداء الرأي والتعبير والتجمهر وأداء المناسك لا يعني أي شيء فعلياً.

ودعا الصرخي وأنصاره إلى إزالة القداسة والتبجيل عن طبقة رجال الدين ومؤسساتهم بمختلف أنواعها دون أن تتضمن تصريحات رجل الدين الشيعي أية تحريض على العنف أو الكراهية. وعلى الرغم من ذلك، فقد تم مواجهة هذه دعوات الصرخي وأنصاره بضراوة شديدة. هذه الضراوة تثبت وترسّخ دور الطبقة والقوى الحاكمة في ترجيح كفة الجزء الذي يخدمهم ويخدم مصالحهم فحسب من الدستور على الآخر. كما تفضح هذه المعاملة كيف أن القوى المركزية الحاكمة المختلفة فيما بينها على كُل شيء تقريباً، لم تتفق طوال التاريخ إلّا على التصدي لحركة الصرخي ومواقفه هذه.

هذا التصدي الذي لن يفعل شيئاً مستقبلاً سوى إضفاء مزيد من القداسة والرهبة على الفاعلين السلطويين في البلاد. قداسةٌ ستمنع أي تيار سياسي أو إعلامي، أو حتى مجتمعي، من إمكانية المساهمة في إحداث أي تغيير بسيط، أو حتى توجيه مجرد نقد لهذه البنية الحاكمة.

الأخوة الأعداء

ليس صحيحاً أن هناك بيتاً شيعياً واحداً في العراق كما يدّعي قادة الفصائل وأمراءها. فالأحزاب الشيعية الكثيرة المختلفة ومن خلفها الميليشيات التابعة لها أو التابعة بشكل مباشر للحرس الثوري الإيراني لا يربطها مزاج عقائدي واحد، وإن كانت تتبع للطائفة نفسها.

فمنذ أن فرضت أمريكا على العراقيين نظاماً سياسياً قائماً على المحاصصة شبيهاً بذاك النظام القائم في لبنان، حتى استولى مرشحوهم على السلطة باعتبارهم ممثلين لما سُمي بـ “مكونات الشعب” التي حلت حقيقة محل الشعب العراقي الواحد الذي اختفى نهائياً. وباعتبارهم المكون الأكبر من السكان، فقد شغل الشيعة حصة الأسد من ميزان القوة في البلاد.

شيعة العراق الذين لم يكونوا يوماً طائفة واحدة. صحيحٌ أن الطقوس الحسينية تجمعهم، لكن كل شيء آخر يفرقهم ويثير الخلافات بينهم. ويمكن أن تؤدي هذه الاختلافات إلى اقتتالهم إذا ما تضاربت ومصالحهم. وقبل الاحتلال وظهور الشيعية السياسية إلى العلن واستلامها السلطة، كان هناك اختلاف معلن بين أطياف الشيعة. بيد أن التمسك بزمام السلطة واستغلال الموارد دفع هذه الأطياف لطوي الكثير من الخلافات، كالخلاف الذي لا يزال إلى اليوم قائماً بين المالكي والصدر، الصدر والخزعلي، الصرخي وبقية الفصائل.

ما بين النجف وقم

شيعة العراق
عراقيون يصلّون في ضريح الإمام علي بمدينة النجف الأشرف قرب العاصمة العراقية بغداد، حيث توافد الحجيج لإحياء ذكرى مقتل الإمام علي في القرن السابع، وذلك خلال شهر رمضان المبارك. المصدر: AHMAD AL-RUBAYE / AFP.

اشتدّ التنافس بين مقرّي الحوزتين العلميتين: النجف في العراق، وقم في إيران، في الآونة الأخيرة. ورغم أنّ كلتيهما تنتميان للمذهب نفسه، وهو الجعفري الاثني عشري، وفقاً لخالد بشير، ولا اختلاف بينهما في التعاليم والمعتقدات، إلا أنّ التنافس بينهما اشتدّ “على قيادة أتباع المذهب حول العالم”.

وتعتبر الحوزة العلمية هي العاصمة العلمية الدينية التاريخية للنظام الاجتماعي الديني الشيعي العالمي، وهي الأكاديمية أو الجامعة التي يتخرج منها رجال الدين الشيعة من جنسيات مختلفة. وتوجد حوزتان، واحدة في نجف العراق، تمتد إلى ألف عام تقريباً، وثانية في قم في إيران، ترجع إلى زمن هجرة قبيلة الأشعريين الكوفية العراقية إلى قم. وتختلف الحوزتان في الجوانب الشكلية ذات العلاقة بالهيكلية والتنظيم وحجم الإنتاج العلمي، لكنهما “تتشابهان إلى حد التطابق في المضامين والمحتوى”، وفقاً لشفق.

يدور هذا الصراع بين النجف وقم منذ سنوات، وهدفه حسب ANF “فرض النفوذ والهيمنة، حيث تتبنى حوزة “قُم” ولاية الفقيه وتجعل السياسة من صلب عمل رجال الدين. أما حوزة النجف “فلا تؤمن بولاية الفقيه ويفتي كبار مراجعها بالابتعاد عن السياسة، وترفض الحوزة سلطة “الولي الفقيه” أيضاً على شيعة العراق أو أي مكان أخر سبق”.

ولا يمكن تلخيص نظام المرجعية لأنه معقد جداً، كما أنه لا يمكن الحسم في تبعية أهل الطائفة إلى واحدة من الحوزتين. وحسب المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، “لا يمكن التنبؤ بمآلات المرجعية العليا ومصاير الفاعلين فيها، للتعقيد والتشابك الذي يعتريها، والتداخل بين ما هو ديني وسياسي واقتصادي، وتضارب مصالح الفاعلين إقليمياً ودولياً. المسألة في نهاية الأمر سترجع إلى عملية الغربلة الاجتماعية، ولا شك أنها تحتاج إلى وقت. لكن مع ذلك، فإن الحواضن الاجتماعية محكومة هي الأخرى بالخضوع لإعلام وفاعلين ورموز، قد تكون حقيقية وقد تكون موجهة. وبالتالي، فإن بعض الدول والفاعلين يسعى للاستثمار في تلك الحواضن الشعبية التي تمثل حواضن التقليد الحوزوية”.

انقسامات الطائفة

أصبح شيعة العراق الذين كانوا صفاً واحداً ذات يوم في معركتهم ضد قمع صدام حسين على مدى عقود، منقسمين اليوم بشكل عميق، وتتنازعهم مشاعر خيبة الأمل في قادتهم السياسيين.

خيبة مصدرها الأساسي جهاز الدولة الفاسدة، فأكثر من نصف سكان العراق تقل أعمارهم عن 25 عاماً، ولكن ثلثهم يعانون من البطالة. والحصول على الوظيفة مرتبط بالمحسوبية ووجود علاقات جيّدة مع النخبة السياسية.

علاوةً على ذلك، الفساد المنتشر على نطاق واسع، إذ قام قادة شيعة العراق بتوظيف أسرهم وأصدقائهم ومواليهم فقط. وقد استولت زمرة من الأفراد على السياسة بشكلٍ كبير، تزامناً مع إجراء المزيد من التعيينات السياسية من خلال الشبكات العابرة لحدود الدين والدولة. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هذه التعيينات تقوم على أساس العضوية في الأحزاب والولاء للقادة السياسيين، بدلاً من الجدارة أو القدرات التكنوقراطية.

واليوم، يوجه الكثيرون من أبناء الطائفة الشيعية، وفي أهم معاقل الشيعة في العراق، استياءهم إلى الحكومات المتعاقبة التي قادها الشيعة والتي يقولون إنها فشلت في إصلاح البنية التحتية المتداعية وتوفير وظائف أو حتى إنهاء العنف.

فوق كل هذا، فإن ما حدث في الفترة الأخيرة من سحق للصرخي وآرائه ومؤيديه، لا يعني إلّا نسيان أية إمكانية لـ “الإصلاح الديني”. فبغض النظر عن الاتفاق مع آراء الصرخي الدينية أو الاختلاف معها، فإنها في المحصلة تعني منح سمة التنوع والتباين ضمن العقل الديني وخطابه ومجاله ومرتاديه، هذه السمة التي هي المقدمة الطبيعية لأي تطور تاريخي قد يحدث في ذلك الفضاء.

وفيما تأخذ الحملة الأمنية والسياسية والإعلامية على الصرخي وأتباعه بُعداً “نضالياً دينياً حاسماً”، تساهم فيه مختلف القوى السياسية الحاكمة، عبر أجهزة الدولة ومؤسساتها، فإن كماً هائلاً من القضايا الحياتية العراقية المُلحة تدخل في باب النسيان، من شح مياه الشرب والكهرباء، مروراً بالعنف الأسري والحكم القبائلي غير العادل والزيادة الهائلة للسكان وتفاقم التصحر والاستعصاء السياسي، وليس انتهاءً بقضايا مثل عسكرة المجتمع وهيمنة الميليشيات المسلحة على الاقتصاد والتدخلات الخارجية…. إلخ من القضايا التي لا تُعد ولا تحصى.