فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / إسرائيل / حقوق الإنسان في إسرائيل / اسرائيل توافق على قانونٍ مثير للجدل، يضع ضغوطاتٍ على المنظمات غير الحكومية

اسرائيل توافق على قانونٍ مثير للجدل، يضع ضغوطاتٍ على المنظمات غير الحكومية

اسرائيل توافق على قانونٍ مثير للجدل، يضع ضغوطاتٍ على المنظمات غير الحكومية
متظاهرون يحتجون تضامنا مع “كسر الصمت” وغيرها من المنظمات غير الحكومية اليسارية، بعد أن اقترحت الحكومة الإسرائيلية قانوناً جديداً يستوجب الكشف عن البيانات المالية للمنظمات غير الحكومية، في تل أبيب، إسرائيل، 19 ديسمبر 2015 Photo activesills/Flickr

سيكون من الاستهانة القول أنّ وضع حقوق الإنسان في كلٍ من اسرائيل وفلسطين شهد أياماً أفضل، ففي يونيو 2017، سيبلغ عمر الاحتلال العسكري الاسرائيلي لفلسطين نصف قرنٍ من الزمان، بينما أصبح من الصعب أكثر فأكثر، داخل المجتمع الإسرائيلي، التكلم ضد الدولة.

ففي 11 يوليو 2016، أقرّ الكنيسيت الإسرائيلي قانوناً يفرض على المنظمات غير الحكومية التي تتلقى أكثر من
نصف تمويلها من “هيئات سياسية أجنبية،” الكشف عن ذلك في كافة مطبوعاتها الرسمية. ويؤثر ما يُسمى مشروع قانون المنظمات غير الحكومية على 27 منظمة، منها 25 منظمة من المنظمات غير الحكومية لحقوق الإنسان التي ترتبط مع اليسار الاسرائيلي. وكما أشارت ساري باشي، المسؤولة في هيومن رايتس ووتش عن اسرائيل وفلسطين، أنه بموجب القانون الجديد، أي منظمة غير حكومية لحقوق الإنسان ترسل بريداً إلكترونياً لموظفٍ حكومي دون الإشارة إلى مصادر تمويلها، عُرضة لدفع غرامة قيمتها 7,500 دولار.

وعلى الصعيد الرسمي، فإنّ الغرض من القانون، الذي بادرت بعرضه وزيرة العدل ايليت شاكيد، يُعزز الشفافية في المنظمات التي يتم تمويلها من قِبل عملاء أجانب. وفي افتتاحية لوكالة التلغراف اليهودية، كتبت شاكيد “اكتشفنا في السنوات الأخيرة الخطر الذي يشكله وجود قوى ممولة بأموال أجنبية.” وذكرت أن أحد مخاوفها يتمثل في كون هذه “القوى” تعمل لصالح مقاطعة اسرائيل.

ويبدو أن قلقها يكمن في أن تأثير العملاء الأجانب على السياسة الإسرائيلية يؤتي ثماره. ومع ذلك، يقول النقاد أن مشرع القانون يهدف على وجه التحديد إلى إيذاء المنظمات اليسارية. فعلى الرغم من أنّ العديد من المنظمات غير الحكومية اليمينية تتلقى تبرعاتٍ أجنبية أيضاً، إلا أنها تأتي من مصادر خاصة، لا يشملها القانون. وعلاوة على ذلك، كتب مايكل كوبلو، مدير السياسة في منتدى سياسة إسرائيل على الموقع الالكتروني للمنظمة “إنّ أبرز مثالٍ على التمويل الأجنبي في إسرائيل هي الصحيفة الأكثر تداولاً في البلاد، صحيفة يسرائيل هايوم المؤيدية لنتنياهو، والتي يملكها شيلدون أديلسون ويتم توزيعها مجانا لتصل قيمتها إلى ملايين الدولارات المهدورة سنوياً.”

فإسرائيل لا تغرّد خارج السرب في رغبتها تقييد المنظمات غير الحكومية الممولة من الخارج. ووفقاً للمجلة الدولية للمركز الدولي للقانون الذي لا يهدف إلى الربح، يجري تنفيذ مجموعة واسعة من التدابير التي تتخذها بلدان متنوعة مثل زيمبابوي، وأوزبكستان، ومصر، وإريتريا، ومولدافيا، والجزائر، وروسيا، واثيوبيا، وفنزويلا. وكما ذكرت المجلة “لأنّ المنظمات غير الحكومية تنخرط في كثيرٍ من الأحيان بأنشطة تهدد قبضة النظام الحاكم على السُلطة، مثل حقوق الإنسان والمساواة، فإن الحدّ من قدرة المنظمات على العمل يقلل من خطر إضعاف الحكومة.”

وبطبيعة الحال، لم تكن التدابير الاسرائيلية متزمتةً كحال، لنقول مثلاً نظرائهم في إرتيريا، حيث يُحظر التمويل الأجنبي للمنظمات غير الحكومية بالكامل. ومع ذلك، فإن المخاوف من تأثير المال الأجنبي تحاكي الوضع في بلدانٍ مثل مصر، حيث يدور نقاشٌ مماثل حول التمويل الأجنبي للمنظمات غير الحكومية. وقال رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو انه يريد الحيلولة دون وقوع “وضع غريب تتدخل فيه دول أجنبية في الشؤون الداخلية الإسرائيلية، دون معرفة المواطنين.” إذ يمكن مقارنة هذا مع زيمبابوي، حيث ندد الرئيس موغابي بالمنظمات غير الحكومية لـ”التدخل الأجنبي في شؤوننا الوطنية.”

حتى أن جملة “الحد من قدرة المنظمات على العمل،” قد تكون قد تمت صياغتها على وجه التحديد للوضع الإسرائيلي، بل إن مشروع قانون المنظمات غير الحكومية بعيد كل البعد عن كونه المشقة الوحيدة التي ينبغي على منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية غير الحكومية تحملها، إذ يتوجب عليهم بالفعل تقديم تقريرٍ عن أنشطتهم كل ثلاثة أشهر، وهو شرطٌ ينطوي على الكثير من القوى العاملة التي لا يمكن استخدامها لأنشطتها الأساسية.

وفي حالة منظمة كسر الصمت، وهي منظمة غير حكومية تتألف من قدامى المحاربين في جيش الدفاع الإسرائيلي من المناهضين للاحتلال، تواجه المنظمة حملة منسقة لنزع شرعيتها. وتنتقد منظمة كسر الصمت بانتظام الجيش الإسرائيلي، الذي يعتبر أكثر المؤسسات المحبوبة في البلاد، وهذا تلقائياً، يجعل منها منظمةً مكروهةً على نطاقٍ واسع من قِبل الشعب الاسرائيلي. “خائن،” أحد أكثر المصطلحات اعتدالاً التي يسمعها أعضاء المنظمة على أساسٍ يومي. وعلاوة على ذلك، فإن المنظمة غير الحكومية مستهدفة من قِبل قراصنة الحاسوب بشكلٍ مستمر.

يتم تشجيع الحملة ضد منظمة كسر الصمت- وغيرها من منظمات حقوق الإنسان، فيما يتعلق بهذا الشأن- من قِبل، عداً وليس حصراً، كل من نتنياهو، ووزير الدفاع افيغدور ليبرمان، وعضو الكنيست المعارض يائير لبيد. وعلى الرغم من العراقيل، أعلن قدامى المحاربين مواصلتهم لعملهم. وذكرت تغريدة للمنظمة على توتير أنه تمت الموافقة على مشروع القانون “لأنهم لا يريدونكم أن تعرفوا الحقيقة. سنواصل كسر حاجز الصمت إلى أن ينتهي الاحتلال.”

ويعتبر الاتحاد الأوروبي أحد أشد المنتقدين لمشروع القانون. فقد ذكرت المفوضيةٌ الأوروبيةٌ في بيانٍ صادر عنها أن القانون الجديد يُخاطر بـ”تقويض الديمقراطية وحرية التعبير.” وأضاف البيان أن المطالبة بتقديم تفاصيل عن التبرعات، “المنصوص عليها في القانون الجديد تتعدى الحق الشرعي للشفافية وتهدف على ما يبدو إلى فرض قيود على أنشطة منظمات المجتمع المدني.”

ومع ذلك، لا يستخدم الجميع مثل هذه الكلمات المهيبة في وصف الآثار المترتبة على القانون. ففي تحليلٍ نُشر في الصحيفة اليمينية جيروزاليم بوست، كتب مراسل الشؤون القانونية والشؤون الدولية المعلق يونا جيرمي بوب “القانون لا ينتهك بجدية أنشطة المنظمات الحكومية، ولا يزيد أيضاً، إلى حدٍ كبيرٍ، من شفافيتها (…) إذاً، ما هو الغرض من القانون؟ الخلاصة، لإهانة المنظمات غير الحكومية علناً- وإغضاب الإتحاد الأوروبي على نطاقٍ جماعي.”

فكما ذكر بوب، فإسرائيل والاتحاد الأوروبي على مسارٍ تصادمي منذ سنوات. ويُقال انّ مشروع قانون المنظمات غير الحكومية جاء استجابةً لمتطلبات الاتحاد الأوروبي بأن توسم المنتجات التي تنتجها المستوطنات غير الشرعية في الضفة الغربية بأنها من اسرائيل. ويقول بوب “تعتبرالحكومة الاسرائيلية هذه الخطوة تعاوناً مع القوى العالمية التي تحاول تعزيز مقاطعة إسرائيل. ومن المفترض أن يعيد هذا القانون وسمها بفعالية.”

أما بالنسبة لمنظمة كسر الصمت، هناك طريقة واحدة واضحة للهروب من متطلبات القانون الجديد. ففي الوقت الراهن، تتلقى المنظمة غير الحكومية حوالي 600,000 دولار سنوياً من حكوماتٍ أجنبية، أو 60% من إجمالي إيراداتها البالغ حوالي 1,000,000 دولار. وبما أنّ القانون الجديد لا يطبق إلا إذا تجاوز التمويل الأجنبي ما نسبته 50% من إجمالي الإيرادات، إذا ما نجحت كسر الصمت في جذب المزيد من التمويل المحلي، ستخرج من ورطتها في الوقت الراهن على الأقل.

image_pdfimage_print