فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / هل تلعب اللغة دوراً محورياً في حل الصراع العربي–الإسرائيلي؟

هل تلعب اللغة دوراً محورياً في حل الصراع العربي–الإسرائيلي؟

tRANSLATION- Benjamin Netanyahu
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو ووزير التربية الإسرائيلي نفتالي بينيت أثناء زيارة لإحدى المدارس العربية في بلدة تمرة. المصدر: AFP.

نشر موقع “The Conversation” مقالة تستعرض الدور المفتاحي الذي تلعبه اللغة في إشكالية الصراع العربي الإسرائيلي، وبشكلٍ خاص داخل المجتمع الإسرائيلي بمكوناته العربية واليهودية. ويبدأ ستانلي دوبينسكي، أستاذ علم اللغات بجامعة ساوث كارولينا، وهارفي ستار، أستاذ الشؤون الدولية الفخري بنفس الجامعة، مقالتهما باستعراض الدور المحوري الذي تلعبه اللغة في تكوين الهوية الوطنية لأي بلد. وبحسب دراسة استطلاعية أجراها مركز بيو للأبحاث في عام 2017، فإن الكثير من الناس يتعاملون مع اللغة باعتبارها “جوهر الهوية الوطنية”.

وبحسب الدراسة، فإن ما يزيد عن 70% من سكان الولايات المتحدة الأمريكية، أوروبا، وأستراليا واليابان يوافقون على هذا الطرح. وباعتبارهما خبيران متخصصان في علم اللغويات والعلوم السياسية، يرى دوبينسكي وستار أن اللغة لا تأخذ سوى حيّزاً بسيطاً للغاية من اهتمام الناس أثناء تحديدهم للأسباب الكامنة وراء نشوب النزاعات. ويبرز ضعف اهتمام الناس باللغة كعامل في نشوب النزاعات، خاصةً إذا ما تم مقارنة دورها بالدور الذي يسنده الناس على هذا الصعيد إلى الدين والتاريخ والثقافة.

وبحسب ما يراه دوبينسكي وستار، فإن اللغة تضرب بجذورها في عمق النزاعات ولا يمكن تجاهل دورها في نشوب هذه الصراعات، وبعكس ما عليه الحال مع العديد من العوامل الأخرى المساهمة في تكوين هذه النزاعات. ولا يظهر دور اللغة في تكوين النزاعات بصورةٍ أوضح مما عليه الحال في منطقة الشرق الأوسط. وفي كثيرٍ من الأحيان، تنتهك هذه النزاعات حقوق الأقليات اللغوية المتمثلة باستخدام لغتها بحرّية دون فرض أية إجراءات تعسّفية لقمع ممارسة هذا الحق.

وعلى سبيل المثال، يلعب هذا الموضوع دوراً محوياً في حالة أكراد تركيا والنزاعات الأقل شهرةً في حالة الأمازيغ المقيمين جنوبي ليبيا. وبالطبع، لا تشذ إسرائيل عن هذه القاعدة، إذ تلعب اللغة هناك دوراً أساسياً في استمرارية الصراع العربي الإسرائيلي، وهي أيضاً قادرة، بحسب ما يراه الكاتبان، على لعب دورٍ في حل هذا الصراع.

العبرية والعربية

تعود الأسس اللغوية للوضح الحالي في إسرائيل وفلسطين بجذورها إلى فترة الانتداب البريطاني لتلك المناطق بين عامي 1922 و1948. وفي تلك الحقبة، فقد كانت الإنكليزية والعبرية والعربية لغات رسمية في فلسطين الخاضعة للانتداب البريطاني – والتي كانت سابقاً جزءاً من الإمبراطورية العثمانية وتتضمن ما بات يعرف حالياً بإسرائيل والأردن بحسب وصف الكاتبين. وكانت هذه المنطقة قد خضعت لحكم البريطانيين بعد الحرب العالمية الأولى. ويقول الكاتبان: “عندما أعلنت إسرائيل عن استقلالها في عام 1948، فقد تم حذف الإنكليزية من قائمة اللغات الرسمية، ويرجع ذلك بصورةٍ جزئية إلى لعداء الإسرائيلي تجاه المستعمرين البريطانيين”.

ويضيف دوبينسكي وستار: “منذ الاستقلال، تتشارك العبرية والعربية بكونهما اللغتان الرسميتان في إسرائيل. إلا أن التعامل مع هاتين اللغتين لا يمكن وصفه بأي حال من الأحوال بـ”العادل”. كما أن المجتمع الإسرائيلي أكثر تعقيداً بكثير من الناحية اللغوية عمّا يبرزه وجود لغتين رسميتين هناك”.

ومع تشكيل اليهود لحوالي 80% من سكان إسرائيل، فإن المكانة التي تحظى بها العبرية أفضل بكثير من تلك التي تتمتع بها العربية. وتم إلزام الطلاب الإسرائيليين العرب حتى وقتٍ قريب بتعلّم العبرية اعتباراً من الصف الثالث، في الوقت الذي كان يتم فيه توجيه النصح للطلاب الإسرائيليين الناطقين بالعبرية لتعلّم العربية فقط بعد وصولهم إلى الصف السابع.

وفي الوقت الذي تم فيه حظر تداول اللغة العربية بشكلٍ رسمي في الأماكن العامة، فقد قامت بعض قطاعات المجتمع المتحدث باللغة العبرية باستخدام العنف لتطبيق هذا القرار. وكانت هذه القطاعات تقوم بتنظيم أعمال حراسة أهلية ضد استخدام العربية الممنوع قانوناً، حيث ترافقت هذه الأعمال مع بخ الطلاء أو وضع ورق الجدران على العبارات المكتوبة باللغة العربية في الشوارع. وساهمت هذه الحوادث في تعزيز الفجوز الاجتماعي الفاصلة بين المتحدثين بالعبرية ونظرائهم المتحدثين بالعربية. وفي الوقت الذي بات فيه عرب إسرائيل يتحدثون العبرية بطلاقةٍ أكبر، فقد بات الناطقون بالعبرية، بحسب الكاتبين، لا يتمتعون بنفس الميزات الاجتماعية نتيجة عدم قدرتهم على التواصل مع أقرانهم الإسرائيليين الناطقين باللغة العربية.

ويرى صاحبا المقالة أن صراع اللغة أكثر تعقيداً بكثير من حصره بعبارة بسيطة مماثلة لـ”العبرية في مواجهة العربية”. ويأتي هذا التصوّر في أعقاب عمليات التمازج الجزئية الحاصلة بين المجتمعات اليهودية وغير اليهودية في إسرائيل على صعيد الهويات اللغوية والإثنية والدينية. وعلى سبيل المثال، تشهد إسرائيل استخدام العديد من التشكيلات اللغوية العربية المتميزة: فهناك اللغة العربية الفصحى، والعربية الفلسطينية، والعربية البدوية، والعربية اليهودية. وتجدر الإشارة إلى أن المتحدثين ببعض هذه التشكيلات اللغوية، كالعربية الفلسطينية والعربية البدوية، قد لا يفهمون بعضهم البعض على الدوام.

ويلفت الكاتبان النظر إلى أن اليهود الإسرائيليين لا يتحدثوا العبرية والعربية فحسب، بل أنهم يتحدثون أيضاً بالإنكليزية واليديشية والفرنسية. كما تعتبر إسرائيل موطناً لثالث أكبر مجتمع ناطق باللغة الروسية خارج الاتحاد السوفييتي السابق، حيث تأتي بعد الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا.

تشارك اللغات

Translation- Jerusalem
ناشط إسرائيلي يحمل لافتة كتب عليها “معاً ضد الخوف” أثناء مسيرة تم تنظيمها في أعقاب الحريق المتعمد الذي تنفيذه في مدرسة عبرية – عربية ثنائية اللغة في بلدة بين صفافا القريبة جنوبي القدس. المصدر: AFP.

هذه الانقسامات اللغوية الرئيسية والثانوية تترك الإسرائيليين من جميع الإنتماءات يعيشون حالات “تباعد اجتماعية” كبيرة في “دولتهم الصغيرة”. وعلى الرغم من تواصل الناس مع بعضهم البعض في الأماكن العامة – فهم يتشاركون بنشاطات السفر والتجوال واللعب والتسوق – إلا أنهم يبقون غرباء متباعدين دون وجود لغةٍ تجمع بينهم. وبالطبع، فإن هذا التباعد يفرز مشكلة أخرى ألا وهي استدامة وتفاقم النزاعات الداخلية التي تعيشها إسرائيل.

وتظهر التقديرات أن ما لا يزيد عن 10% من يهود إسرائيل يتحدثون العربية المحكية بطلاقة. كما أن نسبة أقل منهم يستطيعون قراءة وكتابة اللغة العربية. في المقابل، لا يميل العرب الذين يعرفون العبرية في أغلب الأحيان إلى استخدام إحدى اللغتين “العربية أو العبرية” للتواصل مع اليهود الإسرائيليين. وعوضاً عن ذلك، فإنهم يفضلون التحدّث مع اليهود الإسرائيليين باللغة الإنكليزية باعتبارها لغة محايدة. ويشير الكاتبان إلى أن تحدّث العربي باللغة العبرية قد يتم التعامل معه في الأوساط العربية باعتباره عملاً سياسياً خطيراً، حتى وإن كان هذا الحديث ضمن ظروف رتيبة واعتيادية. وشهدت القدس الشرقية قبل عامين تعرَض أحد أبناء عرب إسرائيل لاعتداء عندما تم سماعه وهو يتحدث بالعبرية.

وفي إطار السعي لمواجهة هذه المشكلة بعد إدراك أبعادها، فقد حاولت بعض الجهات إيجاد حلول موجهة لغوياً للتعامل مع هذا الجانب الإشكالي. وشهد العقدان الماضيان تأسيس مدارس عبرية – عربية ثنائية اللغة في مختلف أنحاء إسرائيل. وبحسب ما يراه الكاتبان، فإن هذه المدارس تشارك في تربية جيل من الأطفال ثنائيي اللغة وبتنمية عائلات الطلاب لتصبح مجتمعات ثنائية الثقافة. وفي الوقت الذي ما تزال فيه هذه المدارس إلى حد ما تجريبية الطابع، إلا أنها، بحسب دوبينسكي وستار، تتحلى بقدرةٍ هائلة على خلق سكان ناطقين باللغتين العبرية والعربية يفهمون بعضهم البعض ويتعايشون معاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

وعلى ما يبدو، فإن ما حققته هذه المدارس من نجاحٍ مبدئي لم يشكل خسارة للمؤسسة التعليمية الإسرائيلية. ففي عام 2016، فرضت وزارة التعليم الإسرائيلية تدريس اللغة العربية ابتداءً من الصف الأول، وذلك في المدارس التي تعتبر فيها العبرية لغة التعليم. ومع ذلك، فقد واجهت هذه الخطوة معارضةً، وهو ما حال دون الخروج بنظام تعليمي ثنائي اللغة بالكامل. ويرى دوبينسكي وستار أن إقرار المحللين وصانعي السياسات بضرورة اللجوء لحلولٍ لغوية يعد بفتح مسارات تدريجية لحل النزاع.

ويختم الكاتبان مقالتها بالقول: “إن الاعتراف بحلول النزاع القائمة على اللغة واستخدامها وتطبيقها بشكلٍ ناجح قد يفرز نموذجاً لحل بعض النزاعات الأكثر تدميراً وطولاً التي تعاني منها المنطقة منذ فترةٍ طويلة”.

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.

  • الصراع على ذاكرة الثورة المصرية

    صحيحٌ أن النظام هو من يملك اليد العليا في الصراع على قصة الثورة وذاكرتها. إلا أن محاولات النظام لفرض النسيان على مبادئ الثورة ولحظات انتصارها لا تمر دون مقاومة. وعلى الرغم من معاناتهم الصعبة، ومحاولات أكثرهم للنسيان حتى يتسنى لهم العيش، فإن بعض مؤيدي الثورة ما زالوا يواجهون بروباغندا النظام وسردياته الكاذبة باستخدام الفنون والسخرية والأرشفة، في الخارج وعلى الإنترنت، ليعيدوا بذلك تقديم قصص ثورة ٢٥ يناير الديمقراطية وذكرياتها.
  • الثورة في السودان: فليسقط النظام!

    الآن تنتهي سنوات الغرور والفساد والظلم والعنف الممنهج ضد المدنيين. فقد تكلم الناس وكشفوا حقيقة طغاة الجمود والتشدد. ولم يعد بإمكانهم الاختباء بعد الآن. الشباب السوداني يهتف: يسقط تجار الدين. فليسقط النظام، وهو يمر بالفعل في حالة تداعٍ، والسودانيون مستعدون تماماً لاستعادة بلدهم.
  • اقتراحات بيع المفاعلات النووية للسعودية تدقّ ناقوس الخطر

    خفّض القادة السعوديون من مشترياتهم المخطط لها، ومن المتوقع حالياً أن تقوم المملكة ببناء مفاعلين فقط. وترى صاحبة المقالة أنه لا بد من التفاوض على اتفاقية تعاونٍ نووي مع المملكة بحسب لما ينص عليه القانون الأمريكي في حال استمرت إدارة ترامب في متابعة خطتها لتصدير الطاقة النووية إلى الرياض، كما يجب اتخاذ خطواتٍ إضافية للحد من مخاطر الانتشار النووي.