فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / جلال طالباني.. رحلة سياسي مخضرم

جلال طالباني.. رحلة سياسي مخضرم

جلال طالباني ورامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي في البنتاغون في واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية، 9 سبتمبر/ أيلول 2005، وزراة الدفاع الأمريكية

ودع العراق الثلاثاء 3 أكتوبر 2017 رئيس جمهوريته السابق جلال طالباني عن عمر يناهز 83 عامًا، بعد رحلة طويلة مع المرض. وكان طالباني واحدًا من الشخصيات السياسية البارزة على الساحة العراقية، على مدار عقود طويلة. وقد أثار لف جثمانه بعلم إقليم كردستان استياء الكثيرين، خاصة أن وفاته جاءت في ظل احتدام الصراع حول استفتاء استقلال إقليم كردستان العراق، والذي أحدث صدى واسعًا في الشارع العراقي، بل وخارج العراق أيضًا، حيث حذرت أطراف عديدة من مغبة هذا الاستفتاء في الوقت الحالي، وقد أدى تغطية نعش الرئيس العراقي بعلم كردستان إلى انسحاب عدد من نواب البرلمان العراقي المشاركين في التشييع، وكذلك عدد من المحطات التلفزيونية العراقية.

ولد طالباني عام 1933 في محافظة السليمانية، لم يلتحق بكلية الطب التي كان يرغب في الالتحاق بها، وذلك بسبب التضييق من قبل النظام الملكي، فالتحلق بكلية الحقوق عام 1953، إلا أنه لم يستطع أن يكمل دراسته بشكل منتظم، وذلك بسبب نشاطه السياسي المبكر، والذي جعله مطلوبًا من قبل السلطة، فاضطر إلى ترك الكلية في السنة الرابعة هربًا من الاعتقال عام 1956، ولم يعد لاستكمال دراسته إلا في عام 1958، وذلك بعد الإطاحة بالملكية الهاشمية في العراق، وقد عاد هذه المرة طالبًا وصحفيًا في نفس الوقت، فقد عمل في مجلتي «خابات» و«كوردستان».

وبدأ طالباني حياته السياسية مبكرًا، حيث شارك في بداية الخمسينيات في تأسيس وقيادة الاتحاد الوطني لطلبة كردستان التابع للحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1947، وكان عمره وقتها لم يتجاوز 14 سنة، ولكن نظرًا لإمكانياته الكبيرة وقدراته الشخصية تدرج سريعًا داخل الحزب، واحتل مراكز قيادية فيه. وتم اختياره عضوًا في اللجنة المركزية للحزب عام 1951، وجاء ذلك بعد انضمامه للحزب بحوالي 4 سنوات فقط، حيث كان عمره آنذاك لا يتجاوز 18 سنة. وبعد إكمال دراسته في كلية الحقوق، التحق طالباني بالجيش لأداء الخدمة العسكرية، حيث خدم في وحدتي المدفعية والمدرعات، وكان حينها قائدًا لوحدة دبابات.

وشارك طالباني أو (مام جلال) كما يطلق عليه أنصاره، والتي تعني العم جلال، في الانتفاضة الكردية الكبرى التي اندلعت ضد حكومة عبد الكريم قاسم في سبتمبر عام 1961، بعدها كان على رأس الوفد الذي أدار المحادثات مع الرئيس العراقي السابق عبد السلام عارف في عام 1963.

ونظرًا لقدراته السياسية وبراعته، تولى طالباني في منتصف الستينيات، عددًا من المهام الدبلوماسية في أوروبا، حيث كان الممثل الرسمي للقيادة الكردية في مجموعة من الاجتماعات داخل الشرق الأوسط وخارجه، وأثناء الانشقاق الذي عصف بالحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1964، كان طالباني أحد أعضاء المكتب السياسي لهذه الجماعة التي أعلنت انفصالها عن قيادة الزعيم الكردي مصطفى البرزاني، والد مسعود البرزاني.

صورة تجمع جلال طالباني ومسعود البارزاني وأحمد توفيق، كردستان العراق

وفي عام 1975 أسس طالباني مع عدد آخر من رفاقه الاتحاد الوطني الكردستاني، وقد تربع على رأس هذا الاتحاد الوطني، والذي أصبح أحد أكبر حزبين في إقليم كردستان العراق، وظل الاتحاد الوطني منافسًا قويًا للحزب الديمقراطي الكردستاني، وبقي على هذا الحال حتى عصف به انشقاق داخلي، أدى إلى تشكيل تيار سياسي جديد تحت اسم «التغيير»، إلا أن هذا الانشقاق أضعف قوة ونفوذ الاتحاد بشكل كبير، ولم يعد كسابق عهده.

ودخل الحزبان الكبيران (الاتحاد الوطني الكردستاني، والحزب الديمقراطي الكردستاني) في حالة من التنافس الشديد، وصلت إلى حد الاحتراب الداخلي، وسيطرة كل طرف على مناطق معينة من إقليم كردستان العراق، وظل الوضع على هذا الحال لحين تسوية الخلافات بينهما، واقتسما حكم إقليم كردستان بعد سقوط نظام الرئيس العراقي صدام حسين بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.

في بداية عقد السبعينيات حدث توافق بين الكرد والسلطة العراقية، وتم الاتفاق بين الطرفين على منح كردستان العراق حكمًا ذاتيًا، على أن يتم تطبيقه بعد مرور 4 سنوات، وكانت هذه هي الفترة الذهبية والأكثر سلامًا بين الكرد والسلطة العراقية في بغداد، إلا أن هذه الوضع لم يدم طويلًا، بعد التوافق بين العراق وإيران في اتفاقية الجزائر، والذي أدت إلى الإطاحة بالثورة الكردية آنذاك.

صورة تجمع صدام حسين وهواري بومدين ومحمد رضا بهلوي، 1975، الجزائر ©Fanack

وقام طالباني عام 1976 بتنظيم المعارضة المسلحة داخل العراق، وظل قائدًا للمعارضة الكردية ضد نظام صدام حسين طوال فترة الثمانينات، إلى أن ختم النظام العراقي هذه المسيرة بحملته العسكرية «الأنفال» بهدف سحق المعارضة الكردية عام 1988، إلا أن مساعي طالباني لم تتوقف، وحاول أن يجد تسوية تفاوضية من أجل مواجهة المشكلات التي سيطرت على وضع الحكومة الكردية في إقليم كردستان، وقد انتهز فرصة حرب الخليج الثانية عام 1991 وسعى بمعاونة مسعود بارزاني إلى إقامة إقليم كردي شبه مستقل.

ومثّلت حرب الخليج الثانية نقطة مهمة في مسار طالباني السياسي، بل وفي مسار الحركة الكردية بأجمعها، إلا أن الوضع لم يكن ورديًا، فما لبث الحزبان الكبيران أن تنازعا ودخلا في مواجهة عسكرية عام 1992، مما استوجب تدخل قوى خارجية لفض الاشتباك بينهما، وبعد جهود من كل من الولايات المتحدة وإنجلترا، تم توقيع اتفاق سلام بين طالباني وبارزاني عام 1998 في واشنطن، وتم تعزيز ما تم التوصل إليه، بعد انعقاد برلمان كردستان، حيث دعا طالباني إلى تحريم أي اقتتال بين أطراف كردية.

أزاح سقوط نظام الرئيس العراقي صدام حسين 2003، جانبًا الخلافات الكردية/ الكردية، فشهد هذا العام تشكيل تحالف كردي مشترك، وتم التوقيع على عريضة تطالب بإجراء استفتاء حول انفصال إقليم كردستان العراق عن الدولة العراقية.

ولم يكن طالباني مجرد رمز كردي فقط، بل كان سياسيًا حاضرًا بقوة على الساحة العراقية في مجملها، خاصة بعد سقوط نظام الرئيس صدام حسين، حيث تم اختياره عام 2005 رئيسًا للعراق، ووقع اختياره من قبل الجمعية الوطنية الانتقالية العراقية، وتمت الموافقة على ترشحه رئيسًا للجمهورية العراقية لمدة 4 سنوات عام 2006، وتم انتخابه مجددًا عام 2010 ليستمر في منصبه رئيسًا للعراق. وعلى الرغم من خصومته السياسية مع الرئيس صدام حسين، إلا أنه كان ضد تطبيق عقوبة الإعدام عليه، وكذلك دعا إلى ضرورة الإفراج الصحي عن برزان التكريتي، الأخ غير الشقيق لصدام حسين، مما جعل وصوله إلى سدة الحكم في العراق بشرى للتقارب ما بين العرب والكرد آنذاك.

بدءًا من عام 2007 ساءت صحة جلال طالباني، دخل في هذا العام مدينة الحسين الطبية في الأردن، بعد أزمة صحية ألمت به، وأجريت له عملية جراحية في القلب في الولايات المتحدة في 2008، وتدهورت حالته الصحية مجددًا في نهاية عام 2012، مما اضطره إلى مغادرة البلاد في رحلة علاجية إلى ألمانيا، بعد إصابته بجلطة دخل على إثرها في حالة من الغيبوبة، ولم تتحسن حالته الصحية سريعًا، مما اضطره للبقاء لمدة عام ونصف في ألمانيا، وعاد مجددًا إلى العراق عام 2014.

وفي يوم الثلاثاء الموافق 3 أكتوبر 2017 أعلن التلفزيون العراقي وفاة الرئيس جلال طالباني، بعد أسبوع من استفتاء الأكراد على استقلالهم عن الدولة العراقية، وخلفه في منصب رئيس الجمهورية كردي آخر هو فؤاد معصوم.

© Copyright Notice
Click on link to view the associated photo/image:
©Fanack

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.

  • تحدياتٌ كثيرة تعزّز من صعوبة فرض حظر السلاح في ليبيا

    يقتضي حدوث هدنة مستقرة في ليبيا لإرساء نظام كفء وفعَّال لحظر الأسلحة. ومن المستبعد أن يشهد الشعب الليبي – المستفيد النهائي – أي تحسن في القريب العاجل. إذ أدَّت سنوات من التدخل الدولي إلى وجود العديد من الدول التي تملك مصالح راسخة في ليبيا، ولا أحد على استعداد لتحمل الخسائر حالياً.
  • الشرق الأوسط أكثر اضطراباً من أي وقتٍ مضى

    مع كلّ أسف، قد تزداد هذه التطورات سوءاً حتى ظهور جيلٍ جديد من القادة يحاول بجدّية الالتزام بحلّ هذه النزاعات بطريقةٍ إنسانية وعادلة لضمان دوام الاستقرار.
  • آن الأوان لإنهاء نظام المحاصصة الطائفية مع استمرار الاحتجاجات

    تحتاج مؤسسات تقاسم السلطة إلى تفكيك ما يعيشه لبنان من حالة تفسيرٍ ضيّقة للنص. وتمثّل هذه الاحتجاجات لحظة مفصلية لبدء حوارٍ وطني عن كيفية توسيع أسس احتواء الجميع في الحياة السياسية اللبنانية. المحتجون استطاعوا حتى هذه اللحظة التضامن مع بعضهم البعض، متجاوزين بذلك حدود الطائفية والطبقية والجندرية وهو ما كان مستحيلاً في السابق. وقد يكون هذا التضامن طريق العبور إلى مستقبل ما بعد طائفي، سواءً أكان ذلك بنظامٍ يكفل تقاسم السلطة أو بدونه.