فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / نادي “بيتار القدس” بين جذوره اليمينية وإضافة اسم ترامب إلى اسمه

نادي “بيتار القدس” بين جذوره اليمينية وإضافة اسم ترامب إلى اسمه

Translation- Beitar Jerusalem
مشجعو نادي “بيتار القدس” يهتفون في المباراة التي جمعت فريقهم مع نادي بني سخنين في ملعب “تيدي كوليك” يوم 10 فبراير 2013. وكان “بيتار القدس” قد استضاف نادي “بني سخنين” في أجواءٍ متوترة بعد ثلاثة أيام من توجيه تهم مرتبطة بالعنصرية لأربعة من مشجعي “بيتار”. المصدر: AFP.

نشر موقع “The Conversation” مقالة سلطت الضوء على تاريخ نادي “بيتار القدس” والجذور الثقافية والسياسية لقاعدته الجماهيرية. واستعرض صاحب المقالة تامير سوريك، أستاذ علم الاجتماع في جامعة فلوريدا، الأسباب التي دفعت النادي إلى تغيير اسمه إلى “بيتار ترامب القدس”. وكان النادي قد أعلن عن تغيير اسمه تقديراً لقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

وبحسب سوريك، فإن رغبة أحد أهم الأندية الرياضية بربط نفسه بأحد السياسيين الذين اشتهروا بتأجيجهم للانقسامات قد يكون أمراً مثيراً لاستغراب محبي الرياضة الأمريكيين. وجرت العادة في الولايات المتحدة الأمريكية على أن تتجنّب الأندية الرياضية ربط نفسها بالسياسيين أو المرشحين لتولي مناصب سياسية بشكلٍ علني، ويعود السبب في ذلك إلى خشية تلك الأندية من تنفير بعض الشرائح الموجودة ضمن قاعدتها الجماهيرية دون أي داعٍ لذلك.

وفي الوقت الذي يشير فيه سوريك إلى نفسه كأحد الأشخاص الذين يقومون بدراسة ما يشكل الهويات السياسية الإسرائيلية من ديناميكياتٍ ثقافية، فإنه يلفت النظر إلى التعامل مع الرياضة في إسرائيل كأحد الفضاءات التي تخترقها السياسية بقوّة. وبصورةٍ مغايرة للفرق الرياضية الأمريكية، فقد تم تنظيم الأندية الرياضية الصهيونية في الأصل على طول خطوط الصدع السياسي في النصف الأول من القرن العشرين، حيث يتنافس المتنافسون السياسيون على أرض الملعب.

ويتوافق نادي “بيتار القدس” بشكلٍ كبير مع وجهات نظر حزب الليكود الذي يقوده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ولطالما اعتبر مشجعو الفريق أنفسهم من الناس الذين تم إقصاؤهم من الناحيتين السياسية والاقتصادية. ويرى الكاتب أن حرص الفريق على ربط نفسه بترامب وأسلوبه السياسي سيكون منطقياً إذا ما تم النظر إلى هذه المسألة من خلال المقاربة السابقة.

فريق اليهود المنسيين في إسرائيل

شهد عام 1923 تأسيس حركة “بيتار” في لاتفيا. واختلفت هذه الحركة، وهي حركةٌ شبابية صهيونية تصحيحية، مع التيار الصهيوني السائد بعدّة طرق، إذ شجّعت هذه الحركة التوسّع الأكثر عدوانية، وسعت لتأسيس دولة يهودية على جانبي نهر الأردن؛ كما أخذت موقفاً عدائياً تجاه الحكومة البريطانية في فلسطين؛ وأخيراً، تبنت رؤىً مناهضة للاشتراكية.

وفي عام 1936، قام ديفيد هورن، الذي ترأس الفرع المحلي لحركة “بيتار” في القدس، بتجنيد بعض النشطاء التصحيحيين لتأسيس نادي “بيتار القدس” لكرة القدم. وكان العديد من هؤلاء ينتمون إلى ميليشا الإرغون السريّة التي شنت الهجمات على العرب، وبعد ذلك على الأهداف البريطانية. وقامت السلطات البريطانية بطرد بعض اللاعبين بسبب ارتباطهم بالميليشيات السرية في أربعينيات القرن الماضي.

وتعزّزت صورة حركة “بيتار” كمعقل عتيد للمعارضة بعد قيام إسرائيل في عام 1948. وفي السنوات الأولى من قيام إسرائيل، كان حزب “ماباي” الاشتراكي أقوى الأحزاب السياسية في الدولة. وانتمى نادي كرة القدم الأكبر “هبوعيل” إلى الاتحاد العام لنقابات العمال في إسرائيل، وهو ما جعله على صلةٍ وثيقة بحزب “ماباي”.

في المقابل، مال “بيتار القدس” لجذب الذين تم إقصاؤهم والمظلومين إلى صفوف جماهيره. واستوعبت القدس في خمسينيات وستينيات القرن الماضي العديد من اليهود الذين هاجروا بشكلٍ جماعي من الدول العربية والإسلامية – وهم الناس الذين نطلق عليهم اليوم تسمية اليهود المزراحيون في إسرائيل. وبحسب صاحب المقالة، فقد نظر هؤلاء المهاجرين، وبشكلٍ خاص أولئك القادمين من شمال إفريقيا، إلى أنفسهم كمهمّشين، وكأشخاص يتم ممارسة التمييز بحقهم. وشعر هؤلاء أنهم في أسفل السلم الاجتماعي والاقتصادي وعلى هوامش النظام السياسي. وواجه الذين لم ينتموا إلى حزب “ماباي” تمييزاً إضافياً على مستوى التوظيف والسكن.

وفي تلك السنوات، استحوذ “بيتار” على تعاطف العديد من اليهود المزراحيين، وتطورت دائرة مناصري النادي لتصبح نوعاً من المعارضة السياسية والثقافية. وعلى المستوى السياسي، استمر ارتباط الفريق بحزب “حيروت” اليميني الذي كان شعبوياً ومعادياً للاشتراكية وملتزماً بالتوسع الإقليمي. وفي الوقت نفسه، فقد ضجّت مدرجات النادي بالأغاني والشعارات المستعارة والمتوافقة مع الألحان الدينية القديمة ليهود السفارديم. وكانت وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة – ويديرها يهودٌ من أصول أوروبية – تحول في أغلب الأحيان دون وصول هذه الأغاني إلى موجات الأثير حتى بداية ثمانينيات القرن الماضي.

النجاح في الملعب – وفي صندوق الاقتراع

Translation- Avigdor Lieberman
زاور ساداييف، اللاعب الشيشاني المنضم إلى نادي “بيتار القدس” في عام 2013 مع وزير الخارجية السابق ووزير الدفاع الإسرائيلي الحالي أفيغدور ليبرمان. المصدر: AFP

بمرور الوقت، تحوّل “بيتار” من نادٍ ذي حضورٍ محلي إلى نادٍ يحظى بقاعدةٍ جماهيرية كبيرة على المستوى الوطني. ويرى سوريك أن روابط النادي القديمة مع قادة حزب الليكود قد تكون من العوامل التي ساعدت على بناء قاعدته الجماهيرية (ومتابعته) والفوز بكأس الدول في عامي 1976 و1979 – في ذات الوقت الذي وصل فيه حزب الليكود إلى السلطة في عام 1977 – وهو ما أدى إلى انفجار شعبية الفريق.

وعلى امتداد ثمانينيات القرن الماضي، تبلورت الانتماءات المتداخلة في حزب الليكود، ولدى المزراحيين ونادي “بيتار” لكرة القدم. وأتاحت نجاحات “بيتار القدس” في الثمانينيات والتسعينيات – حيث حقق بطولة الدوري ثلاث مرات وكأس الدولة ثلاث مرات – أن يحظى بشعبيةٍ لدى حلقة أوسع من الجماهير، وكان من هذه الحلقة بعض المواطنين العرب. ومع ذلك، فقد استمر تمتّع الفريق بشعبيةٍ خاصة لدى الناس الذين كان أطلق عليهم في يومٍ من الأيام لقب “إسرائيل الثانية” – وهم الطبقة الدنيا من اليهود المزراحيون.

وفي الوقت الذي لا تعتبر فيه الميول اليمينية لنادي “بيتار” حديثة العهد، فقد ظهرت فئةٌ جديدة من جماهير النادي لتعبّر عن مواقف معادية للعرب. ويبقى “بيتار” نادي كرة القدم المحترف الوحيد في إسرائيل الذي لم يوقع أي عقد مع لاعب عربي. وتحظى رابطة الجماهير “لا فاميليا”، التي تم تأسيسها في عام 2005، بعلاقاتٍ وثيقة مع السياسين المحسوبين على اليمين المتطرف في إسرائيل. وبحسب سوريك، تتطابق هذه الرابطة بصورةٍ علنية مع حركة “كاخ”، التي تسعى لإقامة حكم ديني ثيوقراطي وطرد جميع العرب من إسرائيل والمناطق التي احتلتها في عام 1967.

وقام القسم المسؤول في النادي عن التواصل مع الجهات الخارجية ببعض المحاولات لضم لاعبين عرب إلى صفوف النادي، إلا أن جماهير النادي تصدت لمثل هذه المحاولات. واليوم، يرى المشجعون المتشددون أن معاداة العروبة باتت أمراً متأصلاً في هوية النادي. وتتضمن مجموعة شعاراتهم وهتافاتهم بعض الرسائل الدنيوية المعادية للعرب والمسلمين.

ما تخفيه العنصرية

حاول علماء المجتمع الإسرائيلي تفسير الأسباب التي دفعت العديد من مشجعي “بيتار” المزراحيون لأن يكونوا من أصحاب الآراء القومية، ومن المتشددين، وفي بعض الأحيان ممن يقومون ببث مشاعر الكراهية ضد للعرب. وحاول بعض العلماء ردّ ذلك إلى ما يواجهه المزراحيون من منافسة خاصة مع العرب على مستوى الوظائف ذات الأجور المنخفضة. ويرى البعض الآخر أن المزراحيين يشعرون بالحاجة للتخلص من العناصر العربية الموجودة في هويتهم، وذلك في إطار مناخٍ سياسي يعيب الهويات العربية ويمارس التمييز ضد العرب.

وفي نفس الوقت، تحظى بعض أندية كرة القدم الأخرى، كبطل إسرائيل “هبوعيل بئر السبع” و”بني يهودا”، بقاعدةٍ جماهيرية كبيرة من المزراحيين. وعلى الرغم من توقيع هذه الأندية للعقود مع اللاعبين العرب، إلا أن المشجعين المزراحيين لم يقوموا بتنظيم أي تحرك للحيلولة دون ضم هؤلاء اللاعبين.

وعلى هذا النحو، يحق لنا الاستفسار عما يحدث مع نادي “بيتار القدس”. ويجيب الكاتب بالتالي: “كانت القدس معقلاً للتطرف والعنف منذ عام 1967، حيث احتلت إسرائيل القدس الشرقية وضمتها ضد رغبة مواطنيها العرب. ويتقاطع هذا المناخ السياسي مع ما تشعر به الجماهير المزراحية من تهميش؛ ومن الممكن أن يقود هذين العاملين معاً إلى توليد مواقف عدائية ضد العرب”.

وبحسب سوريك، فإن هناك أوجه تشابه واضحة بين القاعدة الجماهيرية لفريق “بيتار القدس” ومناصري دونالد ترامب الذين يشعرون أنهم مهمشون من الناحيتين السياسية والثقافية – أو، كما وصفهم ترامب بـ”رجال ونساء الأمة المنسيين”. وفي هذا السياق، فإن تغيير اسم النادي سيكون أمراً منطقياً.

ومع ذلك، يرجح الكاتب عدم القيام بهذه الخطوة بصورةٍ رسمية. أولاً، لأنها تتعارض مع اللوائح الداخلية لاتحاد كرة القدم الإسرائيلي، والتي تنص على عدم إمكانية إلحاق اسم أي شخص بأسماء النوادي إلا في حال وفاته. ثانياً، يعارض العديد من مشجعي “بيتار القدس” بشكلٍ واضح الاسم المقترح على وسائل التواصل الاجتماعي. وقد يكون ترامب يحظى بشعبيةٍ كبيرة بين هؤلاء المشجعين، بوصفه حليفاً لنتنياهو، إلا أن اسم الفريق بقي نفسه على مدى السنوات الـ82 من وجود النادي. وعلى هذا النحو، فإن التقاليد تفوق النفعية السياسية بحسب وجهة نظر هؤلاء.

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.