فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / الأردن / من الماضي الى الحاضر / من التاريخ القديم إلى هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى

من التاريخ القديم إلى هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى

تمثال من عين غزال (8000-6000 قبل الميلاد)، متحف الآثار الأردنية في عمان Photo Fanack
تمثال من عين غزال (8000-6000 قبل الميلاد)، متحف الآثار الأردنية في عمان /Photo Fanack

عاش السكان الأوائل للأرض التي أصبح اسمها فيما بعد الأردن منذ العصر الحجري القديم (500,000-17,000 قبل الميلاد) تاركين وراءهم أدوات من حجر الصوان والبازلت. تطورت بعض الزراعة المستقرة في فترة العصر الحجري الحديث (8500- 4500 قبل الميلاد)، رغم أن الصيد بقي النشاط الاقتصادي المهيمن على الأرجح.

في العصر النحاسي ( 4500- 3200 قبل الميلاد)، صنع سكان الأردن الفؤوس ورؤوس السهام والأدوات الأخرى من النحاس، كما تطورت القرى والمدن على التلال الكبيرة. كما كانت زراعة الشعير والتمور والعدس منتشرة في المرتفعات الشمالية والغربية الأكثر رطوبة، بالإضافة إلى تربية الأغنام والماعز. وكان الصيد نشاطاً ثانوياً. كانت أنماط الحياة في الصحراء إلى الجنوب والشمال مماثلة لأنماط حياة البدو اليوم.

نتيجة لأسباب غير محددة ولكن مرتبطة على الأغلب بالعوامل المناخية والأمنية أو من أجل الرعي، هجر الناس المستوطنات المحصنة والأكبر حجماً على قمم التلال إلى قرى أصغر وغير محصنة في الفترة ما بين 2300- 1950 قبل الميلاد.

خلال العصر البرونزي الأوسط ( 1950- 1550 قبل الميلاد)، وجدت المنطقة نفسها على مفترق طرق تجارية متزايدة الأهمية بين سوريا ومصر وشبه الجزيرة العربية. وتطورت مستوطنات كبيرة في وسط وشمال الأردن، مستخدمين الأدوات والأسلحة البرونزية، في حين بقي الجنوب ميداناً للرعاة الرحل.

خلال العصر الحديدي، تم تقسيم أراضي الأردن الحديث بين ثلاث ممالك: عمون، وعاصمتها ربّة عمون، وحالياً عمّان؛ ومؤاب إلى الجنوب، ومركزها كير، حالياً الكرك؛ وأدوم إلى الجنوب من مؤاب، وعاصمتها بصرى، في محافظة الطفيلة الحالية.

بالتالي، شكّلت أراضي جنوب الأردن قلب المملكة النبطية، وعاصمتها البتراء. وفي أوج قوتها، امتدت الدولة النبطية من اليمن إلى دمشق ومن غرب العراق إلى شبه جزيرة سيناء.

خلال الفترة البيزنطية (الإغريقية-الرومانية)، والتي بدأت عام 330 م بإنشاء بيزنطة (القسطنطينية) كعاصمة للإمبراطورية الرومانية الشرقية، كان حلف الديكابولس يحد المملكة النبطية من الشمال، وهي مجموعة من عشر مدن شملت جيراسا (جرش الحالية) وفيلادلفيا (عمان) وروفانا (أبيلا) وإيدون (كابيتولياس) وجدارا (أم قيس) وبيلا (إربد)، كما يحدها من الغرب اليهودية والسامرة والجليل وبيريا، وتحدها مصر من الجنوب الغربي. وتقع الحدود الشرقية للمملكة في الصحراء. كانت الدولة النبطية تابعة للإمبراطورية الرومانية لفترة طويلة من الزمن، إلّا أن روما لم تضمها رسمياً حتى عام 106 ميلادية.

الفتح العربي

عام 629 م، اشتبك الجيش الإسلامي العربي مع البيزنطيين في مؤتة جنوب الأردن. تم صد العرب في البداية، ولكنهم انتصروا عليهم في معركة اليرموك عام 636 م، واستولوا على دمشق وبقية سوريا. واعتباراً من عام 661-750، كانت دمشق عاصمة الإمبراطورية الأموية، والتي كان الأردن يشكّل جزءً من أراضيها. ازدهرت البتراء بسبب موقعها على الطريق الرئيسي من دمشق إلى قلب الإمبراطورية في مكة المكرمة. غير أن الدولة العباسية، ومقرها بغداد، سادت على الإمبراطورية الأموية عام 750 م. وتم تهميش أراضي الأردن والبتراء.

الصليبيون والمماليك

في أوائل القرن الثاني عشر كان غزو الصليبيين، الذين عززوا حكمهم ببناء القلاع الضخمة، وأكثرها إثارة للإعجاب قلعة الكرك. وتدريجياً استعاد المسلمون الأراضي التي خسروها، خصوصاً في عهد صلاح الدين الأيوبي عام 1174 م. سقطت القدس عام 1187 م، واقتصرت سلطة الصليبيين على الشواطئ الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، حيث طردوا أخيراً في القرن الثالث عشر.

كان الأردن على تخوم الإمبراطورية الأيوبية ومقرها القاهرة (أنشأها صلاح الدين الأيوبي). عام 1258، استولى المغول على بغداد، وعام 1260 استولوا على حلب وانتقلوا جنوباً إلى سوريا والأردن وفلسطين. غير أنهم هُزموا في العام نفسه على يد المماليك، خلفاء الأيوبيين، ومقرهم القاهرة.

العثمانيون

انتهى حكم المماليك عام 1517 عندما هزمهم الأتراك العثمانيون في معركة الريدانية قرب القاهرة. تم دمج سوريا والأردن وفلسطين وغرب شبه الجزيرة العربية في الإمبراطورية العثمانية ومقرها القسطنطينية. وعلى مدى الأربعمئة عام التالية من الحكم العثماني، بقي الأردن أرضاً هامشية بشكل أساسي بحسب موقعه على تخوم الصحراء. كانت أهمية الأردن الرئيسية بالنسبة للعثمانيين وقوعه على طريق الحج السنوي من دمشق إلى مكة المكرمة. كانت الإدارة العثمانية ضعيفة بشكل عام، ورفضها سكان البلاد مع الوقت.

الاردن سوريا فتوحات
الفتوحات العربية في القرب السابع الميلادي

الاردن مصر سوريا
الدولة المملوكية

خط الحجاز

Photo: thesecrethistoire.blogspot.com / حطام قاطرة عائدة لخط الحجاز
Photo: thesecrethistoire.blogspot.com / حطام قاطرة عائدة لخط الحجاز
الاردن الحجاز سوريا
الخط الحديدي الحجازي

غير أن التطور الملحوظ كان في بناء خط الحجاز للسكك الحديدية في الفترة 1900- 1908، وهو خط ضيق بطول 1320 كم، يربط دمشق بالمدينة المنورة. ظاهرياً، كانت الغاية من المشروع تسهيل الحج، إلا أنه أيضاً لعب دوراً استراتيجياً وحاسماً كشريان للإمبراطورية، وذلك لإمداد الحاميات التركية والبؤر الاستيطانية في جنوب الأردن والحجاز والمنطقة الجبلية الغربية من شبه الجزيرة العربية حيث كانت قبضة العثمانيين ضعيفة.

هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى

أسفرت هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى عن نشوء الأردن الحديث. وحرصاً على ضمان الدعم العربي ضد العثمانيين، عرض البريطانيون دعم الحركة القومية التي كانت ناشطة في الأراضي العربية للإمبراطورية العثمانية. عام 1915- 1916، تفاوضت لندن مع الشريف حسن بن علي، حاكم أقدس مدينة إسلامية (مكة)، وهو هاشمي (من فرع قبيلة قريش الذي ينتمي إليه النبي محمد) والسليل المباشر للنبي. ومقابل تمرد العرب ضد الأتراك، وافق البريطانيون على الاعتراف باستقلال الأراضي العربية من الإمبراطورية العثمانية، ضمن حدود معينة. كما تعهدت بريطانيا بتطبيق الاستقلال العربي ما لم يتعارض مع مصالح حليفتها في الحرب: فرنسا.

في حزيران/يونيو عام 1916، أطلق الشريف حسين الثورة العربية، بدعم لوجستي من البريطانيين (بما في ذلك “لورنس العرب”). وبعد سيطرة المتمردين على الحجاز بقيادة ابن حسين الثالث، الأمير فيصل، انتقلوا إلى سوريا الكبرى حيث عملوا جنباً إلى جنب مع الجيش البريطاني الذي غزا فلسطين على طول الساحل من مصر. استولى فيصل على العقبة على رأس البحر الأحمر في تموز/يوليو عام 1917 وعمان، والتي لم تكن حينها أكثر بقليل من بلدة كبيرة، في أيلول/سبتمبر. سقطت القدس في يد البريطانيين بعد ذلك بثلاثة أشهر، وتم الاستيلاء على دمشق في تشرين الأول/أكتوبر عام 1918.

بينما حرضت لندن العرب على التمرد مع وعود بالاستقلال، إلا أنها كانت بسرية تفاوض روسيا وفرنسا على صفقة معاكسة. قسمت اتفاقية سايكس بيكو، التي أبرمت في أيار/مايو عام 1916، المنطقة إلى مناطق نفوذ بريطانية وفرنسية. فحصلت فرنسا على منطقة تعادل دول لبنان وسوريا وشمال العراق الحديثة تقريباً، في حين حصل البريطانيون على منطقة تعادل دول إسرائيل والأردن وفلسطين وجنوب العراق الحديثة. وتم تخصيص القدس وجزء من فلسطين لإدارة دولية تقديراً لأهميتها الدينية.

وفي الوقت ذاته في 2 تشرين الثاني/نوفمبر عام 1917، وبعد مفاوضات مع الحركة الصهيونية، أصدرت لندن وعد بلفور الذي أكد أن البريطانيين ينظرون “بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين”.

في أيلول/سبتمبر عام 1918، أعلن أنصار الثورة العربية عن تشكيل حكومة عربية برئاسة فيصل ابن الشريف حسين، مع أن السلطة الحقيقية في سوريا بقيت في يد البريطانيين.

وافق مؤتمر باريس للسلام عام 1919 على إدارة ممتلكات السابقة للألمان والعثمانيين المهزومين على شكل انتداب تحت إشراف الهيئة الدولية الجديدة “عصبة الأمم”. وتقرر انتداب فرنسا على سوريا ( بما فيها لبنان الحالي) وبريطانيا على فلسطين (بما في ذلك الأردن الحالي) والعراق.

استباقاً لأي نشاط فرنسي، تم عقد المؤتمر السوري العام من شخصيات وطنية في دمشق في آذار/مارس عام 1920 وانتخب فيصل ملكاً على سوريا الموحدة، أي أراضي سوريا ولبنان وفلسطين والأردن وإسرائيل الحالية. وأعلن التسعة والعشرون عراقياً الحضور عبد الله، الأخ الأكبر لفيصل، ملكاً على العراق المستقل. ولم يُجدِ ذلك نفعاً.

الشريف حسين (1854 - 1931)
الشريف حسين (1854 – 1931)
عاش السكان الأوائل للأرض التي أصبح اسمها فيما بعد الأردن منذ العصر الحجري القديم (500,000-17,000 قبل الميلاد) تاركين وراءهم أدوات من حجر الصوان والبازلت. تطورت بعض الزراعة المستقرة في فترة العصر الحجري الحديث (8500- 4500 قبل الميلاد)، رغم أن الصيد بقي النشاط الاقتصادي المهيمن على الأرجح. في العصر النحاسي ( 4500- 3200 قبل الميلاد)، صنع سكان الأردن الفؤوس ورؤوس السهام والأدوات الأخرى من النحاس، كما تطورت القرى والمدن على التلال الكبيرة. كما كانت زراعة الشعير والتمور والعدس منتشرة في المرتفعات الشمالية والغربية الأكثر رطوبة، بالإضافة إلى تربية الأغنام والماعز. وكان الصيد نشاطاً ثانوياً. كانت أنماط الحياة في الصحراء إلى الجنوب والشمال مماثلة لأنماط حياة البدو اليوم.

فمن أجل إضفاء الطابع الرسمي لما تم الاتفاق عليه في باريس، عقدت فرنسا وبريطانيا اجتماعاً على عجل للمجلس الأعلى لعصبة الأمم في سان ريمو. وفي 5 أيار/مايو عام 1920، تم انتداب فرنسا على سوريا ولبنان وبريطانيا على فلسطين والعراق. ولم يكن هناك ذكر صريح لشرق الأردن، الأراضي الواقعة شرق نهر الأردن، ولكن لكونه كان يشكل جزءً من منطقة النفوذ البريطاني وفق اتفاقية سايكس بيكو، كان من المفهوم أنه يشكل جزءً من الانتداب على فلسطين. تحركت القوات الفرنسية إلى سوريا من لبنان، واحتلت دمشق في تموز عام 1920. وأجبر فيصل على الذهاب إلى المنفى، مع أن البريطانيين نصبوه ملكاً على العراق في العام التالي.

image_pdfimage_print

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.