فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / الأردن / المجتمع والإعلام والثقافة / نظرة عامة على المشهد الإعلامي في الأردن / أول مسلسل عربي على نتفلكس يُثير جدلاً في الأردن

أول مسلسل عربي على نتفلكس يُثير جدلاً في الأردن

Jordan- Jinn series
Photo: www.nyfa.edu

منذ يونيو 2019، أثار أول مسلسل عربي على نتفلكس، “جن،” غضباً شديداً في المملكة الأردنية، مما يؤكد على وجود فجوةٍ ثقافية كبيرة بين القطاعات المحافظة والأكثر تقدمية في المجتمع الأردني. فقد كانت القبلات على الشاشة والألفاظ النابية العلنية محور النقاش الدائر حول “أخلاق” المسلسل.

يصور هذا الإنتاج، الذي تم عرضه على منصة البث الإلكترونية قبل أكثر من شهر، مجموعةً من المراهقين الأغنياء من إحدى المدارس الثانوية في غرب عمّان الذين يذهبون في رحلةٍ إلى مدينة البتراء الأثرية ويقومون بتحضير الجنّ عن طريق الخطأ.

في الأساطير الإسلامية وما قبل الإسلام، يعتبر الجنّ كائناتٍ عديمة الشكل خلقت من النار والهواء ويمكن أن تأخذ شكل البشر والحيوانات على حد سواء. وباعتبارها أرواحاً خارقة للطبيعة، فهي ليست شريرة أو صالحة بطبيعتها، إلا أنها تتأرجح ما بين الصفتين ويمكن أن تساعد وتحمي البشر – أو تؤذيهم. يجمع مسلسل جنّ على نتفلكس بين الخيال والموضوعات التقليدية التي غالباً ما تعرضها الأعمال الدرامية للمراهقين الغربيين مثل الحب والجنس والبلطجة المدرسية والمخدرات والكحول. كتب السيناريو الأخوان إيلان وراجيف داساني، اللذان ولدا وترعرعا في الولايات المتحدة الأمريكية، بينما كان الإخراج من نصيب كلٍ من اللبناني مير جان بو شعيا والأردني أمين مطالقة.

ومنذ إطلاقه، تعرض المسلسل لانتقاداتٍ شديدة من قِبل النقاد الذين شجبوا ما اعتبروه عدم الاحترام الصارخ لتقاليد الأردن وقيمه. ووصف المفتي العام للأردن محمد الخلايله المسلسل بأنه “انحدارٌ أخلاقي وقيمي لا يمثل عادات الأردنيين وأخلاقهم،” مضيفاً أنه يتعارض مع “التعاليم الإسلامية.”

بينما أصدر مجلس علماء المسلمين التابع لجماعة الإخوان المسلمين بياناً صحفياً يدين مروجي “جنّ” ويصف المسلسل بالـ”جريمة” التي تستوجب “غضب الله.”

فيما وصفت لجنة التوجيه الوطني والإعلام النيابية المسلسل بأنه “غير أخلاقي” ولا يتماشى مع عادات وتقاليد الأردن.

وبالمثل، أصدرت سلطة إقليم البتراء بياناً أوضحت فيه أن محتوى المسلسل يتعارض مع الثقافة الأردنية.

بل وصل الأمر إلى حد طلب المدعي العام من وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية إيقاف بث المسلسل بسبب “مشاهده غير الأخلاقية.”

وفي هذا الصدد، قال لنا في فَنَك أيمن مهنا، المدير التنفيذي لمركز سكايز في بيروت، “لقد تم طرح موضوع الدين ولكن في الحقيقة الأمر كله يتعلق بالقيم المحافظة اجتماعياً.” ومن الجدير بالذكر أن المركز يراقب الانتهاكات ضد الصحافة والحريات الثقافية في لبنان وسوريا وفلسطين والأردن.

فقد تم ذم الهيئة الملكية للأفلام، وهي هيئة حكومية مستقلة مالياً وإدارياً، لتشجيعها على تسهيل تصوير المسلسل. ورداً على ذلك، أصدرت الهيئة الملكية للأفلام بياناً عبر حساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي لتوضيح دورها، الذي يتمثل في “تشجيع الإنتاج المحلي، واستقطاب الإنتاج الأجنبي في البلد وتسهيل التصوير.” وأضاف البيان أيضاً أن الهيئة الملكية للأفلام “لا تمتلك أي صلاحياتٍ رقابية.”

وبإلقاء نظرةٍ سريعة على وجهات نظر مستخدمي قاعدة بيانات الأفلام على الإنترنت (IMDb) حول المسلسل، يؤكد الكثيرون على أنهم يرون أن المسلسل لا يمثل حياتهم اليومية. ويجادل أحد الأشخاص بأن الشخصيات “من عائلاتٍ ثرية تعيش خارج الأردن وليست من عائلاتٍ محافظة، رغم أن معظم عائلاتنا في الأردن من المحافظين وضد هذا المسلسل […] ليس لدينا ما يسمى بـ”العلاقة العاطفية مع الصديقة” كما فعل هؤلاء الممثلون. فتياتنا لا يتلفظنّ بهذه الألفاظ النابية ولا يشتمنّ هكذا. ديننا وثقافتنا وتقاليدنا ضد هذه السلوكيات.”

من ناحيةٍ أخرى، تجاهل بعض الناس مدى توافق المسلسل مع “الأخلاق،” إلا أنهم بدلاً من ذلك انتقدوا التصوير السطحي للأردن من خلال إظهار مجموعة من المراهقين الأثرياء الذين لا يمثلون الغالبية العظمى. من وجهة نظرهم، تم محو تعقيد النسيج الاجتماعي الأردني بالكامل وبدلاً من ذلك يظهر المسلسل كنسخة ركيكة عن أي مسلسل درامي أمريكي موجه للمراهقين إلا أنه تم تصويره باللغة العربية وبممثلين أردنيين، الذين يكافحون بدورهم لمنح شخصياتهم عمقاً. كما تم انتقاد النص أيضاً لضعفه وترجمته على ما يبدو من الإنجليزية.

من جهتهم أشار العديد من المستخدمين على وسائل التواصل الاجتماعي، بسخرية، إلى النفاق الكامن وراء الهجمات ضد المسلسل، إذ قالت إحدى التغريدات: “ليوضّح لي أحدكم المنطق وراء انتقاد مسلسل جنّ بعد شهر من مشاهدة الحلقة الأخيرة من مسلسل صراع العروش،” التي تُشير ضمنياً إلى ردود الفعل غير المتناسبة التي أثارها مسلسل “جنّ” في حين لا تُثير الإنتاجات الأخرى التي تحتوي على محتوى أكثر فظاعة إلا أنها أنتجت في بلدانٍ أخرى مثل هذه الضجة. “سواء في الأردن أو في دول الشرق الأوسط الأخرى، فإن المسلسلات التي تتناول العلاقات بين الشباب وباستخدام مثل هذه الألفاظ النابية ليست شائعة جداً. تمتلك القلة التي تعالج مثل هذه القضايا نبرة أبوية خالصة، حيث تحاول “زيادة الوعي” بالقضايا الاجتماعية مثل المخدرات أو عدم التسامح. يميل الناس إلى قبول محتوى صريح طالما أنه لا يعكس مجتمعهم الخاص،” كما أوضح مهنا.

أما بالنسبة للصحفي داود كتاب، فقد قال أن “جنّ” كشف عن “حقيقتين مقلقتين.” وبحسب ما كتب على موقع الأخبار Byline، فمن ناحية، الكثير من الناس في الأردن “يعيشون في حالة إنكار،” متجاهلين تجارب أطفالهم وشبابهم بشكلٍ عام. ومن ناحيةٍ أخرى، فإن العديد من الأشخاص الذين لا يعبرون عادةً عن آرائهم حول البرامج التلفزيونية أو الأفلام التي تعرض “أعمالاً تتضمن إيحاءاتٍ جنسية” يحجمون عن قبول إنتاجاتٍ مماثلة “عندما يكون المشاركون أردنيين.” كما أشار إلى الاختلاف في معاملة الشخصيات النسوية اللواتي “تلقينّ انتقاداتٍ أشد من الشخصيات الذكورية كما لو أن مشهد التقبيل لم يحدث بين شخصين!”.

بغض النظر عن المحتوى النوعي للمسلسل، كان هناك بعض النشطاء الرافضين للرقابة، فقد اتخذ نضال منصور، مدير مركز حماية وحرية الصحفيين موقفاً على صفحته على فيسبوك، حيث أعلن أنه يدعم “حرية التعبير والإنتاج الفني والإبداع” ويرفض “أي شكل من أشكال الرقابة عليهم،” مضيفاً أن “الأخلاق والموقف من العادات قضايا مختلف عليها ونسبية.”

ووفقاً لأيمن مهنا، من الصعب تحديد مقدار الرقابة في الأردن لأن “الرقابة الذاتية قائمة بشدة.” وأضاف “يعرف الصحفيون والكتاب والفنانون الخطوط الحمراء ولا يتخطونها، سواء كانت دينية أو اجتماعية أو سياسية. هناك قائمة طويلة من الموضوعات التي يفهم الأفراد أنه يُفضل عدم التطرق إليها خوفاً من تعرضهم للضغط أو الانتقام. وفي كثيرٍ من الأحيان، تأتي دعوات الرقابة من شرائح محافظة للغاية في المجتمع وغالباً ما تستسلم السلطات لضغوطها.”

ووفقاً لشركة الأبحاث أي إتش إس ماركت، فإن سوق نتفلكس في العالم العربي صغيرٌ جداً، حيث لا يتجاوز عدد المشتركين 1,8 مليون مشترك. لكن في عام 2018، زاد النشاط التجاري بنسبة 45%، الأمر الذي يفسر سبب قرار الشركة الاستثمار في البرامج الأصيلة بدلاً من تقديم إنتاجاتٍ أجنبية فقط.

ومع ذلك، فإن الظهور الأول المثير للجدل لمنصة نتفلكس في الأردن يثير مسألة بيع الإنتاجات المكيفة ثقافياً في المنطقة. فالإصدارات القادمة من نتفلكس، المسلسل الأردني مدرسة الروابي للبنات ومسلسل ما وراء الطبيعة المصري، إما ستؤكد أو ستدحض الاتجاهات التي لوحظت في أعقاب إصدار “جنّ” والجدل الذي أثير في أعقاب عرضه.

فقد سبق وواجهت نتفلكس بالفعل عقباتٍ تتعلق بالقيود الشديدة على حرية التعبير في العالم العربي. ومن الأمثلة على ذلك ما حصل في يناير 2019، عندما تمت إزالة حلقة من العرض الفكاهي “قانون باتريوت مع حسن منهج“من قِبل الشركة في المملكة العربية السعودية بعد أن اشتكت السلطات من العرض، الذي انتقد الحرب على اليمن وناقش اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي في تركيا عام 2018.

بشكلٍ عام ، يوضح مسلسل “جنّ” تماماً كيف يمكن لردود الفعل السلبية دفع برنامجٍ ما نحو أضواء الشهرة. بالنسبة لأيمن مهنا، “أولئك الذين أرادوا فرض رقابةٍ على مسلسل جنّ أضروا أنفسهم أولاً وأخيراً عن طريق خلق المزيد من الضجيج والدعاية حول المسلسل.”

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.