فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / الجمهورية اللبنانية / وُجوه / العناد السياسي للرئيس عون يؤتي ثماره أخيراً

العناد السياسي للرئيس عون يؤتي ثماره أخيراً

ميشال عون
ميشال عون. Photo Bernd von Jutrczenka ©Hollandse Hoogte ⁃ Bernd von Jutrczenka

بعد 29 شهراً من الفراغ السياسي، انتُخب ميشال عون الرئيس الثالث عشر للبنان في 31 أكتوبر 2016. فقد كان الجنرال السابق من أشد المنتقدين لعائلة الأسد في سوريا لأكثر من عقدين من الزمان، ولكن مع اقترابه من الرئاسة، أصبح حليفاً مقرباً من كلٍ من النظام السوري وحليفه اللبناني الشيعي، حزب الله.

تغيير التحالفات

عون، المعروف بكونه أحد أشرس المعارضين للنظام السوري منذ ثمانينات وتسعينيات القرن الماضي، وانتقاده الشديد لحزب الله خلال السنوات الطويلة التي قضاها في المنفى في فرنسا والذي عاد إلى لبنان عام 2005، أصبح خلال العقد الماضي أحد أكثر الحلفاء المخلصين لحسن نصر الله، زعيم حزب الله، والرئيس السوري بشار الأسد.

وقد أثار هذا التغيير الجذري في الموقف السياسي لأحد أكثر الزعماء المسيحيين شعبيةً في لبنان العديد من التساؤلات حول دوافعه. يُطلق عليه البعض رد فعلٍ على تحالفٍ ساخر بين الأحزاب المناهضة لسوريا وحزب الله خلال انسحاب القوات السورية من لبنان عام 2005 بعد احتلالٍ دام 29 عاماً، والذي يهدف، من بين أمورٍ أخرى، إلى إضعاف سلطته السياسية بعد عودته من المنفى. بينما يعزوه البعض إلى رغبته الشخصية الانتهازية منذ أمدٍ طويل ليُصبح رئيساً للدولة. في حين لا يزال آخرون يعتبرونها خطوةً استراتيجية، الهدف منها هو الحفاظ على وحدة لبنان من انقسامٍ عميق بين السنة والشيعة ولحماية المسيحيين من تنامي الإسلاموية.

ولفهمٍ أفضل لهذا التغيير في الاتجاه والجوانب الأخرى لموقف عون السياسي، بات من الضروري إلقاء نظرة أكثر عمقاً على مشواره العسكري والسياسي الطويل.

من تلميذٍ عسكري إلى قائدٍ عام

ولد عون في عام 1935، لأسرة مسيحية مارونية فقيرة، في حارة حريك الشيعية المارونية في بيروت. لديه خمسة أشقاء وشقيقات، صبيين وثلاث بنات، ,تلقى تعليمه في مدرسة الفرير، وهي مؤسسة تعليمية ميريست- كاثوليكية.

بعد تخرجه عام 1955، التحق بالمدرسة الحربية اللبنانية بصفة تلميذ ضابط. وفي عام 1958، تخرج ضابطاً مدفعياً من القوات المسلحة اللبنانية ومن ثم سافر إلى فرنسا حيث تلقى المزيد من التدريب العسكري في معسكر الجيش الفرنسي ” Le camp de Châlons.” تخرج بعد عامٍ من ذلك وحاز على ترقيةٍ برتبة ملازم ثانٍ. وعلاوة على ذلك، تلقى عون المزيد من التدريب العسكري في فورت سيل في الولايات المتحدة الأمريكية (1996)، وفي École Supérieure de Guerre في فرنسا (1978- 1980).

وفي 30 نوفمبر 1968، تزوج ميشال عون من نادية الشامي ورزقا بثلاث فتيات هنّ، ميراي، وكلودين، وشانتال.

بعد عودته من فرنسا، سرعان ما ترقى عون في صفوف الجيش اللبناني، حيث تقلّد مناصب هامة مثل، قائداً لسلاح المدفعية (1980)، وقائداً للواء الثامن (1982)، وعميداً (1984). وتقديراً لجهوده في الحفاظ على وحدة الجيش خلال الحرب الأهلية (1975- 1990)، تمت ترقية عون في نهاية المطاف ليصبح القائد العام للقوات المسلحة في 23 يونيو 1984.

بقيّ في ذلك المنصب إلى أن تم اختياره في 22 سبتمبر 1988 رئيساً للوزراء للحكومة العسكرية المؤقتة المكونة من ستة أعضاء. شُكلت الحكومة بدايةً من ثلاثة ممثلين مسلمين وثلاثة ممثلين مسيحيين، إلا أن الأعضاء المسلمين رفضوا التعامل مع الحكومة بسبب ضغوطٍ من وسيطٍ للنظام السوري الذي عارض بشدة الوجود السياسي لعون.

مجلس الوزراء المؤقت و “حرب التحرير”

يرجع قرار الرئيس المنتهية ولايته أمين الجميل (1982-1988) بتعيين حكومةٍ مؤقتة إلى فشل البرلمان في انتخاب رئيس. رفضت السُلطات السورية الاعتراف بالحكومة الجديدة، وبدلاً من ذلك دعمت الحكومة المقالة برئاسة سليم الحص. ونتيجةً لذلك، تم تقسيم لبنان بين الحكومة المدعومة من سوريا في غرب بيروت، والتي تزعمها في وقتٍ لاحق الياس الهراوي، والحكومة العسكرية المؤقتة للوزراء الثلاثة برئاسة العماد ميشال عون، في شرق بيروت الذي تقطنه أغلبية مسيحية.

شُكك بمدى شرعية خطوة الجميل، ذلك أنها تنتهك الميثاق الوطني غير المكتوب لعام 1943، الذي يمنح رئاسة الوزراء لمسلمٍ سُنّي. ومع ذلك، قال جميل أنّ الميثاق الوطني أيضاً يمنح رئاسة الجمهورية لمسيحي ماروني، وبما أنّ رئيس الوزراء يتولى صلاحيات وواجبات رئيس الجمهورية في حال وجود شاغر، فسيكون من الأنسب أن يشغل هذا المنصب، بشكلٍ مؤقت، مسيحي ماروني. وأشار جميل إلى السابقة التاريخية عام 1952، عندما تم تعيين اللواء فؤاد شهاب، وهو مسيحي ماروني، رئيساً لوزراء الحكومة الانتقالية في أعقاب استقالة الرئيس بشارة الخوري.

عون، الذي كان يتمتع بدعم 60% من القوات اللبنانية، انقلب ضد قوات الاحتلال السوري. ففي 14 مارس 1989، قصفت المدفعية السورية القصر الجمهوري حيث كان يقطن عون وحيث وزارة الدفاع، مما خلف 38 قتيلاً و142 مصاباُ. أعلن عون “حرب التحرير” ضد الجيش السوري القوي البالغ قوامه 40 ألفاً، كما أمر سوريا رسمياً بسحب قواتها وناشد المجتمع الدولي تقديم الدعم.

قوبل نداء عون بلا مبالاةٍ من قبل الدول الغربية، باستثناء فرنسا التي دعمته دبلوماسياً وقدمت مساعداتٍ إنسانية. إلا أنه بالرغم من ذلك، تلقى مساعداتٍ عسكرية غير مشروطة من الرئيس العراقي صدام حسين.

في هذه الأثناء، زادت سوريا ضغوطاتها العسكرية مع استمرار القصف وفرض حصارٍ بحري على المناطق الخاضعة لسلطة عون.

وفي أكتوبر 1989، وافق البرلمان اللبناني على ميثاق المصالحة الوطنية الذي يُعرف أيضاً باتفاق الطائف (الذي سُمي باسم مدينة الطائف في المملكة العربية السعودية حيث تمت المفاوضات). رفض عون الحضور، وذلك بشكلٍ أساسي بسبب الدور الذي لعبته كل من سوريا والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية للوساطة في الاتفاق الذي وضع حداً للحرب الأهلية اللبنانية. كما استنكر أيضاً حضور السياسيين للاتفاق ونعتهم بالخونة وأصدر مرسوماً بحل البرلمان ودعا لإجراء انتخاباتٍ بإشراف الأمم المتحدة. وبعد التوقيع على اتفاق الطائف، استنكر أيضاً عدم تحديده موعداً معيناً لانسحاب الجيش السوري من الأراضي اللبنانية، وبالتالي، انتهاك سيادتها الوطنية.

إلى المنفى

في نهاية المطاف، منحت الحكومة الأمريكية سوريا مطلق الحرية في لبنان مقابل دعم الرئيس حافظ الأسد لطرد الجيش العراقي من الكويت، التي احتلتها في أغسطس 1990.

ومع تصاعد التوترات بين عون والجيش السوري، نجى عون في 12 أكتوبر 1990 من محاولة اغتيالٍ بينما كان يُلقي خطاباً أمام العامة على شرفة القصر الرئاسي، حيث أطلق عليه شابٌ النار من بين الحشود.

وفي اليوم التالي، هاجمت القوات السورية القصر الجمهوري، حيث طلب عون اللجوء السياسي في السفارة الفرنسية. وبعد عشرة أشهر، شرع الرئيس الفرنسي، فرانسوا ميتران، بمفاوضاتٍ للسماح بالعبور الآمن للعماد ميشال عون إلى جانب عددٍ من أفراد حكومته إلى فرنسا.

هناك، وبمساندة بعض أصدقائه وأنصاره وأفراد من الشتات اللبناني، بدأ عون حركة مقاومةٍ ضد الاحتلال السوري. أصبحت الحركة رسمياً التيار الوطني الحر في فبراير 1996. ولكونه محظوراً في لبنان، تركز نطاق نشاطه في العواصم الغربية. وبالتوازي مع الضغط الخارجي، عزز التيار الوطني الحر العلاقات مع انصاره المحليين وجماعات المعارضة الأخرى على الأرض.

العودة: نقطة تحوّل

ميشال عون في انتخابات 2009
العماد ميشال عون بعد الادلاء بصوته في انتخابات 2009. Beirut Polaris Images/Hollandse Hoogte ©Hollandse Hoogte

اتهم عون صراحةً النظام السوري بالوقوف وراء اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في فبراير 2005. وشارك أنصاره في ما يسمى ربيع بيروت، وهي سلسلة من التظاهرات الضخمة التي، جنباً إلى جنب مع الضغوط الدولية على دمشق، أدت إلى انسحاب سوريا من لبنان في 26 أبريل 2005. عاد عون إلى لبنان بعد 11 يوماً للمشاركة في أول انتخاباتٍ حرة تتم في البلاد منذ سبعينيات القرن الماضي. تجاوز حزب التيار الوطني الحر برئاسة ميشال عون، التوقعات بعد أن حصل على 21 مقعداً في البرلمان، ليثبت تشكيله أكبر كتلة مسيحية في لبنان.

ومع ذلك، لم تكن التحالفات الانتخابية على غرار النضال السياسي الذي دام 15 عاماً. فقد فاجأ عون العديد من المراقبين بدخوله في تحالفاتٍ انتخابية مع عددٍ من الخصوم السابقين، بما في ذلك بعض السياسيين المؤيدين لسوريا مثل ميشال المر وسليمان فرنجية. واعتبر ذلك خطوة تكتيكية في اللعبة السياسية اللبنانية المعقدة للتحالف الرباعي المزيف بين الأحزاب الثورية الأخرى- تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية، والمنظمات الموالية لسوريا، خصوصاً حزب الله وحركة أمل.

تبيّن أن التحالفات الجديدة بين التيار الوطني الحر والأحزاب الموالية لسوريا أكثر هيكلية من كونها قصيرة المدى. ففي عام 2006، تم التوقيع على مذكرة تفاهم بين التيار الوطني الحر وحزب الله. نظم الاتفاق العلاقة بين الطرفين، وفرض شروط نزع سلاح حزب الله وإطلاق سراح الأسرى اللبنانيين من السجون الإسرائيلية. بالإضافة إلى ذلك، وضعت استراتيجية دفاعية لحماية لبنان من الخطر الإسرائيلي، وشدد على أهمية إرساء علاقات دبلوماسية طبيعية مع سوريا.
بعد ذلك بعامين، دخل التيار الوطني الحر في الحكومة كجزء من تحالف 8 آذار (الموالي لسوريا). وفي عام 2009، شارك، جنباً إلى جنب مع نفس الحلفاء، في الانتخابات البرلمانية والحكومة الناتجة قبل إسقاط حكومة الحريري في يناير 2011، من خلال الاستقالات الوزارية الجماعية.

زار عون سوريا في عام 2009، والتقى بالرئيس السوري بشار الاسد للمرة الاولى منذ بدء حرب التحرير ضد والده، حافظ الأسد، قبل 20 عاماً.

الثورة السورية والحرب ضد “التكفيريين”

مع بداية الثورات العربية والعلامات الأولى للانتفاضة الشعبية في سوريا في عام 2011، تبنى التيار الوطني الحر في البداية موقفاً مبهماً. أيدّ رسمياً تطلعات الشعب العربي بالمزيد من الحرية مع تجنب انتقاد النظام السوري. وفي وقتٍ لاحق، وبعد تحول الاحتجاجات السلمية ضد نظام الأسد إلى العنف، انتقدت بعض الأصوات الداخلية تورط حزب الله المباشر والمتزايد في الصراع داخل جارة لبنان. ولكن، بعد مرور أسابيع وشهور واكتساب الجماعات الإسلامية السُنية أهميةً في جميع أنحاء المنطقة، وخاصة في العراق وسوريا، اعتمد التيار الوطني الحر موقفاً واضحاً مؤيداً لرواية الأسد وحزب الله، إذ يبررون الصراع باعتباره حربهم ضد الإرهابيين التكفيريين .

وفي 31 مايو 2014، انتهت ولاية الرئيس اللبناني ميشال سليمان، وتركت البلاد من دون رئيس وغالبية مؤسسات الدولة بالكاد تعمل لمدة 29 شهراً. ولطالما كان عون صريحاً بشأن طموحاته للترشح للرئاسة، ولكن لمدة 44 جلسة انتخابية برلمانية، قاطع نواب التيار الوطني الحر وحزب الله الجلسات لعدم تمكنهم من ضمان الاصوات اللازمة لعون للفوز في الانتخابات.

وبالرغم من ذلك، وفي تحولٍ تاريخيّ في الأحداث، وبعد تأييد ترشحه من قِبل معارضيه منذ عشرة أعوام من تحالف 14 آذار، كل من سمير جعجع من القوات اللبنانية وسعد الحريري من تيار المستقبل، انتخب عون رئيساً للبنان في 31 أكتوبر في الجلسة الانتخابية الـ46 للبرلمان اللبناني. عون الذي يُسمى اليوم “بيّ الكل،” يحاول أن يخدم ولايته باعتباره رئيساً يحتفظ بمسافة متساوية مع الجميع.

© Copyright Notice

click on link to view the associated photo/image
©Hollandse Hoogte ⁃ Bernd von Jutrczenka | ©Hollandse Hoogte ⁃ Bernd von Jutrczenka | ©Hollandse Hoogte

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.