تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

لبنان: عهد المماليك والامبراطورية العثمانية

بعد مرور نصف قرن على وفاة صلاح الدين الأيوبي في عام 1193، انتهت السلالة الأيوبية التي كان ينتمي إليها، وتولى المماليك زمام السلطة في مصر. وفي ذلك الوقت، كان المحتلون الأوربيون لبلاد الشام قد خسروا معارك هامة، إلا أن شوكتهم لم تنكسر بعد. ويذكر بعض المؤرخين أن المغول هم الذين دقوا آخر مسمار في نعش الصليبيين.

وبالفعل، حوالي عام 1250 اجتاح جنكيز خان وخلفاؤه من بعده كل دول وسط آسيا ومعظم دول غربي آسيا،

الامبراطورية المملوكية
الامبراطورية المملوكية 1250-1517 ميلادية

بل وحتى بعض أجزاء أوروبا الشرقية. وفي الشرق الأوسط، توغل المغول حتى وصلوا إلى دمشق، ثم واصلوا باتجاه مصر. فتصدى لهم المماليك في شمال فلسطين، حيث يقال أن معركة عين جالوت الشهيرة (عام 1260) غيرت مجرى التاريخ. هزم المماليك المغول، وتوجهوا لفتح سوريا وجبل لبنان.

نظراً لأن المماليك كانوا من السُّنة، فقد كانوا محترسين من المسيحيين – وبالأخص الموارنة – والشيعة الذين كانوا يسكنون تلك البقاع. ومع ذلك، كان للمماليك على علاقة طيبة مع مسيحيي مدينة البندقية الكاثوليك، وبالتالي سمحوا بالطوائف المسيحية في لبنان. أما الشيعة لم يعتبروا من أصحاب البدع فحسب، بل – وأسوأ من ذلك – كأصدقاء للمغول. ومن هذا المنطلق تجرّع الشيعة كأس الاضطهاد. وقُتل الكثيرون منهم، ومن نجا منهم لاذ بالجبال ليختبأ فيها.

الامبراطورية العثمانية (1516 – 1788)

عام 1516 هزمت الإمبراطورية العثمانية المماليك، واستولت على زمام الأمور في المنطقة. وكانت هذه بداية ثلاثة قرون من الهدوء النسبي، حيث تمتع جبل لبنان وسوريا بقدر كبير من الحكم الذاتي. وكان لمجتمعهم بنية إقطاعية، وكان منظماً للغاية بطريقة كانت تجعل ذلك الشعب من المزارعين الجنود يعيش ويحارب لقرون عديدة. فكان الأمير يرأس مجموعة من الشيوخ، الذين بدورهم كان

لبنان الامبراطورية العثمانية
الامبراطورية العثمانية عام 1900

عندهم خدم، ولكل واحد منهم جيشه الخاص من المزارعين والذين يحملون السلاح إذا ما دعت الضرورة. وكان يمثل السلطة العثمانية الباشاوات في المدن الرئيسية، مثل حلب وطرابلس وصيدا وفيما بعد بيروت.

كانت المدن الساحلية ملكاً للتجار السُّنة والملكيين (الروم الكاثوليك)، بينما كان الدروز والشيعة والموارنة يعيشون في سلام نسبي في الجبال. حدث تمرد فردي ضد السلطان، وهجمات من البدو الرحل ضد سكان الجبال الذين كان عليهم الدفاع عن
أنفسهم، وكانت هناك حزازات أسرية وعلى مستوى الأحياء، ومؤامرات وصراعات على السلطة – ولكن عموما، نعم جبل لبنان بالهدوء والازدهار حتى القرن التاسع عشر. فإذا كان هناك اشتباكات بين الطوائف، لم تكن على أساس ديني. أصبحت الجبال ملاذاً لمختلف الأقليات التي هربت من الاضطهاد، سواء كانت دينية أو غير ذلك. وكان على هذه الأقليات أن تتعايش معاً بطريقة أو بأخرى.

فخر الدين الثاني وبشير الثاني

برز في هذه الحقبة الزمنية أميران. الأول كان الأمير فخر الدين الثاني (1593- 1635)، وكان آخر أمراء عائلة معن وأشهرهم، والثاني الأمير بشير الثاني (1788-1840)، والذي كان من عائلة شهاب. وكان لكليهما لقب “الكبير” مضافاً إلى اسميهما.

عقد فخر الدين تحالفاً مع فرديناندو الأول دي ميديشي دوق توسكانا، وكان هذا التحالف، الذي استمر لقرون، مفيداً، في المقام الأول للمراكز التجارية – المدن الساحلية – وللجبال، حيث بنى مهندسو توسكانا المدرجات الشهيرة في الوقت الحالي، والتي جعلت الزراعة أكثر كفاءة بكثير.