فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / الجمهورية اللبنانية / من الماضي الى الحاضر / ثورة القمامة

ثورة القمامة

Rubbish revolution lebanon
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق المتظاهرين أمام مقر الحكومة خلال مظاهرة ضد أزمة القمامة الجارية, 23أغسطس 2015, بيروت , لبنان. Photo Eyup Coskun / Anadolu Agency ©Hollandse Hoogte

في شهر تموز من عام 2015 تحولت أزمة القمامة في بيروت وجبل لبنان إلى احتجاجات في الشوارع على عجز الحكومة اللبنانية تحت شعار “طلعت ريحتكن،” والتي انطلقت اعتراضا على أزمة القمامة التي أصبحت تملأ شوارع لبنان، وسرعان ما أصبح ذلك الشعار كناية عن فساد النخب السياسية في البلاد. كما ازداد عدد المتظاهرين أكثر من أي وقت مضى. فبحلول 22 آب تصاعدت الاحتجاجات وتضاعف عدد المتظاهرين بسرعة واندلعت أعمال شغب متفرقة اعتراضا على استخدام قوى الأمن الداخلي اللبناني والجيش للقوة المفرطة في التعامل مع الاحتجاجات، حيث داهموا المتظاهرين بالغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي والذخيرة الحية في وسط بيروت. استخدام القوة لم يزد المحتجين إلا عزما وإصرارا. فبحلول 29 آب نزل ما يزيد عن 100 ألف لبناني من مختلف ألوان الطيف الاجتماعي والديني إلى الشوارع للتعبير عن سخطهم على عجز الحكومة وفسادها. وسرعان ما تحولت الاحتجاجات التي بدأت صغيرة إلى انتفاضة عارمة تدعو فيها العديد من الأصوات الى قيام ثورة شعبية في لبنان.

وهذه ليست المرة الأولى التي تنظم فيها الحركات اللبنانية الأهلية والمنظمات غير الحكومية والنقابات العمالية مثل تلك الاحتجاجات. ففي الماضي، طالبت احتجاجات مماثلة في عام 2010 بمطالب تتضمن إلغاء نظام المحاصصة الطائفية  وتقنين الزواج المدني، ومظاهرات أخرى حول حقوق المرأة  وحقوق خدم المنازل الأجانب والعنف الأسري. معظم تلك الاحتجاجات كانت منظمة تنظيما جيدا وكان لها مطالب محددة. وكانت في بعضها مدعومة من قبل أحزاب أو شخصيات سياسية، وفي بعضها الآخر كان أغلبية المتظاهرين ينتمون إلى نفس الطائفة الدينية. وقد نجحت بعض الاحتجاجات في تغيير القوانين القائمة في ذلك الوقت أو تطبيق قوانين جديدة كتلك التي تتعلق بالعنف الأسري، ومن ذلك أن إحدى موجات الاحتجاج حققت نصرا متواضعا بعض الشيء بصدور قانون مرض ضد العنف الأسري. ومع ذلك، كانت المشاركة في مثل تلك الاحتجاجات محدودة وسقف التوقعات منخفضا؛ فلم تستطع تلك الاحتجاجات أن تغير من الوضع الراهن إلا أنها تمكنت من إصلاح جزء من مظاهره.

القشة التي قصمت ظهر البعير

لطالما اشتكى المواطنون اللبنانيون سرا وعلانية من تدهور أحوالهم المعيشية. فلبنان بلد يعاني من بنية تحتية سيئة، وانقطاعات متكررة في الكهرباء والمياه، وخدمة إنترنت بطيئة وباهضة التكلفة، وشوارع سيئة على الرغم من ارتفاع ضرائب النقل، كما أن وسائل النقل العام لا تكاد تذكر والتعليم المجاني والرعاية الصحية شبه معدومتين. مع ذلك لم يكن الشارع اللبناني يحتج كثيرا لأنه مشغول جزئيا في لقمة عيشه ولأنه كانوا يرى في الحفاظ على الوضع الراهن بأنه أقل السيناريوهات المحتملة ضررا. ففي بلد تسود فيه المحسوبية السياسية، يخشى معظم اللبنانيين من تغير نظام الحكم في البلاد، لأن ذلك قد يفقدهم امتيازات متواضعة كانوا يحصلون عليها مقابل غض الطرف عن تجاوزات السياسيين اللبنانيين.

ففي سبيل جمع القمامة، أقام السياسيون اللبنانيون شركة خاصة تحت مسمى “سوكلين” حققت أرباحا كبيرة في هذا المجال. وكان الاتفاق غير المعلن هو أن يتم جمع القمامة من الشوارع والتعامل معها بطريقة أو بأخرى مقابل غض اللبنانيين الطرف عن الصفقات السياسية التي تعقد على حساب اللبنانيين، فهم يدفعون أعلى تكلفة في العالم لجمع طن واحد من القمامة. إلا أنه برز خلاف حول مستقبل شركة سوكلين بين النخب السياسية في لبنان. فقد أصبح انحطاط السياسيين كبيرا لدرجة أنه عندما لم يحصلوا على “قطعة من الكعكة” توقفوا عن الاهتمام بموضوع القمامة التي تكدست في الشوارع وبدأت تشكل تهديدا مباشرا لصحة الناس. فكانت تلك هي القشة التي قصمت ظهر البعير.

في هذه المرحلة، شن عدد قليل من الناشطين حملة على الإنترنت حملت إسم “طلعت ريحتكن،” وهو نفس الإسم الذي كان عنوان هاشتاج باللغة العربية على مواقع التواصل الاجتماعي. نظم النشطاء احتجاجهم الأول بتاريخ 28 تموز من عام 2015،9 حيث تركزت المطالبات على قضية القمامة والحلول التي يرغبون في تنفيذها على الفور. تجاهلت الحكومة تلك الاحتجاجات في البداية وكان تجاوبها ضعيفا في إيجاد الحلول، حيث أعلن وزير البيئة أن الحكومة قد وجدت حلولا مؤقتة (دون تقديم أية تفاصيل) وأن اللبنانيين سوف لن يروا القمامة في الشوارع بعد اليوم. رصد النشطاء أكوام القمامة وتم تصوير الشاحنات وهي تعمل على تحميل القمامة وطمرها في أماكن مهجورة في مناطق سكنية مثل موقف قديم للباصات في منطقة سن الفيل أو في نهر بيروت.

تداول تلك اللقطات حفز المزيد من الناس إلى الانضمام إلى العديد من الاحتجاجات اللاحقة. ومع أن عدد المتظاهرين كان محدودا في ذلك الوقت، استخدمت الشرطة خراطيم المياه لتفريق عشرات المحتجين بتاريخ 19 آب واعتقلت بعضا منهم. ومرة أخرى، انتشرت اللقطات المأخوذة من الهواتف النقالة، فضلا عن تلك التي وثقتها وكالات الأنباء، بسرعة على مواقع التواصل الاجتماعي. وكنتيجة لكل ذلك، نظم المتظاهرون في 22 آب أكبر احتجاج شعبي في لبنان. حيث كانت التظاهرات خارج سيطرة النخب والأحزاب السياسية، وشارك في التظاهرة ما يقدر ب 20 ألف مواطن لبناني من جميع الطبقات الاجتماعية ومختلف الخلفيات الدينية والسياسية في البلاد. تجمع المتظاهرون في وسط بيروت لا للمطالبة بحل أزمة القمامة فحسب بل وللمطالبة بإسقاط الحكومة اللبنانية أيضا. وفي 29 آب، تضاعف عدد المتظاهرين ليصل إلى حوالي 100 ألف شخص.

من “ثورة الأرز” إلى “ثورة القمامة”

كانت شوارع بيروت في 29 آب12 تذكرنا بثورة الأرز التي قامت في عام 2005 ضد احتلال الجيش السوري للبنان.  وعلى الرغم من التشابه بين كلي المناسبتين في بعض الأشياء، إلا أنهما تختلفان في ثلاثة نواح:


  • ثورة الأرز حصلت قبل أحداث الربيع العربي واعتبرت أول ثورة عربية (في التاريخ الحديث)، في حين جاءت ثورة القمامة بعد فترة طويلة من الربيع العربي حتى أنها استعارت بعضا من شعاراته.
  • كان تنظيم وقيادة ثورة الأرز في بعض مراحلها يتم من قبل مختلف الأحزاب والقيادات الحزبية في لبنان، ولم تكن مجرد حركة شعبية.
  • تم تحقيق الهدف المباشر من قيام ثورة الأرز وهو انسحاب الجيش السوري من لبنان، لكنها فشلت في تحقيق أهداف طويلة الأمد كضمان نظام سياسي متحضر ذي كفاءة ليحل محل الدولة البوليسية القديمة، ذلك لأن الحكومة في ذلك الوقت كانت تديرها تقريبا نفس النخب السياسية القديمة.

واليوم يبدو أن اللبنانيين يحاولون تجنب الوقوع في نفس الأخطاء التي وقعوا فيها أثناء الثورة الأولى؛ فعلى خلاف ثورة الأرز، حركة الاحتجاج الشعبية الحالية تدعو إلى تغييرات كبيرة في الوضع الراهن.

وطالما أن حركة الاحتجاج تحافظ على استقلالها عن التأثيرات الدينية والحزبية، فإنها على الأرجح ستنمو وتزداد قوة، كما أنها ستثير حفيظة النخب السياسية الذين يشعرون بأن مناصبهم في خطر بالفعل. ومع ذلك يبقى الغموض هو المسيطر على النتائج المحتملة لتلك الاحتجاجات.

© Copyright Notice

click on link to view the associated photo/image
©Hollandse Hoogte

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.