فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / الجمهورية اللبنانية / المجتمع والإعلام والثقافة / الثقافة اللبنانية / كيف أثرى السوريون الحياة الفنية والثقافية في لبنان

كيف أثرى السوريون الحياة الفنية والثقافية في لبنان

Kosai Khauli
الممثلان السوريان قصي خولي (يسار) وسلافة معمار (يمين) يصلان لحضور حفل توزيع جوائز الموريكس دور عام 2011 في مدينة جونيه الشمالية بالقرب من العاصمة اللبنانية بيروت، في 23 يونيو 2011.
Photo: JOSEPH EID / AFP

في عام 2013 غادر المخرج المسرحي أسامة حلال دمشق متوجهاً إلى بيروت بعد أن ساءت الأوضاع الأمنية. لم يكن وحده الذي انتقل إلى لبنان، وإنما المئات من الفنانين الذين كانت لهم بصمة كبيرة في الحياة الفنية والثقافية اللبنانية، وهي مساهمةٌ لا يذكرها من يرى في الوجود السوري في لبنان عبئاً اقتصادياً في بلدٍ يستضيف أكثر من مليون لاجىء سوري.

قبل فترةٍ قصيرة من مغادرته سوريا، قدم حلال عرضه المسرحي “سولوفان” على أحد مسارح دمشق، وهو العرض الذي كان يتناول بشكلٍ رمزي بداية الثورة السورية عام 2011. هذا العرض الذي تسبب في غضب بعض الأجهزة الأمنية عليه وأرسل رسالة إليه مفادها “أنت غير مرحب بعملك هنا، وإن كنت تريد العمل فسنعطيك نحن النص وفريق العمل.”

وبحسب ما قاله حلال لفَنَك، “كنا قبل الثورة اعتدنا على عدم وجود وجهة نظر ثانية غير التي تتبناها أجهزة الدولة.” وأضاف “لم يكن هناك تعددية بالآراء ولم يكن النقد مسموحاً به بأي درجة ولا يوجد ما يسمى بالفنان المستقل، والذي دفعنا للهروب منه إلى الرمزية والعمل شبه المُشفر والذي كنا نعول على عدم فهم الأمن له. إلا أن الثورة دفعتني لسؤال نفسي: لماذا اعمل بالمسرح أو بالفن؟ ولم يكن لدي أي رغبة في ترك دمشق، ولكني أدركت أن الرحيل أصبح ضرورياً بعد التهديدات، ورغم وجود فرص أفضل بكثير لي في أوروبا من حيث ظروف الحياة والعمل وغيرها إلا أنني فضلت البقاء في لبنان.”

عمل حلال بالمسرح منذ عام 2002 وقدم 9 عروض مسرحية وغيرها من العروض والأفكار التي لم يُكتب لها الميلاد في سوريا فكانت من نصيب بيروت، ويقول حلال “لم يكن عندي مكان او مسرح او استديو او فرقة ثابتة في سوريا،” وتابع القول “كنت في كل عرض اتعامل مع فنانين جدد، فلما جئت إلى لبنان كان برأسي فكرة قديمة لم تبرح خيالي وهي فرقة ‘كون‘. وبعد مجيئي إلى لبنان، بدأت التحضير لعرضي الأول في لبنان باسم ‘فوق الصفر،‘ الذي بدأه عرضه عام 2014 واستمر حتى 2018، بفريق عملٍ من لبنانيين وسوريين وفلسطينيين وألمان وفرنسيين. كما قمنا بعرضه في عدة دول وحقق نجاحاً كبيراً، وأكملت مشواري في اختيار الفنانين الذين أعمل دائماً معهم، حيث يكون لكل منهم مهارة في التمثيل او الرقص او الغناء او العزف، فيكون لكل منهم طريقة تعبير مختلفة لإيصال رسالة معينة، وهو ما بدأته فور مجيئي مستفيداً من هامش الحرية الموجود في لبنان سواء بالنسبة لمساحة التعبير او نوعية القضايا التي تناقشها، فهنا استطعت أن يكون لي مكان خاص بي وبفرقتي.”

يجادل البعض أن مستوى الخبرات الأكاديمية والتقنيات والمهارات التي جلبها الفنانون السوريون معهم أغنى بكثير من التي كانت موجودة في لبنان، فعلى سبيل المثال دخل مصطلح “دراماتورج”- حيث أنها وظيفة الشخص المسؤول عن المعنى في العرض والمرتبط بتفكيك وتركيب النص والعرض، فمثلاً إذا كان العرض يتناول مشهداً في الثمانينات وأحد الشخصيات يتناول مشروب ما في أحد المشاهد، فوظيفة الدراماتورج هو إيجاد ما كان موجوداً في هذا الزمن من مشروبات.

كذلك كان للسوريين بالغ الأثر في كسر المناطقية والحدودية داخل لبنان من خلال الفن، فصارت الحركة الفنية والعروض المسرحية أكثر بكثير وزادت نسبة الاقبال من الجمهور على الأعمال المسرحية مع زيادة الإنتاج، هذا إلى جانب وجود الجمعيات والمؤسسات والهيئات المانحة الخاصة بالفن والثقافة التي تعمل في سوريا والمتواجدة في لبنان بسبب قربها الجغرافي. فقد فتحت تلك المؤسسات سوق عمل كبير للبنانيين والسوريين.

والرغم من هذه الإيجابيات، كانت تجربة الفنانين السورين في لبنان بالغة التعقيد. فعلى الرغم من تمتعهم بمساحة من الحرية لم يعرفوها في سوريا لعقود تحت حكم عائلة الأسد، إلا أنهم أنهم ممنوعون رسمياً من العمل في لبنان طبقاً للقوانين، بجانب صعوبات التنقل والسفر إلى الخارج. تلك الظروف التي دفعت عدداً منهم إلى الهجرة إلى أوروبا، بينما دفعت آخرين نحو اتخاذ خطواتٍ متطرفة مثل الممثل والراقص حسن رابح الذي انتحر عام 2015. من جهته، تمكن حلال من الاتفاق مع مسرح دوار الشمس، حيث انضم له عام 2016 وأنشأ استديو “كون” الذي صار بمثابة مدرسة وملاذاً للفنانين من كل الجنسيات المقيمين في لبنان.

حتى تاريخه، تمكن حلال من انتاج عددٍ من الأعمال المسرحية الناجحة مثل “فوق الصفر،” و”الجانب الآخر من الحديقة،” و”إيش لا با ديش.” كما نظم 4 ورشات عمل لتبادل الخبرات بين الفنانين وصناع المسرح من التقنيين والكتاب ومؤلفي الموسيقى، كل ذلك دون مقابل أو أجر. بالإضافة إلى اتاحة الفرصة للهواة للتمرين مع أعضاء فرقة كون المسرحية لاكتساب الخبرات من أعضائها، وهي التجربة التي أخرجت كثيراً من الفنانين الذين يصنعون اليوم تجاربهم المستقلة بجانب بعض الذين امتلكوا مهارات أهلتهم للانضمام إلى الفرقة الأساسية.

يقول حلال واصفاً تجربة استديو كون “حاولت صنع حركة فنية لدعم الفنانين الهواة أو المحترفين الذين يودون العمل على تطوير أعمالهم ومهاراتهم بغض النظر عن الجنسية أو الهوية أو أي شيء غير كونهم فنانين.”

ولربما لم يشهد مجالٌ من المجالات الفنية في لبنان ازدهاراً على يد السوريين مثلما شهدت الدراما. فرغم وجود البصمة السورية على الدراما اللبنانية من قبل الأزمة بزمن، إلا أن النزوح الكبير للسوريين بعدها أثرى الدراما اللبنانية بشكل أكبر مما كان يمكن تخيله، سواء على نطاق الإنتاج أو النوعية، فهناك مثلاً المخرج السوري سامر برقاوي الذي تصدر عمله الدرامي “الهيبة” بأجزائه الثلاثة السوق على مدار 3 سنوات. ومن المخرجين السوريين الذين صنعوا لهم اسماً في عالم النجومية في لبنان، المخرج رامي حنا الذي قدم للدراما اللبنانية مسلسلات “تانجو” و”الكاتب،” والمخرجة السورية رشا شربتجي التي قدمت مسلسلات “ما فيّ،” و”سمرا،” و”علاقات خاصة.”

فقد استغلت صناعة الدراما اللبنانية السوريين العاملين في هذا المجال على أكبر وجه ممكن خاصة بعد الحظر الذي فرضته كثير من القنوات العربية وخاصة الخليجية على الدراما السورية. نتيجةً لذلك، نزح كم كبير من صناع الدراما السوريين من منتجين ومخرجين ومؤلفين وممثلين إلى الدراما اللبنانية حتى صار يمكننا القول بأنه “لا يوجد دراما لبنانية إلا بوجود السوريين،” بحسب قول الناقد الفني اللبناني شفيق طبارة.

كما برزت أسماء سورية في سماء الدراما اللبنانية أمثال تيم حسن، وقصي خولي، ومعتصم النهار، وهي أسماء فرضت نفسها على الشاشة اللبنانية وحققت نجاحاً ونجومية فاقت كل الأسماء اللبنانية.

وفيما يخص الفن التشكيلي، استضافت معارض ومراسم وأتيليهات لبنان عشرات الفنانين السوريين، إذ يقول الرسام والفنان التشكيلي السوري مُضر دوارا “أثر السوريون على مجال الفن التشكيلي اللبناني كان أنجح من غيره من المجالات التي دخلها السوريون في لبنان بعد النزوح فلا يكاد مرسم واحد أو اتيليه واحد في لبنان لم يدخله فنان سوري عارضاً أو مُعلماً، كما حظي الفنانون السوريون في لبنان بترحيب أكثر منه في أي دولة أخرى من دول الجوار أو دول الشتات، بالرغم من كونه بلداً صغيراً بوضع اقتصادي صعب.”

وأضاف “الأعمال التي قدمها السوريون في لبنان كانت متميزة ومتنوعة، إذ قدم كل فنان أسلوبه وفنه وتفكيره ولمسته الخاصة. لمسة فنية سورية وجدت في لبنان ولكنها حافظت على الإرث الفني. وكان للأزمة السورية أثر بالغ على كثير من تلك الأعمال، فالأزمات والحروب تصنع فناً كما تصنع المآسي.”
وعلى عكس الكثير من الفنانين السوريين العاملين بمجال المسرح في لبنان، كان عمل التشكيليين أسهل نظراً لسهولة العمل منفردين في منازلهم أو مراسمهم الخاصة، ونظراً للبعد الاقتصادي لهذا المجال الذي نشط أكثر بدخول السوريين إليه.

فيقول مُضر ” كفنان سوري في لبنان لم أواجه أي مضايقة أو مشكلة، بل على العكس كان هناك دعم كبير من الأشخاص المحيطين، وكان لدي الحرية في أن أقيم أي معرض أو أشارك بأي مناسبة، ولست أنا وحدي ولكن في ظني أن هذا ما وجده العشرات من الرسامين السوريين الذين قدموا إلى لبنان من جميع المحافظات السورية.”

يصعب حصر عدد الفنانين السوريين العاملين في لبنان، كما يصعُب حصر عدد المعارض التي أقاموها لكثرتها.

وبجانب المسرح والدراما والفن التشكيلي، كان هناك المئات من السوريين الذين يعملون وينتجون ويدرسون مختلف الفنون داخل المجتمع اللبناني من موسيقى وسينما وغناء ونحت وغيرها من ألوان الفنون التي ازدهرت بقدوم ونزوح السوريين، الذين لا يرى البعض في وجودهم في لبنان سوى عبئاً اقتصادياً واجتماعياً.

© Copyright Notice

Please contact us in case of omissions concerning copyright-protected work. The acquired copyright protected images used on/as featured image of this page are: JOSEPH EID ©AFP | JOSEPH EID ©AFP

الجهل يقود إلى الخوف، الخوف يقود إلى الكراهية، والكراهية تقود إلى العنف هذه هي المعادلة.
ابن رشد (١١٢٦ – ١١٩٨)

إن مؤسستنا منظمةٌ هولندية غير حكومية لا تسعى لتحقيق الأرباح. هذه المؤسسة يجري تمويلها بصورةٍ حصرية عبر أفرادٍ يشاركوننا الإيمان بضرورة نشر معلومات موثوقة وغير متحيزة عن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، محاكين بذلك المزاج الشعبي السائد في المنطقة ولنعبّر عن صوت أبناء المنطقة بما نقدمه من معلومات ناجعة وتتحلى بالمصداقية.

ولذلك، فإننا نقدّر عالياً ما تقدمه لنا من دعمٍ وسنحرص على أن يعكس هذا الدعم بطريقةٍ إيجابية على الصالح العام!