فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / تحدياتٌ كثيرة تعزّز من صعوبة فرض حظر السلاح في ليبيا

تحدياتٌ كثيرة تعزّز من صعوبة فرض حظر السلاح في ليبيا

Khalifa Haftar
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون “وسط” ينظر إلى رئيس الوزراء الليبي فايز السرّاج “يسار” أثناء مصافحته قائد الجيش الوطني الليبي الجنرال خليفة حفتر “يمين” وذلك عقب محادثاتٍ تم عقدها بهدف الحدث من التوترات الدائرة في ليبيا، في منطقة لا بيل سان كلو من العاصمة الفرنسية باريس يوم ٢٥ يوليو ٢٠١٧. المصدر: JACQUES DEMARTHON / AFP.

نشر موقع “The Conversation” مقالةً سلطت الضوء على ما انتهى إليه مؤتمر برلين الخاص بليبيا. وتركز صاحبة المقالة إنغا كريستينا، وهي باحثة تعمل في المركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي، بصفةٍ خاصة على صعوبة تطبيق حظر توريد الأسلحة لأطراف النزاع، بالتزامن مع تسليط الضوء على الأسباب الكامنة وراء هذا الأمر ابتداءً من ضعف الثقة، ووصولاً إلى عدم وجود جهة محايدة ونافذة تطلع بمهمة تنفيذ قرار الحظر.

وشهد اجتماع برلين الذي جرت فعالياته يوم ١٩ يناير الماضي موافقة عددٍ من الدول المتورطة في الحرب الأهلية الدائرة في ليبيا على دعم قرار حظر السلاح الذي فرضته الأمم المتحدة. ووافقت هذه الدول على وقف التدخل الدولي في النزاع الدائر في البلاد.

وترغب ألمانيا في التوصل إلى طريقة لإنهاء النزاع الدائر في ليبيا بغية منع هذه الدولة الواقعة في شمال إفريقيا من التحول إلى سوريا جديدة. وتحرص المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وشركاؤها الأوروبيون بشدة على تحقيق الاستقرار في ليبيا، نظراً لكون هذا البلد معبر أساسي للهجرة باتجاه الشواطئ الأوروبية. كما شهد اجتماع برلين حضور ممثلين من دولٍ لها مصالح في ليبيا، مثل تركيا، وروسيا، ومصر، والجزائر، وإيطاليا، وفرنسا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة، والصين.

وتشير هنا صاحبة المقالة إلى إجرائها بحثٍ في الوقت الراهن للنظر في أيديولوجية الجماعات الإسلامية والسلفية المختلفة المتواجدة في ليبيا منذ الإطاحة بمعمر القذافي في عام 2011، وهو البعد الذي غالباً ما يغض الطرف عنه لدى تحليل دينامكيات النزاع. فمنذ أبريل 2019، تورطت ليبيا في موجة أخرى من الحرب الأهلية، وكان بدأها خليفة حفتر، رئيس ما يُسمى بالجيش الوطني الليبي، بهدف الاستيلاء على العاصمة طرابلس من حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة.

صحيحٌ أنَّ الهجوم الذي شنَّه الجيش الوطني بقيادة حفتر باغت حكومة الوفاق والمجتمع الدولي، إلا أنه فشل حتى الآن في الاستيلاء على طرابلس التي تسيطر عليها الحكومة بقيادة رئيس الوزراء فايز السراج. غير أنَّ طرفي النزاع يعتمدان على مجموعات تحمل أيديولوجيات تُشكل سلوكهم وتؤثر على تحالفاتهم الدولية.

وعلى سبيل المثال، فقد تمكن الجيش الوطني الليبي في السادس من يناير من إحكام سيطرته على مدينة سرت بمساعدة الكتيبة ٦٠٤ مشاة التي تعتنق فكراً سلفياً ينتمي إلى الإسلام السني، وبالأخص تعاليم الشيخ السعودي ربيع المدخلي. وكانت تلك المجموعة تابعةً لحكومة الوفاق الوطني سابقاً، إلا انها تحالفت في الوقت الحالي مع الجيش الوطني الليبي، الأمر الذي يشير إلى تداعياتٍ محتملة لوجود جماعات سلفية مدخلية بين قوات الأمن لدى طرفي النزاع الرئيسيين في ليبيا.

وتميز هجوم حفتر العسكري بإدلاء تصريحاتٍ متكررة عن “ساعة الصفر”، ناهيك عن مزاعم تُفيد بأنَّ طرابلس ستقع قريباً في قبضته، إلا أن أياً من تلك المزاعم لم يتحقق. ودعمت قوى أجنبية هجمات حفتر عبر إرسال شحنات أسلحة، إلى جانب نشر معدات عسكرية ومقاتلين أجانب في ليبيا.

ويُعد التركيز الجديد في اجتماع برلين على حظر الأسلحة أمراً حاسماً فيما يتعلَّق بفرص تحقيق السلام في ليبيا. كما يلزم وقف التدخل الأجنبي بغية تخفيف معاناة السكان المدنيين الذين استهدفتهم الغارات الجوية المتكررة في السنوات الأخيرة. وبالتالي، فقد كان مؤتمر برلين للسلام على حق عندما أكد على أهمية تغليب الحل السياسي على مسألة تحقيق “الانتصار” العسكري.

عقدٌ من العقوبات

government of national accord
ليبيون أثناء مشاركتهم في مظاهرة ضد الرجل النافذ في المنطقة الشرقية من ليبيا خليفة حفتر ودعماً لحكومة الوفاق الوطني التي تعترف بها الأمم المتحدة في ساحة الشهداء بالعاصمة طرابلس يوم ٢٤ يناير ٢٠٢٠. المصدر: AFP.

فرض مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حظراً على توريد الأسلحة والمعدات العسكرية من وإلى ليبيا في فبراير عام 2011. واستهدفت العقوبات في بادئ الأمر نظام القذافي بسبب ما اقترفه من انتهاكات وحشية ممنهجة لحقوق الإنسان تجاه المحتجين المناهضين للحكومة.

وخضع نظام العقوبات للتعديل ثلاث مرات منذ ذلك الحين، ومنح آخر تعديل في يوليو عام 2016 الإذن للدول بتفتيش السفن في المياه الدولية قبالة سواحل ليبيا، والتي يُعتقد أنها تنتهك قرار حظر الأسلحة.

ومنذ البداية، كانت توجد تحديات تتمثَّل في الافتقار الدائم لوجود جهة تنفيذ عالمية مهتمة ومستعدة وقادرة على تقديم منتهكي قرار حظر توريد الأسلحة إلى المحاكمة.

وتحدث حالات انتهاك حظر الأسلحة على يد جهات مختلفة، وتتمثل هذه الحالات أولاً في الدول المتدخلة – عادةً بالنيابة عن الوكلاء المحليين، وثانياً في الجماعات المسلحة غير التابعة لدول مثل الميليشيات والمهرِّبين الذين دفعهم حظر الأسلحة بشكل رسمي إلى استيراد وبيع الأسلحة بطريقة غير مشروعة. بيدَ أنَّ ردع تلك الميليشيات لا يمكن أن يكون عبر التشهير بهم دولياً أو عبر التحذير من العقاب.

وحدَّدت تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة، التي نشرت مؤخراً في ديسمبر من العام الماضي الخطوط العريضة لانتهاكات حظر الأسلحة؛ إذ ذكر الخبراء إنَّ الإمارات ومصر انتهكتا قرار الحظر عبر تزويد القوات التابعة لحفتر بالأسلحة. كما استفادت قوات حفتر في الآونة الأخيرة من دعم المرتزقة الروس من مجموعة “الفاغنر” المعروفة والتي اتهمت بشن حروبٍ سريّة لصالح الكرملين في مختلف أنحاء العالم.

وحظيت الفصائل المسلحة التي تقاتل لصالح حكومة الوفاق الوطني بتأييدٍ عسكري يأتي معظمه من تركيا التي وسّعت مشاركتها بشكلٍ كبير في الأشهر الأخيرة في محاولةٍ منها لوقف انتصار حفتر العسكري. وأشار خبراء الأمم المتحدة إلى وجود جماعات مسلحة تشادية وسودانية تدعم في الوقت نفسه كلاً من القوات التابعة لحكومة الوفاق والجيش الوطني الليبي.

تضاؤل فرص التغيير

بناءً على ما تم ذكره، فإن الدول المتواجدة في مؤتمر برلين كانت على حق عندما أكدت ووافقت على الالتزام بـ “الامتناع عن التدخل في النزاع المسلح أو في الشؤون الداخلية لليبيا، وحثّ جميع الجهات الدولية الفاعلة على فعل الشيء نفسه”.

صحيحٌ أنَّنا في أمس الحاجة لتنفيذ هذا الالتزام، لكنَّه لا يكفي لإنهاء النزاع نظراً لأن التحدي الحقيقي هو كيفية تنفيذ قرار حظر الأسلحة. وهو ما يُعدّ خطوة صعبة وأكثر تعقيداً في ظل عدم وجود سلطة دولية محايدة مُكلفة بتنفيذه.

ورغم وجود الهياكل النظرية بالفعل ووضوح آليات الإبلاغ ناهيك عن تقديم خبراء الأمم المتحدة أدلة شاملة على انتهاكات الحظر، فإن ذلك ليس كافياً لتفسير موافقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على تطبيق العقوبات. فالموقف الحذر المتأصل، والمصالح المتضاربة بين القوى الدولية في ليبيا يشيران إلى ضعف ثقتهم في تنفيذ العقوبات بنزاهة. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الدول الأجنبية التي تدعم حكومة الوفاق الوطني والجيش الوطني الليبي لا تثق في أنَّ الطرف الآخر سيلتزم بالحظر ولا يرغب أحد في إضعاف فرص حلفائه في النصر.

وينبغي أن يُقر مجلس الأمن بالعقوبات الفردية، وهي مسألةٌ مشحونة بالمصالح المتضاربة وتمس قوة الفيتو الذي يتمتع به الأعضاء الدائمون. وستكون دولة الإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال، واحدة من أبرز الدول المعرضة لفرض العقوبات. ولكن بالنظر إلى العلاقات الوثيقة بين الإمارات والولايات المتحدة، التي تملك قواعد عسكرية متمركزة في الإمارات، فإنه من المستبعد أن يرغب الأمريكيون في تعريض هذه العلاقة للخطر.

وتختم كرستينا مقالتها بالتالي: “يقتضي حدوث هدنة مستقرة في ليبيا لإرساء نظام كفء وفعَّال لحظر الأسلحة. ومن المستبعد أن يشهد الشعب الليبي – المستفيد النهائي – أي تحسن في القريب العاجل. إذ أدَّت سنوات من التدخل الدولي إلى وجود العديد من الدول التي تملك مصالح راسخة في ليبيا، ولا أحد على استعداد لتحمل الخسائر حالياً”.

“الآراء الواردة في هذه المقالة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر فنك”.

© Copyright Notice

Please contact us in case of omissions concerning copyright-protected work. The acquired copyright protected images used on/as featured image of this page are: JACQUES DEMARTHON ©AFP | JACQUES DEMARTHON ©AFP | AFP ©AFP

الجهل يقود إلى الخوف، الخوف يقود إلى الكراهية، والكراهية تقود إلى العنف هذه هي المعادلة.
ابن رشد (١١٢٦ – ١١٩٨)

إن مؤسستنا منظمةٌ هولندية غير حكومية لا تسعى لتحقيق الأرباح. هذه المؤسسة يجري تمويلها بصورةٍ حصرية عبر أفرادٍ يشاركوننا الإيمان بضرورة نشر معلومات موثوقة وغير متحيزة عن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، محاكين بذلك المزاج الشعبي السائد في المنطقة ولنعبّر عن صوت أبناء المنطقة بما نقدمه من معلومات ناجعة وتتحلى بالمصداقية.

ولذلك، فإننا نقدّر عالياً ما تقدمه لنا من دعمٍ وسنحرص على أن يعكس هذا الدعم بطريقةٍ إيجابية على الصالح العام!

  • تحدياتٌ كثيرة تعزّز من صعوبة فرض حظر السلاح في ليبيا

    يقتضي حدوث هدنة مستقرة في ليبيا لإرساء نظام كفء وفعَّال لحظر الأسلحة. ومن المستبعد أن يشهد الشعب الليبي – المستفيد النهائي – أي تحسن في القريب العاجل. إذ أدَّت سنوات من التدخل الدولي إلى وجود العديد من الدول التي تملك مصالح راسخة في ليبيا، ولا أحد على استعداد لتحمل الخسائر حالياً.
  • الشرق الأوسط أكثر اضطراباً من أي وقتٍ مضى

    مع كلّ أسف، قد تزداد هذه التطورات سوءاً حتى ظهور جيلٍ جديد من القادة يحاول بجدّية الالتزام بحلّ هذه النزاعات بطريقةٍ إنسانية وعادلة لضمان دوام الاستقرار.
  • آن الأوان لإنهاء نظام المحاصصة الطائفية مع استمرار الاحتجاجات

    تحتاج مؤسسات تقاسم السلطة إلى تفكيك ما يعيشه لبنان من حالة تفسيرٍ ضيّقة للنص. وتمثّل هذه الاحتجاجات لحظة مفصلية لبدء حوارٍ وطني عن كيفية توسيع أسس احتواء الجميع في الحياة السياسية اللبنانية. المحتجون استطاعوا حتى هذه اللحظة التضامن مع بعضهم البعض، متجاوزين بذلك حدود الطائفية والطبقية والجندرية وهو ما كان مستحيلاً في السابق. وقد يكون هذا التضامن طريق العبور إلى مستقبل ما بعد طائفي، سواءً أكان ذلك بنظامٍ يكفل تقاسم السلطة أو بدونه.