تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

ليبيا: السيطرة العثمانية والقراصنة والسلالة القرمانلية في القرن السادس عشر

القلعة الحمراء في طرابلس
القلعة الحمراء في طرابلس بناها فرسان القديس يوحنا

رغم أهمية الطرق التجارية الصحراوية، إلا أن توجهات طرابلس كانت نحو البحر. في أوائل القرن السادس عشر، كانت منطقة البحر المتوسط ساحة معارك بين قوتين عظيمتين: إمبراطورية هابسبورغ (النمسا)، التي لم تحكم الإمبراطورية الرومانية فحسب، وإنما أيضاً إسبانيا وإمبراطوريتها المتنامية في الأمريكيتين؛ والإمبراطورية العثمانية، التي استولت على القسطنطينية عام 1453 وتوسعت جنوباً في سوريا ومصر في أوائل القرن السادس عشر. تنازعت هاتان القوتان العظيمتان للتفوق البحري عن طريق الاستيلاء على مواقع ساحلية. عام 1510، احتل الأسبان طرابلس، إلا أن ذلك كان مجرد تقدم استراتيجي – لم يكن بنيتهم السيطرة على المدينة. عام 1530 سلموها إلى فرسان القديس يوحنا الذين طردهم العثمانيون من جزيرة رودس عام 1522. كما أعطى الأسبان جزيرة مالطا للفرسان، فأصبحت المقر الرئيسي الذي سيطروا منه على الممر بين شرق البحر المتوسط وغربه. رد العثمانيون بحرب شاملة ضد الأسبان وحلفائهم في جنوة ومالطا. وشارك في الحرب ضباط بحريون مرتزقة. في أربعينيات القرن السادس عشر، هاجمت القوات البحرية العثمانية أماكن عديدة على الساحل الشمالي للبحر المتوسط وطردوا الأسبان من قواعدهم في تونس. عام 1551، استعاد القائد العثماني في البحر الأبيض المتوسط، درغوث رئيس، مدينة طرابلس.

في ظل الحكم العثماني، ازدهرت طرابلس كملجأ مثالي للقراصنة الذين يسطون على سفن تجارية في البحر الأبيض المتوسط. وفّر هذا النوع من الأعمال الحربية أرباح طائلة للقراصنة الذين استولوا فعلياً على موانئ شمال إفريقيا الرئيسية الثلاثة – الجزائر وتونس وطرابلس، والتي أصبحت عواصم المقاطعات العثمانية الثلاث. خضعت هذه المدن لزمرة من العسكريين: قباطنة القراصنة والقوات الانكشارية العثمانية التي كان يترأسها بشكل اسمي باشا يعينه العثمانيون. ولمنع الهجوم على سفنهم، قام الفرنسيون والهولنديون والبريطانيون بقصف المدن الثلاث عدة مرات في القرن السابع عشر وأجبروا الحكام على توقيع معاهدات سلام. لم تتمكن دول مسيحية صغيرة من بذل نفوذ كبير مماثل، فتعرضت الشواطئ وسفن الشحن الإيطالية والمالطية واليونانية المسيحية لهجمات متتالية من قبل قراصنة من شمال إفريقيا، وردت بالمثل. لم يكن أي من الأقاليم الثلاثة مستقر على الصعيد السياسي، وذلك لأن الفصائل العسكرية المختلفة كانت تتقاتل فيما بينها. وفي نهاية المطاف، ظهر نظام السلالات الحاكمة في مدينة تونس، مما حقق السلم الداخلي.

السلالة القرمانلية

عام 1711، اعتمدت طرابلس الاتجاه ذاته. استولى أحمد القرمانلي، ضابط فارس من أب تركي وأم من شمال إفريقيا، على السلطة وعيّن نفسه باشا. أسس أحمد سلالة استمرت 124 عاماً، وكانت الأولى محلياً منذ عهد سيبتيموس سيفيروس. في عهد السلالة القرمانلية، ازدهرت مدينة طرابلس وتوسعت لتضم إقليم برقة ثم إقليم فزان للاستفادة من التجارة المربحة للقوافل العابرة للصحراء. وتمتع أفراد هذه السلالة بحكم ذاتي وكانوا يحددون حالة السلم أو الحرب مع الدول الأوروبية، إلا أنهم كانوا يتصرفون باسم السلطان العثماني وكانوا تابعين له اسمياً. كان أحمد القرمانلي من أتباع المذهب الحنفي الذي كان يفضله العثمانيون، وقام ببناء أكبر مسجد في مدينة طرابلس القديمة، واعتمد أشكالاً هندسية عثمانية مثل المئذنة السداسية الأضلاع.

لوحة لاحتراق بارجة فيلادلفيا من قبل أهالي طرابلس في ميناء طرابلس عام 1804
لوحة لاحتراق بارجة فيلادلفيا من قبل أهالي طرابلس في ميناء طرابلس عام 1804

تجارة القوافل

كان المصدر الرئيسي لدخل السلالة القرمانلية: تجارة القوافل العابرة للصحراء الكبرى، التي تاجرت بالعبيد بشكل رئيسي؛ والقرصنة البحرية؛ والأموال التي دفعها التجار المسيحيون مقابل تأمين الحماية لهم ضد أي هجوم. عندما حاول يوسف، آخر الحكام القرمانليين (1795-1832)، زيادة عائداته من خلال تطوير أسطوله وشن حرب موسعة على السفن المسيحية، وقع في صدام مع الولايات المتحدة الأمريكية المستقلة حديثاً. رفضت الحكومة الأمريكية دفع أموال الحماية؛ وعندما عمد يوسف إلى زيادة الضرائب، اندلعت حرب أهلية قصيرة الأجل. أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية الحرب عام 1803، وانتصرت في النهاية بعد محاصرة طرابلس وإنزال الجنود في إقليم برقة. كانت تلك الحرب هي الحرب الخارجية الأولى للولايات المتحدة الأمريكية وتم تخليد ذكراها في نشيد البحرية الأمريكية:

من قاعات موتنيزوما،
إلى شواطئ طرابلس؛
نخوض المعارك لأجل بلادنا
جواً وبراً وبحراً؛

عام 1832، تنازل يوسف عن الحكم لصالح ابنه علي الثاني، وانتشرت القوات العثمانية لاستعادة النظام. في الواقع، كان على العثمانيين إعادة احتلال البلاد باستخدام تكتيكات الحرب الاستعمارية المعتمدة من قبل القوى الأوروبية. لم يسمح السلطان لسلالة ثانية بان تحل محل السلالة القرمانلية، فتم استبدال الباشوات بسرعة كبيرة: كان هناك 33 باشا في 75 عاماً. شهدت المرحلة العثمانية الثانية هذه ضم طرابلس إلى نظام الاقتصاد العالمي الأوروبي – ونظامها الأخلاقي عندما تم إلغاء العبودية.