تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

ليبيا: مجيء الإسلام في القرن السابع

دولة الخلافة الأموية ليبيا التاريخ
دولة الخلافة الأموية

جاء الفتح الإسلامي لشمال إفريقيا في العقود الأخيرة من القرن السابع كحصيلة ثانوية للفتوحات في الشرق الأقصى: كانت بلاد فارس وبلاد الرافدين وسوريا ومصر الدول الأكثر غنى وتطوراً. وبحكم موقع دول شمال إفريقيا على الهامش السياسي، سرعان ما حكمها المسلمون. إلا أنها تأثرت بالأحداث السياسية في الشرق بدلاً من أن تؤثر هي فيها. وفي حين تم دمج المغرب في العالم الإسلامي، إلا أنه سرعان ما اتخذ منحى سياسياً خاصاً به.

خلال العقود التي تلت وفاة النبي محمد، الذي لم يكن قد عيّن خليفة له، تمزق الإسلام في وقت مبكر نتيجة صراع طويل. اختارت نخبة مكة أبا بكر وعمر، أول خليفتين، رغم اعتراض البعض في الجماعة. وقسم الخليفة الثالث، عثمان، الجماعة وتم اغتياله في النهاية. بدأ فتح شمال إفريقيا في عهد هؤلاء القادة الثلاثة، واحتلال مصر عام 641. دفع الجدال حول الخلافة بخصوم عثمان إلى الالتفاف حول أسرة ابنة محمد فاطمة وزوجها علي. أصبح علي خليفة، ولكن سرعان ما أطاحت به نخبة مكة. ظهر الانقسام الأول في الإسلام بين الذين اعتقدوا بأن الخلافة حق لذرية علي والذين اعتقدوا بأن الخليفة يجب أن يكون من نخبة مكة. أصبح حزب علي (شيعة علي، أو الشيعة) على خلاف دائم مع التيار الرئيسي في الإسلام: السنّة. استمرت سلالة علي، المتمثلة في أئمة أو زعماء الشيعة، حتى القرن التاسع عندما اختفى الإمام الثاني عشر، تاركاً أتباعه على أمل أنه توارى فقط وأنه سيعود ليقود مرحلة العدالة الثورية وسيادة الحق في النهاية. وكان لمناصري الإمام السابع البديل ذات المعتقد: يجمع الشيعة الأفكار الألفية مع نسب فاطمة وعلي. ورفضت جماعة ثالثة الشيعة والسنّة، قائلة إن النسب أو حكم الأقلية لا تحتمان اختيار زعيم الأمة. وفقط اختيار رجل واحد لتقواه ونزاهته كان مقبولاً لديهم. خرجت هذه المجموعة عن الجماعة الرئيسية، ودعي أفرادها بالخوارج. فلجأوا إلى مناطق نائية، مثل الصحراء والدول الواقعة في أطراف العالم الإسلامي (العراق وشمال إفريقيا) حيث ناضلوا لإقامة مجتمع قائم على المساواة والعدالة.

واصل المسلمون السنّة، التيار السائد في الإسلام، غزو شمال إفريقيا بعد استيلاء قائدهم معاوية على الخلافة عام 661 وتأسيسه للسلالة الأموية الحاكمة. وقاد عقبة بن نافع الهجوم عام 662. ومع حلول عام 674، كان عقبة قد اجتاز الصحراء الليبية المقفرة ليؤسس قاعدة جديدة في مدينة القيروان، جنوب تونس الحالية. وتحولت مدينة القيروان، التي أصبحت العاصمة الإسلامية لشمال إفريقيا، تدريجياً من موقع عسكري إلى مركز للتعليم والحكم والتجارة. ومن القيروان، هاجم عقبة الأراضي الداخلية عبر الهضبة الوسطى، ووصل إلى ساحل المحيط الأطلسي عام 682.

1لم يلق تقدم عقبة معارضة من قبل المسيحيين الذين يسكنون المناطق الساحلية لأنهم لم يُرغموا على اعتناق الإسلام. كان القليل من البربر مسيحيين، ومع أن البعض كانوا يهوداً، إلا أن معظمهم كانوا إرواحيين. أُجبر الوثنيون على الخضوع، إلا أن المسلمين وجدوا صعوبة في كسر مقاومة الأمازيغ. وفي النهاية، اعتنق الأمازيغ الإسلام، إلا أنهم امتعضوا من وضعهم في المرتبة الثانية، وانفتحوا على تأثير حركات مخالفة، مثل الشيعة والخوارج.

دولة الخلافة العباسية ليبيا التاريخ
دولة الخلافة العباسية

اقتصرت سيطرة الأمويين من دمشق إلى حد بعيد على ساحل شمال إفريقيا، وفي وقت لاحق السلالة العباسية من بغداد.

في عشرينيات القرن الثامن، وصل دعاة الإباضية، فرع من الخوارج، إلى إقليم طرابلس واستقروا في جبل نفوسة. حصل هؤلاء الدعاة على دعم الزعامة الإباضية في العراق، وشكلوا إمامة محلية سيطرت على طرابلس عام 757 والقيروان عام 758.

عام 761، انتصر حاكم مصر العباسي على الإباضيين في مدينة تاورغاء. وطرد الحكام العباسيون في القيروان، من سلالة الأغالبة، والذين استقلوا فعلياً في أوائل القرن التاسع، الإباضيين نحو المناطق الداخلية حيث أسسوا إمامة في مدينة تيارت الجزائرية، والتي سيطرت على جبل نفوسة بشكل فعال إلى أن أطاح بهم الزعيم الأغالبي إبراهيم الثاني عام 897. وعلى الرغم من المحاولات قصيرة الأمد لتأسيس دول إباضية في إقليم طرابلس، إلا أنها تلاشت نهائياً في عهد الفاطميين في القرن الحادي عشر، انحصر الإباضيون في مجتمعات نائية في منطقة المزاب (الجزائر) وجربة (تونس) وجبل نفوسة.

في أواخر القرن التاسع، استوطن منطقة شمال إفريقيا جماعة مخالفة أخرى: الإسماعيليون الشيعة. نشأ الإسماعيليون في سوريا، حيث أعلن رجل اسمه عبيد الله أنه من سلالة الإمام إسماعيل المكتوم، من إسماعيل الإمام السابع الذي اختفى. وصل أحد دعاته، أبو عبد الله، إلى المغرب عام 893 وسرعان ما حصل على الدعم. عام 909، انتصر على آخر الحكام الأغالبة وتمكن من توفير الحماية لعبيد الله عندما هرب هذا الأخير إلى المغرب العربي وأعلن ذاته خليفة ورئيس سلالة جديدة: الفاطميين. كان الفاطميون الخلافة الشيعية الهامة الوحيدة في تاريخ الإسلام، وكانت تهدف في النهاية إلى غزو الشرق العربي. بُنيتْ عاصمة الخلافة الفاطمية، المهدية، في تونس على شبه جزيرة تطل على البحر المتوسط باتجاه الشرق. وفي النهاية، تمكن الفاطميون من غزو مصر عام 972 ونقلوا كرسي الخلافة إلى القاهرة. وسرعان ما بدأوا يفقدون سيطرتهم على المغرب العربي وبدأت السلالات المحلية تستعيد مكانتها. فسقطت طرابلس في يد سلالة الزيريين البربرية، التي تعود أصولهم إلى ما يُعرف اليوم بالجزائر. في السابق، خدمت هذه السلالة الفاطميين بإخلاص، وبعد انتقال كرسيهم إلى القاهرة، تم تعيينهم حكاماً على المغرب الأوسط، ولكن بعد حدوث انشقاق بينهم وبين فرع منهم في الجزائر، تركوا المذهب الشيعي الذي كان يعتنقه حكامهم الاسميون في منتصف القرن الحادي عشر وحكموا ما يُعرف اليوم بتونس وغرب ليبيا من القيروان. ويفترض أنهم كانوا موالين للخلافة العباسية في بغداد، ولكنهم في الواقع كانوا مستقلين، كما أنهم ازدهروا وعظموا لفترة قصيرة.

مع حلول منتصف القرن الحادي عشر، تعرضت منطقة شمال إفريقيا لأزمة اقتصادية واجتماعية. هاجرت قبيلتان كبيرتان من الشرق: بنو هلال وبنو سليم. ويعتقد أن الفاطميين أرسلوا هاتين القبيلتين إلى المغرب لإخضاع الزيريين وتدمير اقتصاد المنطقة. وهناك اعتقاد آخر سائد بأن الانهيار الاقتصادي كان ناجماً عن عوامل داخلية. أما النظرية الحديثة فتشير إلى أن نظرية الانهيار مبالغ فيها إلى حد كبير وأن مجيء بني هلال وبني سليم كان بعد فترة طويلة من التنقل. بدأت رحلة التنقل هذه من شبه الجزيرة العربية، الموطن الأصلي لهاتين القبيلتين، إلا أنهما تضررتا بزلزال شديد في الصحراء الشمالية الغربية عام 873، فانتقلتا إلى المنطقة الواقعة غرب نهر النيل وصولاً إلى المغرب.

دولة المراطوبن و الموحدون التاريخ ليبيا
دولة المراطوبن و الموحدون

مع ضعف حكم الزيريين، تدهورت الزراعة وتزايد عدم الاستقرار. وبعدما خسر الزيريون مدينة القيروان عام 1057، اقتصر حكمهم على الشريط الساحلي التونسي على أساس مدينة المهدية، عاصمة الفاطميين القديمة. بعد ذلك، غزت المنطقة قوتان خارجيتان: النورمانديون المسيحيون من جزيرة صقلية، الذين غزوا المدن الساحلية كافة بما في ذلك طرابلس في الفترة الممتدة ما بين 1146 و 1148؛ وسلالة الموحدين التي تأسست في مراكش فيما يُعرف اليوم بالمغرب. عام 1151، تحركت جيوش الموحدين شرقاً، فاحتلت مدينة الجزائر وقسنطينة وبجاية عام 1152. عام 1159، احتلوا مدينة تونس واستعادوا المهدية وصفاقس وطرابلس من النورمانديين. لم يكن ذلك تحريراً: تعامل عبد المؤمن مع المناطق الوسطى والشرقية في المغرب على أنها أراضٍ محتلة وفرض الضرائب عليها، وكأنها محتلة جديداً من قبل المسلمين.

لم يدم حكم الموحدين طويلاً: في أوائل القرن الثالث عشر، ضعف الموحدون بشكل متزايد مع انهيار القاعدة الضريبية وسلسلة الهزائم على يد جيوش مسيحية في إسبانيا. فانشق والي الموحدين في مدينة تونس وأسس سلالة حاكمة محلية عُرفت باسم الحفصيين الذن ادّعوا لأنفسهم الخلافة الإسلامية، مع أنها عندما كانت في أوجها لم تتخطَّ طرابلس في الشرق ووسط الجزائر في الغرب، كما ذاقت الهزيمة مرتين على يد المرينيين الذين حكموا المغرب بعد انهيار الموحدين. وفي اوائل القرن الخامس عشر، كان الحفصيون قد أعادوا بناء دولتهم، فازدهرت. ويعود ذلك إلى التجارة من جهة، وإلى القرصنة على السفن المسيحية من جهة أخرى. وفي النصف الثاني من القرن الخامس عشر، بلغ الحفصيون الذروة على الصعيد الاقتصادي مع وصول موجة من اللاجئين الذين هربوا من الاضطهاد في إسبانيا المسيحية، والذين شاركوا بقوة في الصناعة والتجارة والقرصنة البحرية.

لكن حتى الحفصيين لم يتجاوز نفوذهم المناطق الساحلية. ويختلف التاريخ السياسي لإقليم فزان كلياً. فمع أن عقبة بن نافع غزا الإقليم عام 666 أو 667، استغرق اندماجه في المحيط العربي وقتاً طويلاً. وفي أوائل القرن العاشر، خضع إقليم فزان إلى حكم مدينة زويلة التي أسسها بن خطاب الهواري الأمازيغي. ازدهر الإقليم كمركز لتجارة العبيد والزراعة المروية. وتُحمل سجلات الأحداث اللاحقة بني هلال وبني سليم مسؤولية انحدار زويلة.

في الفترة الممتدة بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر، خضع إقليم فزان لحكم ملوك كانيم الواقعة فيما يُعرف اليوم بتشاد ونيجيريا؛ غير أن الحروب بين كانيم وبرنو في أوائل القرن السادس عشر أتاحت للمجموعة القبلية المغربية، أولاد محمد، الاستيلاء على إقليم فزان وعاصمته مدينة مرزق.

في هذه المقالة: ليبيا | التاريخ