تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

معمر القذافي (1942 – 2011)

الزعيم الليبي معمّر القذافي
الزعيم الليبي معمّر القذافي يلقي خطاباً في جامعة القاهرة بمصر يوم 10 مارس 1999. AMR NABIL / AFP

حكم الزعيم الليبي السابق معمّر القذافي ليبيا بين عامي 1969 و2011، لتقوم بعد ذلك الميليشيات المسلحة باعتقاله وقتله في 20 أكتوبر 2011. وجاء اغتيال القذافي على خلفية انتفاضة شعبية ضد نظام حكمه الذي وصف بالقاتم والغامض وغير المتنبأ بأفعاله.

هذا الحدث جاء في وقتٍ كانت تعيش فيه دولٌ عربية مثل مصر وتونس وسوريا في خضم الانتفاضات الشعبية التي عرفت باسم “الربيع العربي”.

في التالي، يقدّم موقع فنك لمحة عن حياة القذافي، بزوغ نجمه السياسي، ونظامه السياسي ومصرعه في نهاية المطاف.

نشأته

لا يتحدر معمر محمد عبد السلام أبو منيار القذافي من خلفية نخبوية. ويقال إنه ولد 7 يونيو عام 1942 في خيمة في الصحراء بالقرب من سرت، من قبيلة القذاذفة. وبما أن العائلات البدوية غير المتعلمة لم تكن تحفظ تواريخ الميلاد بشكلٍ دقيق، فإننا نجهل التاريخ الدقيق لميلاد القذافي. وعندما بلغ العاشرة من عمره تقريباً (عام 1952)، دخل المدرسة الابتدائية في سرت، ثم انتقل إلى مدرسة إعدادية في سبها عام 1959. عام 1961، التحق بالمدرسة الثانوية في مصراتة. وعام 1963، دخل بعدها الأكاديمية العسكرية الملكية في بنغازي.

لاحقاً، تمت بلورة هذه الحقائق الأساسية بالتفصيل، ولأغراض دعائية جزئياً. وشددت سيرته الذاتية المعتمدة على ثلاثة أشياء: خلفيته الصحراوية؛ والنسب الوطني لأسرته؛ وإضفاء الطابع السياسي عليه في سن مبكرة. فكانت عائلة القذافي فقيرة، وكان أول من تعلم القراءة والكتابة فيها. وعندما كان في المدرسة الابتدائية كان يزور عائلته فقط في عطلة نهاية الأسبوع، وينام في المسجد خلال أيام الأسبوع.

وزعم معمر القذافي أن جده، عبد السلام أبو منيار القذافي، قُتل وهو يحارب الإيطاليين بالقرب من مدينة الخمس عام 1915. وعندما كان في المدرسة الإعدادية في سبها، تم طرده بسبب أنشطته السياسية؛ وفي المدرسة الثانوية  في سرت، قام بتنظيم مظاهرة ضد سوريا احتجاجاً على انهيار الوحدة مع مصر.

والأمر المؤكد هو أن بعض صداقاته المدرسية دامت طيلة حياته وقدمت نواة نهائية لمجلس قيادة الثورة. وتعرفت مجموعة أساسية على بعضها البعض من المدرسة الثانوية وحتى الابتدائية ومن الأكاديمية العسكرية في بنغازي، حيث شكلوا حركة الضباط الأحرار للتخطيط للإطاحة بالنظام الملكي.

والتقى القذافي بعبد السلام جلود، من قبيلة المغارة، في المدرسة في سبها، وأصبحوا أصدقاء مقربين؛ كان جالود أول نائب لرئيس لجنة التنسيق الإقليمي ثم أصبح فيما بعد وزير المالية ورئيس الوزراء؛ وأفيد بأن مصطفى الخروبي، وهو عضو آخر في المستقبل في لجنة التنسيق الإقليمي، هو أيضا زميل صبيحة. وكان صديق آخر من هذا الوقت هو محمد الزواي، الأمين العام الأخير لمؤتمر الشعب العام في ليبيا وبالتالي رئيس الدولة النظري من عام 2010 حتى عام 2011، ولكنه لم ينضم إلى الجيش أبدا، وبالتالي لم يكن ضابطا حرا أو عضوا في لجنة التنسيق الإقليمية.

في المدرسة الثانوية في مصراتة، التقى القذافي عمر ميهايشي، وهو عضو آخر في المستقبل في لجنة التنسيق الإقليمي. إلا أن معظم أعضاء المجلس في المستقبل جاءوا من الوقت الذي كان فيه القذافي في الأكاديمية العسكرية في بنغازي. وكان أبو بكر يونس جابر وزيراً للدفاع في المستقبل ورئيساً للجيش منذ عام 1970 وحتى الحرب الأهلية في عام 2011، وكان خويلدي حميدي وزيراً آخر.

“الثورة الجماهرية ”(1969 – 1977)

قائد انقلاب عام 1969 المقدم معمر القذافي
قائد انقلاب عام 1969 المقدم معمر القذافي

في 1 أيلول/سبتمبر عام 1969، استولى 12 ضابطاً في الجيش الليبي على السلطة في انقلاب أبيض. ولأن الانقلاب حدث في اليوم الأول أو “الفاتح” من شهر أيلول/سبتمبر، أصبح الانقلاب معروفاً بثورة الفاتح. وكان الضباط ناصريي الهوى، وهذا ما دفع مجلس قيادة الثورة الذي شكلوه لاتباع النهج الناصري. في البداية، كان مجلس قيادة الثورة هيئة وهمية: لم يتم الإعلان عن أسماء أعضائه حتى كانون الثاني/يناير عام 1970. عندئذ اتضح أن قائد هذا المجلس كان المقدّم معمر القذافي الذي تمت ترقيته إلى رتبة عقيد في اليوم الذي تلا الانقلاب. كان القذافي وباقي أعضاء مجلس قيادة الثورة من خلفيات غير نخبوية، فالكثير منهم من قبائل أدنى منزلة في المنطقة المحيطة بمدينة سرت.

في بلد الحس الوطني فيه ضعيف، كانت مرجعيات مجلس قيادة الثورة هي التي للقومية العربية الناصرية. وكانت سياسات المجلس موجهة نحو إجلاء القواعد العسكرية الأجنبية وإعادة تنظيم العلاقات مع شركات النفط وتحويل السلطة عن البيروقراطية القديمة. تم تأميم المصارف والمستشفيات والمؤسسات التجارية وشركات التأمين، كما أدى العداء لإسرائيل إلى ترحيل السكان اليهود المتبقين.

إلا أن النظام الجديد ذهب أبعد إلى أبعد مما قام به جمال عبد الناصر. تم تعريب المجتمع بالكامل – كان يُسمح فقط باللافتات المكتوبة باللغة العربية في الشوارع. لكن القذافي كان أكثر تعصباً للدين الإسلامي على المستوى الشخصي من جمال عبد الناصر، واستمر النظام بحظر رموز “الانحلال الأخلاقي الغربي”، مثل الكحول والدعارة والإباحية والكازينوهات والنوادي الليلية.

رغم أن حركة الضباط الأحرار قدّمت أعضاء مجلس قيادة الثورة، إلا أن القذافي حظي بدعم أكثر من المؤسسة العسكرية. وكان معظم مؤيدي القذافي من أصدقائه وأساتذته أيام الدراسة، الذين وفروا مخزوناً من الموظفين الذي شغلوا مناصب حكومية (مثل الدبلوماسيين والإداريين والأساتذة الجامعيين). وكلا الطرفين كانا أقل رسمية من مجلس قيادة الثورة واستمرا طيلة فترة حكم القذافي. استمر مجلس قيادة الثورة حتى آذار/مارس عام 1977، عندما تم إلغاؤه ودمجه في الأمانة العامة لمؤتمر الشعب العام الذي أصبح بمثابة هيئة تقود الثورة في آذار/مارس عام 1979.

بدأ مجلس قيادة الثورة يفقد أهميته تدريجياً لأن أعضاءه لم يكونوا على اتفاق دائم مع القذافي. حدثت محاولة الانقلاب الأولى في كانون الأول/ديسمبر عام 1969. لم يشارك في الانقلاب أعضاء مجلس قيادة الثورة بشكل مباشر، إلا أنهم سرعان ما بدأوا بالانفصال: غادر أربعة منهم بإرادتهم في فترة السبعينيات، وقتل أحدهم في حادث سيارة؛ وتم إعدام آخر لمحاولته تنظيم انقلاب.

YouTube video

على الرغم من التشديد على القومية العربية والإسلام، وجد الضباط الثوريون صعوبة في الحصول على دعم السكان. ونفروا الطبقة الوسطى بسياسة جديدة تربط بين النخب السياسية والجماهير، دون إشراك زعماء القبائل والقادة الدينيين التقليديين. وعام 1971 بهدف تعبئة السكان، قام مجلس قيادة الثورة بتأسيس الاتحاد الاشتراكي العربي باعتباره منظمة جماهيرية تحت سيطرته. وتم حظر أية أشكال أخرى للسياسة والإعلام والنقابات التجارية. لكن لم يتمتع الاتحاد الاشتراكي العربي (تيمناً باسم التنظيم السياسي الذي أسسه جمال عبد الناصر) بشعبية كبيرة ولم يستطع فرض مراسيم النظام الثورية الاقتصادية والاجتماعية. واتضح أن الحاكم الرئيسي هو القذافي.

وفي 15 نيسان/أبريل عام 1973، وفي خطابه الشهير الذي ألقاه في زوارة بعد فترة من التأمل في الصحراء، أعلن القذافي عن نظام سياسي جديد مصمم وفق المبادئ الثورية، تاركاً النموذج المصري. وبدلاً من ذلك، ستكون ثورة جماهيرية تعيد تشكيل هيكلية الدولة وفق النظرية العالمية الثالثة الجديدة المذكورة في الفصل الأول من الكتاب الأخضر الذي وضعه القذافي. قدمت هذه النظرية نهجاً جديداً لا رأسمالياً ولا شيوعياً، وإنما جمع النظريات الاشتراكية والإسلامية.

النظام السياسي

 العقيد معمر القذافي يلقي كلمة في السبعينات
العقيد معمر القذافي يلقي كلمة في السبعينات

الكتاب الأخضر

تألف الكتاب الأخضر من ثلاثة فصول. صدر الفصل الأول في أيلول/سبتمبر عام 1976 تحت عنوان “حل مشكلة الديمقراطية، سلطة الشعب”. وصدر الفصل الثاني عام 1977 تحت عنوان “حل المشكلة الاقتصادية – الاشتراكية”. وتضمن الفصل الثالث والأخير، صدر في حزيران/يونيو عام 1979، “الركن الاجتماعي للنظرية العالمية الثالثة”. قدم الفصل الأخير توجيهات في مجالات الرياضة والعلاقات بين الرجل والمرأة وشؤون الأسرة.

تمت فبركة الكثير من الروايات حول الكتاب الأخضر. وانتشرت شعارات الكتاب الأخضر، مثل “الاعتراف بالربح هو اعتراف بالاستغلال” و “شركاء لا أجراء” و “اللجان في كل مكان”، في كل أنحاء البلاد. وأخذ كل زائر إلى ليبيا نسخة عن الكتاب معه إلى بلاده. تمت ترجمة الكتاب إلى 84 لغة، حتى اللغة العبرية. وتولى المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر مهمة توزيع الكتاب وترويجه. وفُرض على طلاب المدارس حفظ الكتاب عن ظهر قلب. ومع ذلك، لم يكن الكتاب شعبياً، وصرف عدد كبير من الليبيين النظر عنه ضمنياً. وخلال السنوات العشر الأخيرة من عهد القذافي، كان عدد كبير من الليبيين يهزون أكتافهم عند سؤالهم عن الكتاب الأخضر. وكانوا يعتبرونه “كلاماً فارغاً”، قائلين إنه “لا فائدة منه”.

باختصار، اقترح القذافي رقابة شعبية للثورة من القاعدة، وذلك عن طريق إنشاء لجان شعبية في مؤسسات الدولة والحكومات المحلية والشركات التجارية والمدارس والجامعات. وفي النهاية، كان هناك أكثر من 2000 لجنة تقريباً.

من بين الشعارات الأخرى: “الديمقراطية الحقيقية لا تقوم إلا بوجود الشعب نفسه لا بوجود نواب عنه”. وفي أيلول/سبتمبر عام 1976، تم تأسيس هيئة جديدة عُرفت باسم “مؤتمر الشعب العام” لاستبدال مجلس قيادة الثورة ولتكون المنظمة الوطنية للجان الشعبية. أتاحت هذه الهيكلية للقذافي استبدال الكوادر التقليدية القائمة داخل القبائل بقادة جدد من الطبقات الاجتماعية الدنيا، كما أفسحت له المجال لعزل المئات من أعضاء المعارضة (شيوعيين وبعثيين وإخوان مسلمين).

في آذار/مارس عام 1977، أعلن القذافي قيام “سلطة الشعب”، وألغى ما تبقى من مجلس قيادة الثورة، وأعاد تسمية ليبيا لتصبح “الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى”، اللفظة العربية المستحدثة التي تجمع بين مفهومي “الجمهورية” و “الجماهير”. وأفضل ترجمة للفظة “جماهيرية” هي “دولة الجماهير”.

خطم البريد للقضافي
خطم البريد للقضافي. Photo Shutterstock

“الجماهيرية”

تم ترسيخ الجماهيرية في نظام خاص بليبيا تم تصميمه لتنفيذ النظرية العالمية الثالثة، كما هو محدد في الكتاب الأخضر الذي كان الفصل الأول منه “حل مشكلة الديمقراطية، سلطة الشعب”. فيه اقترح القذافي نظاماً للديمقراطية المباشرة ليحل مكان الهيكليات التقليدية الموجودة، مثل البرلمان والأحزاب السياسية والاستفتاءات. فالبرلمان شكل من أشكال الديكتاتورية لأن عملية التمثيل تجرد الشعب من السلطة من خلال التحدث باسمهم عوضاً عن منحهم فرصة التعبير عن رأيهم. والأحزاب السياسية أداة تستخدم لإبعاد الشعب عن السلطة، وبالتالي ينبغي إلغاؤها. والاستفتاءات تختزل القرارات في اقتراع بـ “نعم” أو “لا” لمرة واحدة. وبحسب الكتاب الأخضر، فإن الديمقراطية تتحقق فقط بإنشاء هيكلية تمثّل الشعب بدلاً من التصرف باسمه.

كانت الهيكلية التي وضعها القذافي لتجسيد نظريته هرمية من لجان ومؤتمرات شعبية: “تصبح الإدارة والرقابة شعبيتي الطابع، وينتهي التعريف الزائف للديمقراطية الذي يقول “الديمقراطية هي رقابة الشعب على الحكومة” ليحل محله التعريف الصحيح: “الديمقراطية هي رقابة الشعب على نفسه”.

تم تقسيم الشعب إلى “مؤتمرات شعبية أساسية”. انتخبت هذه المؤتمرات أمانة عامة لتشكيل لجنة شعبية على مستوى البلديات ولجان شعبية أخرى تولت الإشراف على المسائل العامة (مثل الطرق وأنظمة الصرف الصحي وأنظمة إمدادات المياه والعيادات العامة). كما انضم كل شخص راشد إلى مجموعة من العمال أو الاحترافيين: العمال والفلاحين والتجار والطلاب والحرفيين الذين كانوا أعضاء في نقابات تجارية ومنظمات احترافية.

بدورها، كانت اللجان الشعبية تنتخب “لجان الدولة”، والتي كانت بمثابة وزارات. وكانت السلطة العليا بيد مؤتمر الشعب العام الوطني المؤلف من مفوضين تم انتخابهم من قبل المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية ونقابات العمال والهيئات المهنية. كان مؤتمر الشعب العام يتألف من 1000 عضو تقريباً قاموا باختيار أمناء سر (على مستوى الوزراء) اللجنة الشعبية العامة التي اضطلعت بأعمال مجلس الوزراء. وكان لكل مجال سياسي لجنة خاصة به. وترأس مؤتمر الشعب العام أميناً عاماً بمثابة رئيس وزراء.

كان النظام يعاني من نواقص على الصعيدين النظري والعملي. ولم يتم الكشف أبداً عن العناصر التي تجعل من هذا النظام التفويضي مختلفاً عن النظام التمثيلي الذي يفترض بأنه حل محله. فقد كان من الصعب مناقشة مسائل دقيقة، مثل الدفاع والنفط والسياسة الخارجية.

سرعان ما أنتج النظام الجديد عدم مبالاة أو قرارات عارضها القذافي. وبغرض الحفاظ على الزخم، أعلن القذافي عام 1978 عن قيام سلطة ثورية منفصلة عن سلطة الشعب السياسية. اتخذت هذه السلطة شكل لجان ثورية تألفت من المتحمسين لسياساته. واستقال القذافي وباقي أعضاء مجلس قيادة الثورة من مؤتمر الشعب العام، حيث تركوه لإدارة الأعمال في حين تولت الهيكلية الثورية تطوير التعاليم الثورية والمحافظة عليها. كان يفترض باللجان الثورية تحفيز الوعي السياسي، لكن سرعان ما نمت لتصبح دولة داخل دولة حيث حلت المحاكم الثورية محل النظام القانوني القائم. ولم يعد هناك مساحة كبيرة للتعبير السياسي العلني، فوجد الكثيرون مخرجاً في اللجوء إلى المساجد والنشاط الديني (انظر سياسة ليبيا).

السياسة

دعم حركات التحرير

معمر القذافي مع ياسر عرفات
معمر القذافي مع ياسر عرفات، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية

يقول المثل العربي “خالِف تُعرَف”. وفي حالة القذافي، فقد تخطى ذلك عبادة شخصيته غريبة الأطوار في مركز نظامه إلى اعتماد سياسات دولية غير متوقعة.

ظاهرياً، شدد القذافي على بعض المواضيع المترابطة: معارضة إسرائيل؛ ودعم الثورات ضد الأنظمة المحافظة؛ ومعاداة الإمبريالية؛ والرغبة في تحقيق وحدة إقليمية.

ولكن الواقع كان أقل ترابطاً. ففي السبعينيات والثمانينيات، دعم عدداً كبيراً من حركات المعارضة والتمرد الأجنبية: الجيش الجمهوري الايرلندي؛ والمجموعات الفلسطينية؛ وحركة تحرير الصحراء “جبهة البوليساريو“؛ وجبهة تحرير مورو الفلبينية؛ والمسلمين الأمريكان ذوي البشرة السوداء. ولكن سرعان ما تخلى عن تلك القضايا عندما لم تعد مناسبة أو حدوث خلاف بينه وبين أحد قادتها: أدى توقيع عرفات لاتفاق أوسلو مع إسرائيل إلى طرد الفلسطينيين من ليبيا؛ كما أدى التوافق بين ليبيا والمغرب إلى طرد سكان الصحراء الغربية.

ووصف الرئيس الأمريكي ريغان القذافي بـ “الكلب المسعور” عندما قام بدعم الثوار اليساريين في أمريكا اللاتينية. قام ريغان بقطع العلاقات الدبلوماسية مع ليبيا بعد مرور أربعة أشهر على استلام منصبه وإسقاط طائرات ليبية في خليج سرت في آب/أغسطس عام 1981. عام 1982، فرض ريغان حظراً تجارياً على ليبيا. شمل هذا الحظر النفط، فانخفضت عائدات ليبيا إلى الثلث. وأدى تدخل القذافي في الحرب الأهلية في تشاد إلى احتلاله قطاع أوزو شمال تشاد، والذي يحتوي على اليورانيوم. وقبل قيام التشاديين بطرد القوات الليبية عام 1987، لقي 8000-10,000 جندي ليبي مصرعهم.

جهود الاتحاد الإفريقي

الزعيم الليبي معمر القذافي يتحدث خلال مؤتمر صحفي في 25 نوفمبر 1973
الزعيم الليبي معمر القذافي (وسط) يتحدث خلال مؤتمر صحفي في 25 نوفمبر 1973 في فندق هيلتون في باريس بعد لقاء مع الرئيس الفرنسي جورج بومبيدو لإجراء مناقشات. (Photo by – / AFP)

نظراً إلى ضعف الشعور بالهوية الوطنية في عهد القذافي ولأن القذافي والمقربين منه كانوا متحمسين للقومية العربية، حاول القذافي مرات عديدة إقامة

وحدة بين ليبيا ودول أخرى. فكان هناك وحدة نظرية قصيرة الأجل مع مصر وسوريا (عام 1971، اتحاد الجمهوريات العربية)؛ والسودان؛ وتونس (عام 1974، الجمهورية العربية الإسلامية)؛ والجزائر والمغرب وموريتانيا (عام 1989، اتحاد المغرب العربي، كتلة التجارة الحرة المخطط لها).

لم تأتِ جميع هذه المحاولات بثمار. فاعتمد القذافي سياسة ناشطة في دول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى: دعم عيدي أمين في أوغندا؛ وجان بيدل بوكاسا في إمبراطورية إفريقيا الوسطى؛ وحركات التحرير في زيمبابوي وأنغولا وموزمبيق وجنوب إفريقيا. وفي الثمانينيات، دعمت ليبيا قادة تمرّد: فوداي سنكوح قائد الجبهة الثورية المتحدة في سيراليون؛ وتشارلز تايلور قائد الجبهة الوطنية القومية في ليبيريا. تلقى تايلور وسنكوح تدريبات عسكرية في ليبيا ونجحا في إسقاط الحكومتين القائمتين في دولتيهما. وبشكل عام، حاول القذافي زيادة النفوذ الليبي في دول إفريقيا جنوب الصحراء من خلال الدعوة إلى الإسلام عن طريق جمعية الدعوة الإسلامية. وقدمت ليبيا مساعدات إنمائية إلى حكومات إفريقية لتحسين البنى التحتية والزراعة ومياه الشرب. كما تلقى طلاب أفارقة منحاً دراسية في ليبيا.

عام 2002، ساعد القذافي في تأسيس الاتحاد الإفريقي ليحل محل منظمة الوحدة الإفريقية. وبين العامين 2007-2009، عندما كان القذافي رئيساً للاتحاد، اقترح تأسيس الولايات المتحدة الإفريقية. وعام 2008، تم تتويج القذافي “ملك ملوك” إفريقيا في اجتماع ضم أكثر من 200 ملك وزعيم تقليدي إفريقي في بنغازي.

الأعمال الخارجية

لوكربي بعد تحطم الطائرة
لوكربي بعد تحطم الطائرة

بدأت اللجان الثورية بالتحرك في الخارج، فهاجمت فرق الموت المعارضة في أثينا وبون ولندن وميلانو وروما. وبلغت أعمال العنف ذروتها عام 1984 في السفارة الليبية في لندن: بينما كان منفيون ليبيون يتظاهرون خارج السفارة، قتلت رصاصة من داخل السفارة الشرطية البريطانية إيفون فلتشر.

عام 1986، اتهمت الولايات المتحدة ليبيا بالتورط في هجمات فلسطينية على مطاري روما وفيينا. وفي نيسان/أبريل عام 1986، عندما انفجرت قنبلة في نادٍ ليلي في برلين تسببت بإصابة 200 شخص وقتل اثنين، أرسل ريغان طائرات حربية أمريكية لشن هجوم على مراكز سكن القذافي في طرابلس وبنغازي إلى جانب المرافق العسكرية. وتسببت الغارات بقتل 130 شخص وجرح اثنين من أبناء القذافي، كما مقتل ابنة القذافي بالتبني.

انتهت فترة الثمانينيات بتفجير طائرة بان أميريكان، الرحلة رقم 103، فوق مدينة لوكربي الاسكتلندية عام 1988 وطائرة ركاب فرنسية تابعة لاتحاد النقل الجوي فوق النيجر عام 1989. لقي أكثر من 400 شخص مصرعهم في هذين الهجومين. وفي تشرين الثاني/نوفمبر عام 1991، اتهمت الحكومتان البريطانية والأمريكية شخصين ليبيين بتفجير لوكربي: عبد الباسط المقرحي وأحمد علي الأمين خليفة فحيمة. وطالب مجلس الأمن في الأمم المتحدة بتسليمهما. وكانت هذه بداية عقد من العزلة الدولية.

الإصلاحات مقابل تقييد الحريات

الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني أثناء المحاكمة في طرابلس
الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني أثناء المحاكمة في طرابلس

بينما أصبحت ليبيا معروفة عالمياً كدولة موالية للغرب، إلا أنها بقيت دولة قمعية إلى حد كبير. عام 1988، انتقد القذافي اللجان الثورية بسبب القمع وأصدر قوانين أتاحت حرية التعبير. إلا أنها كانت تغييرات شكلية. ففي التسعينيات، كان هناك عدة انتهاكات رفيعة المستوى لحقوق الإنسان: مجزرة سجن أبو سليم التي وقعت في طرابلس عام 1996 والتي قدرت منظمة هيومن رايتس ووتش أنها تسببت بمقتل 1270 سجين؛ والمحاكمة الملفقة للممرضات البلغاريات الخمس والطبيب الفلسطيني الذين كانوا يعملون في مستشفى عام واتهموا بتعمد إصابة 426 طفل بفيروس الإيدز عام 1999، والذين حُكم عليهم بالإعدام عام 2004 وأُطلق سراحهم عام 2007 بعد احتجاجات دبلوماسية أوروبية.

حدثت هاتان الحالتان الشهيرتان على خلفية استمرار سوء معاملة أشخاص، بشكل خاص أعضاء جماعات إسلامية، بمن فيهم الإخوان المسلمين. وثّقت منظمات دولية لحقوق الإنسان معلومات دقيقة عن المعاملة السيئة للمعتقلين، بما في ذلك التعذيب الشديد. وكان العمال المهاجرون ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان بشكل خاص.

كررت حكومة القذافي التزامها بحماية حقوق الإنسان في أوائل القرن الحادي والعشرين. فتم تأسيس جمعيتين لحقوق الإنسان: مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية (1998)، ومؤسسة القذافي للتنمية. ترأس سيف الإسلام القذافي هاتين المؤسستين، والذي حرص على الظهور بصورة المدافع عن الحريات. فقام برعاية زيارة هيومن رايتس ووتش إلى ليبيا، وتدخل في إطلاق سراح الممرضات البلغاريات، ودعا إلى إجراء تحقيق في مجزرة سجن أبو سليم. ولكن تبين أن ذلك كان جزءً من محاولة سيف الإسلام خلافة والده، وأن التغييرات الفعلية كانت قليلة.

العقوبات والعزلة الدولية (1992 -2004)

خلال القمة الأفريقية العربية الثانية في سرت، ليبيا، في 10 أكتوبر 2010.
خلال القمة الأفريقية العربية الثانية في سرت، ليبيا، في 10 أكتوبر 2010. من اليسار: زين العابدين بن علي (تونس)، علي عبد الله صالح (اليمن)، القذافي وحسني مبارك (مصر). Photo: AFP /KHALED DESOUKI

في نيسان/أبريل عام 1992، أعلنت الأمم المتحدة عن فرض عقوبات على ليبيا في حال عدم تسليم متهمَي لوكربي. لم يكن لذلك تأثير فوري لأن القذافي كان قد اتخذ تدابير وقائية لحماية احتياطاته النقدية، واستمرت ليبيا في تصدير النفط بوتيرة متزايدة. لكن ليبيا كانت تشهد اضطرابات داخلية متزايدة، خاصة في صفوف قبيلة بني وليد التي تم إعدام بعض أفرادها لضلوعهم في انقلاب مزعوم. فثارت أعمال شغب في مصراتة وطبرق عام 1993 ومحاولات قتل القذافي من قبل إسلاميين في 1995 و 1998.

تزامن بدء كسر الدعم الدولي للحظر في أواخر التسعينيات مع ظهور عامل جديد في السياسة الليبية: أولاد القذافي كلاعبين سياسيين. وأول من بلغ العشرين عاماً من أبنائه كان محمد ابن زوجة القذافي الأولى، وذلك عام 1990. وتلاه خمسة آخرون خلال السنوات السبع التالية.

عام 1998، وافقت ليبيا على محاكمة متهمَي لوكربي في دولة حيادية بموجب القانون الاسكتلندي. في المقابل، تم تعليق عقوبات الأمم المتحدة. بدأت المحاكمة في هولندا عام 2000. وعام 2001، أثبتت التهمة على المقرحي وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة في اسكتلندا، وحكمت المحكمة ببراءة فحيمة من التهمة. وبالتالي، انتشرت نظريات أخرى حول الهجوم متهمة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ومخابرات ألمانيا الشرقية. لكن محاكمة لوكربي كانت بداية لعملية إلغاء عزلة ليبيا.

بعد 11 أيلول/سبتمبر، كان القذافي من أوائل الزعماء العرب الذين أدانوا الهجوم على نيويورك وشدد على عدائه لأسامة بن لادن. وانضمت ليبيا إلى الحرب العالمية ضد الإرهاب. وبعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، اتخذ القذافي المزيد من التدابير للتعاون مع القوى الغربية، وذلك خوفاً من أن يصبح هو الهدف التالي ومدركاً الحاجة إلى رفع العقوبات الاقتصادية. عام 2003، اعترف القذافي بمسؤولية ليبيا عن تفجير لوكربي ووافق على دفع تعويضات لعائلات ضحايا لوكربي وطائرة اتحاد النقل الجوي. وبعد فترة قصيرة، تم رفع عقوبات الأمم المتحدة عن ليبيا. عام 2004، أعلن القذافي عن تراجعه عن برنامج أسلحة الدمار الشامل في ليبيا، فرفعت الولايات المتحدة الأمريكية معظم العقوبات الاقتصادية وأعادت العلاقات الدبلوماسية مع ليبيا.

الثورة ضد القذافي عام 2011

صورة تم التقاطها يوم 27 فبراير 2011 لمتظاهرين مناوئين للحكومة الليبية
صورة تم التقاطها يوم 27 فبراير 2011 لمتظاهرين مناوئين للحكومة الليبية وهم يلوحون بالعلم الوطني القديم بالتزامن مع رفع لافتات كتب عليها “مطلبنا الحرية” و”تحية لكل الأبطال في الميدان” وذلك في مظاهرة مناوئة للزعيم الليبي معمّر القذافي في مدينة الزاوية الغربية. المصدر: AFP PHOTO/STR.

اعتُقل الناشط الحقوقي والمحامي فتحي تربل، ممثل عائلات ضحايا مجزرة أبو سليم، في بنغازي في 15 شباط/فبراير عام 2011 بعد مرور أكثر من شهر على المظاهرات التي اندلعت في مدن بنغازي والبيضاء ودرنة الواقعة في إقليم برقة احتجاجاً على تفشي الفساد السياسي والتأخر في بناء الوحدات السكنية. أدى اعتقال تربل إلى إشتعال الثورة ضد القذافي. وفي نهاية كانون الثاني/يناير، ردت الحكومة بمبلغ 20 مليار يورو للاستثمار والتنمية المحلية. كما أطلقت سراح مجموعة من السجناء من أعضاء الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة على أمل تهدئة التوترات. ولكن في 1 شباط/فبراير تم اعتقال جمال الحاجي الناشط الحقوقي في بنغازي بعد أن دعا على شبكة الإنترنت إلى مظاهرات تطالب بحريات أكبر في ليبيا مستلهمة من الثورة التونسية والمصرية.

استمرت الدعوة إلى التمرد على الإنترنت، وبلغت ذروتها في دعوات إلى “يوم غضب” ضد النظام في 17 شباط/فبراير. انطلقت احتجاجات في إقليم برقة (بنغازي، أجدابيا، درنة، الزنتان، البيضاء) كما في الزنتان في منطقة جبل نفوسة في الغرب الذي يهيمن عليه الأمازيع. وتلتها ثورة مصراتة في 24 شباط/فبراير. تم قمع المظاهرات بشراسة، مما دفع بالمتظاهرين إلى استخدام العنف بدورهم. وفي 20 شباط/فبراير، ألقى سيف الإسلام القذافي خطاباً مطولاً أعلن فيه عن تغيير عرضه السابق بالليبرالية الإصلاحية إلى تأييد صريح للقمع الرجعي. استخدمت الحكومة الطائرات للهجوم على المتظاهرين؛ وتم سحق ثورة مصراتة عن طريق سلاح الجو.

في 26 شباط/ فبراير، أصدر مجلس الأمن في الأمم المتحدة القرار 1970 استناداً إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. فتم تجميد أصول عائلة القذافي ومنع سفر أي من أفراد العائلة. وتمت إحالة قضايا انتهاكات حقوق الإنسان إلى المحكمة الجنائية الدولية. في 27 شباط/ فبراير، شكل الثوار في بنغازي مجلساً وطنياً انتقالياً ليكون بمثابة “واجهة سياسية للثورة”، وفي 5 آذار/مارس أعلن المجلس أنه “الجهة الشرعية الوحيدة التي تمثل الشعب الليبي والدولة الليبية”. وتم تعيين محمود جبريل رئيس المكتب التنفيذي.

في 17 آذار/مارس، أصدر مجلس الأمن في الأمم المتحدة القرار رقم 1973 بفرض حظر جوي فوق ليبيا ويسمح بضربات جوية بقيادة حلف شمال الأطلسي لحماية المدنيين. مما وفّر تغطية للثوار الليبيين للاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي قبل صدّهم من قبل قوات القذافي ذات التسليح الأفضل. بالتالي، طلب الثوار من عدة دول غربية تزويدهم بالسلاح. وبدأت فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة بقصف جوي دعماً للثوار. أتاح هذا الدعم لقوات المجلس الوطني الانتقالي التقدم غرباً عبر ليبيا وثارت مجموعات أخرى في منطقة جبل نفوسة. كانت تلك المساعدات مفيدة لحماية مصراتة التي كانت تتعرض لحصار شديد بدأ في 20 آذار/مارس. وفي أواخر نيسان/أبريل، أشارت التقارير إلى مقتل حوالي 1000 شخص في المدينة وجرح 3000 تقريباً. ساهم الدعم الجوي لحلف شمال الأطلسي في حماية خط دعم بحري من جزيرة مالطا، وتمكن الثوار من رفع الحصار مع حلول منتصف أيار/مايو.

في 29 آذار/مارس، اعترفت الحكومات الأوروبية الرئيسية والولايات المتحدة الأمريكية ودول حليفة من الشرق الأوسط بالمجلس الوطني الانتقالي باعتباره الحكومة الشرعية في ليبيا.

YouTube video

بدأت المراحل النهائية من الحرب مع بدء قوات المجلس الوطني الانتقالي بهجوم على الساحل، فتمكنت من الاستيلاء على طرابلس في 21 آب/أغسطس. هرب القذافي والمقربون منه إلى سرت التي أعلنوها عاصمتهم الجديدة. كما هربت زوجته وثلاثة من أولاده إلى الجزائر. وفي النهاية، تمكنت ميليشيات موالية للمجلس الوطني الانتقالي من السيطرة على مدينة سرت في 20 تشرين الثاني/أكتوبر، وألقي القبض على القذافي وقُتل بوحشية في ذات اليوم.

في 23 تشرين الأول/أكتوبر، أعلن المجلس الوطني الانتقالي رسمياً، والذي كانت الأمم المتحدة قد اعترفت به على أنه الحكومة الشرعية في ليبيا، عن نهاية الحرب الليبية. مع ذلك، استمرت المقاومة في بعض المناطق، خاصة في مدينة بني وليد.