تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

ليبيا: المرحلة العثمانية الثانية وظهور السنوسي (1823 – 1859)

ليبيا المرحلة العثمانية
برج الساعة العثماني في طرابلسPhoto Shutterstock

استعاد العثمانيون سيطرتهم المباشرة على إقليم طرابلس وبرقة بعد عام 1835، وذلك عن طريق الاحتلال وفرض الضرائب وإدخال زعماء محليين في الحكومة الإقليمية. وتركزت المقاومة في الجبل الغربي في مصراتة، في قبيلتي ورفلة وترهونة، وفي إقليم فزان. في النهاية، تمكن العثمانيون من سحقها، إلا أن سيطرتهم المباشرة كانت تقتصر على المنطقة الساحلية المحيطة بمدينة طرابلس وشرقاً باتجاه مصراتة. قسّم العثمانيون المدن وحاولوا دمج زعماء العائلات الرئيسية في إدارتهم.

كان للسيطرة العثمانية على الساحل تأثيران: زادت نسبة تدفق رأس المال إلى الداخل، مما أدى إلى ازدهار التجارة ووضع أساسٍ لدولة بيروقراطية في إقليم طرابلس؛ كما كانت هناك حكومة محلية في طرابلس ومدن أخرى. كما نما التعليم الابتدائي والثانوي الرسميين والعناصر الأولية لنظام قانوني مدني، وتطوير بنية تحتية محدودة.

ومع نهاية القرن التاسع عشر، أصبحت طرابلس مدينة كبيرة يسكنها حوالي 30,000 نسمة، واستقر السكان الريفيون في المناطق النائية. وظهرت قاعدة طبقة مثقفة حديثة من نخبة الأسر القديمة.

كان نفوذ السلطات العثمانية أقل في إقليم برقة، الذي كان إقطاعية لأخوية السنوسي الصوفية. تأسست هذه الأخوية على يد السيد محمد بن علي السنوسي (1787 – 1859) في مكة عام 1837. دعا السنوسي إلى نهج وسط بين طرق الانخطاف والحدسية الصوفية من جهة وعقلانية علماء السنّة من جهة أخرى ورفض التعصب الديني وتعاطي المنبهات والاعتماد على الصدقات. كما شدد على فوائد العمل الشاق وضرورة كسب المرء رزقه بنفسه. وأصبحت الحركة غنية جداً من خلال السيطرة على تجارة القوافل عبر الصحراء الكبرى.

عام 1843، نقل السنوسي الكبير مقره إلى مدينة البيضاء في الجبل الأخضر في برقة بغية نشر تعاليمه ونقل الثقافة والعلوم الإسلامية إلى المناطق الريفية. تناسبت رسالته الداعية إلى الزهد والتقشف مع طبيعة حياة القبائل المحلية. عام 1855، نقل مقره مجدداً إلى الجغبوب، بالقرب من واحة سيوة المصرية والتي لا تزال تشكل جزءً من ليبيا الحالية.

اشتهرت الأخوية السنوسية كثيراً في فاس ودمشق والقسطنطينية والحجاز وحتى الهند. وعندما توفي السنوسي الكبير عام 1860، خلفه ابنه محمد المهدي. وكان نفوذ السنوسيين في برقة والصحراء أقوى من نفوذ الحكام العثمانيين الاعتباريين. وكانت هاتان المنطقتان بعيدتين، حيث لجأ السنوسيون بعيداً عن النفوذ العثماني. عام 1894، نقل ابن السنوسي الكبير، المهدي، مقره إلى الكفرة في أقصى الجنوب. انتشرت “الزوايا” المئة المحلية للسنوسية في الصحراء وعند حافتيها، وقامت ببعض المهام التي كان على الدولة المركزية القيام بها: التوسط في حل الخلافات؛ وتقديم المساعدات للفقراء؛ وتشجيع التجارة؛ والتصدي لاعتداءات جيوش القوى المسيحية. وعندما بدأ الفرنسيون تقدمهم عبر الصحراء الكبرى في أوائل القرن العشرين، نظمت السنوسية جهاداً لمقاومتهم.