فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / ليبيا / من الماضي الى الحاضر / معمر القذافي / “الثورة الجماهيرية”

“الثورة الجماهيرية”

العقيد معمر القذافي يلقي كلمة في السبعينات
العقيد معمر القذافي يلقي كلمة في السبعينات

رغم أن حركة الضباط الأحرار قدّمت أعضاء مجلس قيادة الثورة، إلا أن القذافي حظي بدعم أكثر من المؤسسة العسكرية. وكان معظم مؤيدي القذافي من أصدقائه وأساتذته أيام الدراسة، الذين وفروا مخزوناً من الموظفين الذي شغلوا مناصب حكومية (مثل الدبلوماسيين والإداريين والأساتذة الجامعيين). وكلا الطرفين كانا أقل رسمية من مجلس قيادة الثورة واستمرا طيلة فترة حكم القذافي. استمر مجلس قيادة الثورة حتى آذار/مارس عام 1977، عندما تم إلغاؤه ودمجه في الأمانة العامة لمؤتمر الشعب العام الذي أصبح بمثابة هيئة تقود الثورة في آذار/مارس عام 1979.

بدأ مجلس قيادة الثورة يفقد أهميته تدريجياً لأن أعضاءه لم يكونوا على اتفاق دائم مع القذافي. حدثت محاولة الانقلاب الأولى في كانون الأول/ديسمبر عام 1969. لم يشارك في الانقلاب أعضاء مجلس قيادة الثورة بشكل مباشر، إلا أنهم سرعان ما بدأوا بالانفصال: غادر أربعة منهم بإرادتهم في فترة السبعينيات، وقتل أحدهم في حادث سيارة؛ وتم إعدام آخر لمحاولته تنظيم انقلاب.

في الوقت ذاته، أدرك القذافي فشله في تعبئة الشعب. لم يحصل حزب الاتحاد الاشتراكي العربي، الحزب الناصري الوحيد الذي تأسس عام 1971، على دعم شعبي ولم يستطع فرض مراسيم النظام الثورية الاقتصادية والاجتماعية. وفي 15 نيسان/أبريل عام 1973، وفي خطابه الشهير الذي ألقاه في زوارة بعد فترة من التأمل في الصحراء، أعلن القذافي عن نظام سياسي جديد مصمم وفق المبادئ الثورية، تاركاً النموذج المصري. وبدلاً من ذلك، ستكون ثورة جماهيرية تعيد تشكيل هيكلية الدولة وفق النظرية العالمية الثالثة الجديدة المذكورة في الفصل الأول من الكتاب الأخضر الذي وضعه القذافي. قدمت هذه النظرية نهجاً جديداً لا رأسمالياً ولا شيوعياً، وإنما جمع النظريات الاشتراكية والإسلامية.

الكتاب الأخضر بالإنجليزية والروسية
الكتاب الأخضر بالإنجليزية والروسية

تألف الكتاب الأخضر من ثلاثة فصول. صدر الفصل الأول في أيلول/سبتمبر عام 1976 تحت عنوان “حل مشكلة الديمقراطية، سلطة الشعب”. وصدر الفصل الثاني عام 1977 تحت عنوان “حل المشكلة الاقتصادية – الاشتراكية”. وتضمن الفصل الثالث والأخير، صدر في حزيران/يونيو عام 1979، “الركن الاجتماعي للنظرية العالمية الثالثة”. قدم الفصل الأخير توجيهات في مجالات الرياضة والعلاقات بين الرجل والمرأة وشؤون الأسرة.

تمت فبركة الكثير من الروايات حول الكتاب الأخضر. وانتشرت شعارات الكتاب الأخضر، مثل “الاعتراف بالربح هو اعتراف بالاستغلال” و “شركاء لا أجراء” و “اللجان في كل مكان”، في كل أنحاء البلاد. وأخذ كل زائر إلى ليبيا نسخة عن الكتاب معه إلى بلاده. تمت ترجمة الكتاب إلى 84 لغة، حتى اللغة العبرية. وتولى المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر مهمة توزيع الكتاب وترويجه. وفُرض على طلاب المدارس حفظ الكتاب عن ظهر قلب. ومع ذلك، لم يكن الكتاب شعبياً، وصرف عدد كبير من الليبيين النظر عنه ضمنياً. وخلال السنوات العشر الأخيرة من عهد القذافي، كان عدد كبير من الليبيين يهزون أكتافهم عند سؤالهم عن الكتاب الأخضر. وكانوا يعتبرونه “كلاماً فارغاً”، قائلين إنه “لا فائدة منه”.

باختصار، اقترح القذافي رقابة شعبية للثورة من القاعدة، وذلك عن طريق إنشاء لجان شعبية في مؤسسات الدولة والحكومات المحلية والشركات التجارية والمدارس والجامعات. وفي النهاية، كان هناك أكثر من 2000 لجنة تقريباً.

من بين الشعارات الأخرى: “الديمقراطية الحقيقية لا تقوم إلا بوجود الشعب نفسه لا بوجود نواب عنه”. وفي أيلول/سبتمبر عام 1976، تم تأسيس هيئة جديدة عُرفت باسم “مؤتمر الشعب العام” لاستبدال مجلس قيادة الثورة ولتكون المنظمة الوطنية للجان الشعبية. أتاحت هذه الهيكلية للقذافي استبدال الكوادر التقليدية القائمة داخل القبائل بقادة جدد من الطبقات الاجتماعية الدنيا، كما أفسحت له المجال لعزل المئات من أعضاء المعارضة (شيوعيين وبعثيين وإخوان مسلمين).

في آذار/مارس عام 1977، أعلن القذافي قيام “سلطة الشعب”، وألغى ما تبقى من مجلس قيادة الثورة، وأعاد تسمية ليبيا لتصبح “الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى”، اللفظة العربية المستحدثة التي تجمع بين مفهومي “الجمهورية” و “الجماهير”. وأفضل ترجمة للفظة “جماهيرية” هي “دولة الجماهير”.

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.