فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / مسؤولية أكبر تقع على عاتق وسائل الإعلام الغربي للتمييز بين الإسلام والإرهاب الإسلاموي

مسؤولية أكبر تقع على عاتق وسائل الإعلام الغربي للتمييز بين الإسلام والإرهاب الإسلاموي

Translation- France attack
أشخاص يضيئون الشموع في ساحة “بلاس دو لا ريبوبليك” بالعاصمة الفرنسية باريس في أعقاب مقتل كاهن في مدينة سانت إيتيان دو روفراي في أحد الهجمات التي قام تنظيم “الدولة الإسلامية” بشنها على الأهداف الغربية يوم ٢٦ يوليو ٢٠١٦. المصدر: AFP.

نشر موقع “The Conversation” مقالة سلطت الضوء على دور الإعلام في تعزيز حالة الالتباس بين مفهومي الإسلام والإسلاموية. ويقوم حليم راني، الأستاذ المساعد في جامعة غريفيث الأسترالية، وأودري كوتري، المرشحة للحصول على شهادة الدكتوراه من كلية العلوم الإنسانية واللغات والعلوم الاجتماعية التابعة لنفس الجامعة، باستعراض الأثر الذي يحمله هذا اللبس في دعم أجندات التنظيمات الإسلاموية، لا سيما تنظيمي “القاعدة” و”الدولة الإسلامية”.

وبات الإسلام الشغل الشاغل للنقاشات الدائرة حول التماسك الاجتماعي والأمن الوطني في أستراليا عقب شن هجمات الحادي عشر من سبتمبر على الولايات المتحدة الأمريكية في عام ٢٠٠١.

ودارت النقاشات بشكلٍ علني حول فرض القيود على هجرة المسلمين – وكان آخرها ما ذكره السيناتور فريزر آنينغ في خطابه الأول أمام البرلمان الأسترالي – حيث يعتقد الكثيرون أن تنفيذ هجوم إرهابي آخر باسم “الإسلام” سيكون أمراً حتمياً.

ويرى صاحبا المقالة أن الواقع الذي نعيشه يشير إلى ما يلعبه الإعلام من دورٍ أساسي في تعريف مواطني الدول الغربية بصفةٍ عامة وأستراليا بصفةٍ خاصة بالإسلام وفي التأثير على كيفية تعاملهم معه. وقد يؤدي الفهم القاصر والمحدود للإسلام والخوف من استعداء المسلمين بشكلٍ كبير إلى غياب نقطة أساسية عن الأذهان ألا وهي أن تهديد الإرهاب لا ينبع عن الإسلام، بل عن “الإسلاموية” وهي عقيدة سياسية.

وقد يبدو المصطلحان متشابهين إلى حدٍّ كبير، إلا أن الإسلام و”الإسلاموية” لا يعبران عن الشيء نفسه، فالإسلام هو العقيدة التي يعتنقها ما يزيد عن ١.٦ مليار شخص في هذا العالم، أما “الإسلاموية” فهي العقيدة السياسية لمجموعات صغيرة نسبياً تقترض المفاهيم المماثلة للشريعة والجهاد من الإسلام وتعيد تفسير هذه المفاهيم لتضفي صبغة الشرعية على أهدافها السياسية.

كيف تقوم وسائل الإعلام بإضفاء الشرعية على أهداف الإرهابيين

يرى راني وكوتري أن الجماعات الإسلاموية المماثلة لتنظيم “القاعدة” وتنظيم “الدولة الإسلامية” تقوم باستخدام العنف في مواجهة غير المسلمين لبناء مؤسسة سياسية وهي دولة “الخلافة”، وهي تعتمد في ذلك على قانون الشريعة الإسلامية – علماً بأن هذين المفهومين، بحسب صاحبي المقالة، ليس لهما أساس في القرآن أو الحديث “الأحاديث النبوية الإسلامية”.

ويعود الفضل في جزءٍ من جاذبية تنظيم “الدولة الإسلامية” إلى قدرته الخفية على استخدام التعاليم الإسلامية بصورة انتقائية وإعادة صياغتها في قوالب تبدو كالتزاماتٍ دينية مشروعة.

واستولى الإسلامويون بصفةٍ خاصة على مفهوم الجهاد لتشريع شن “حرب مقدّسة” هجومية على غير المسلمين. وتجدر الإشارة إلى أن الدراسات التي تناولت التعاليم القرآنية المرتبطة بالحرب والسلم ترفض الاستكانة إلى مثل هذا التفسير لمفهوم الجهاد.

وتحظر التعاليم الإسلامية، على سبيل المثال، الإرهاب واستخدام العنف ضد المدنيين. كما أن قادة وعلماء المسلمين في جميع أنحاء العالم أدانوا الإرهاب بصورةٍ متكررة، مصدرين في الوقت نفسه الفتاوى “الأحكام القانونية الإسلامية” المتعلقة بهذا الصدد.

ويرى صاحبا المقالة أن وسائل الإعلام الغربية تعزّز من الصلة المتصورة بين الإسلام والإرهاب عبر ما تنشره من تقارير حول هذا التفسير المضلّل لمفهوم الجهاد وعدم نشرها للأخبار الواردة عن الإدانات الإسلامية بالصورة المطلوبة.

ويقوم خبراء الإعلام في بعض الحالات ببناء هذه الصلة بطريقةٍ صريحة، معتمدين في ذلك إشارة الإرهابيين بصورةٍ خاصة إلى أن “الإسلام” هو أساس ما يقومون به من أعمال.

ويضفي القبول غير النقدي لما يطرحه الإرهابيون من مزاعم وما يتم القيام به من تشويه لصورة الإسلام بمزيدٍ من الشرعية على الأجندة الإسلاموية بالتزامن مع دعمها.

وبعبارةٍ أخرى، تلعب وسائل الإعلام في صالح الإرهابيين عبر السماح لهم بأن يصبحوا ممثلين عن الإسلام والمسلمين بصفةٍ عامة.

أداة التجنيد الخاصة بتنظيم “الدولة الإسلامية”

Translation- Sinai attack
جنود مصريون يحملون كفن جندي لقي مصرعه في شبه جزيرة سيناء على يد تنظيم “الدولة الإسلامية”، وذلك أثناء تشييعه في مدينة العاشر من رمضان على بعد ٦٠ كم شمال العاصمة المصرية القاهرة يوم ٨ يوليو ٢٠١٧. المصدر: AFP.

يرى صاحبا المقالة أن نشر الاعتقاد بوجود حربٍ حضارية بين الإسلام والغرب يصب في المصالح الاستراتيجية للإرهابيين الإسلامويين.

ونشر تنظيم “الدولة الإسلامية” في مجلته الإلكترونية في فبراير من عام ٢٠١٥، أن: “المسلمين في الغرب سيجدون أنفسهم قريباً بين خيارين”.

وأوضح التنظيم أنه سيتم التعامل مع مسلمي الغرب بمستوياتٍ أعلى من الشك وانعدام الثقة عندما يلوح خطر وقوع المزيد من الهجمات الإرهابية، وهو ما سيجبرهم على: “إما الارتداد (عن الإسلام) أو الهجرة إلى الدولة الإسلامية ليهربوا بذلك من اضطهاد الحكومات والمواطنين الصليبيين”.

وتلعب استراتيجية “فرق تسد” التي يتبعها تنظيم “الدولة الإسلامية” دوراً حاسماً في قدرته على تجديد صفوفه من المقاتلين الأجانب. ويقوم التنظيم باستهداف مسلمي الغرب الساخطين والمهمشين، مستخدماً في الوقت نفسه رواية “إسلاموية” تقدم وعوداً بالإخاء والأمن والانتماء.

في المقابل، تعمل وسائل الإعلام الغربية بشكلٍ غير مباشر على دعم مصالح التنظيم عبر تكرار الربط بين المجتمعات المسلمة والإرهاب وفشلها في التمييز بين العقيدة الإسلامية والأيديولوجية “الإسلاموية” السياسية.

وعلى سبيل المثال، فقد حذّرت صحيفة “ذا دايلي ميل” عندما وصلت الموجة الأولى من اللاجئين السوريين إلى المملكة المتحدة في عام ٢٠١٥ من “التهديد المميت لعدو بريطانيا الموجود في الداخل” وربطت اللاجئين بتهديد “الإرهابيين المسلمين”.

وفي خضم حصار سيدني في عام ٢٠١٤، قامت صحيفة “ذا ديلي تلغراف” قبل الأوان بربط محتجز الرهائن المسلم الذي كان مسلحاً بتنظيم “الدولة الإسلامية”، وهو ادعاءٌ نفاه فيما بعد خبراء مكافحة الإرهاب.

تأثير الأخبار الطائشة

يرى راني وكوتري أن هذا النوع من التغطية الإعلامية المفرطة في التبسيط والإثارة يخدم هدف تنظيم “الدولة الإسلامية” الرامي إلى تأليب المسلمين وغير المسلمين ضد بعضهم البعض.

وكما أكدت دراسة أجرتها جامعة فيينا في عام ٢٠١٧، فإن التغطية الإعلامية التي لا تميز بشكلٍ صريح بين المسلمين والإرهابيين الإسلامويين تغذي المواقف العدائية تجاه السكان المسلمين بصفةٍ عامة.

ومع تزايد الوعي بأثر هذا النوع من الأخبار والتقارير، فقد حاولت بعض المنافذ الإعلامية المماثلة لقناة “سي إن إن” التمييز بين “الإسلام المعتدل” و”الإسلام المتطرف”، وبين “الإسلام” و”التطرف الإسلامي”. إلا أن هذا الأمر يحمل في جنباته تضليلاً إضافياً لأنه يركز على الدوافع الدينية المفترضة ويتجاهل الدور الأساسي للأيديولوجية السياسية الإسلاموية.

وكشفت دراسة استطلاعية أجراها مركز مكافحة الإرهاب وتناولت حوالي ١٢٠٠ من المقاتلين الأجانب أن ما يزيد عن ٨٥٪ من هؤلاء لم يتلقوا أي تعليم ديني ولم يكونوا من الملتزمين الصارمين بالإسلام طيلة حياتهم. وبحسب الدراسة، فإن تنظيم “الدولة الإسلامية” قد يفضل مثل هذا النوع من المجندين لأنهم: “أقل قدرة على التدقيق في الرواية والعقيدة الجهادية بطريقةٍ نقدية”.

وقد تحاول “الإسلاموية” التنكر وارتداء رداء الدين، إلا أنها في واقع الأمر أحد المصطلحات التي ظهرت في مرحلة ما بعد الاستعمار للتعبير عن المظالم السياسية أكثر من كونها أحد تعاليم النبي محمد (ص). وفي الوقت الذي تعبر فيه أجندات الإرهابيين الإسلامويين عن تأسيس دولة الخلافة أو النظام القائم على الشريعة الإسلامية، فإن هذا الأمر لا يشكّل فرضاً دينياً يتوجب على المسلمين الالتزام به.

ولا يعد هذا الكلام بمثابة اعتداء على الإسلام إذا ما قاله غير المسلمين.

صواب سياسي أو مناقشة أكثر دقة؟

في محاولةٍ لنزع غطاء الشرعية عن تنظيم “الدولة الإسلامية”، فقد نصحت بعض الحكومات المنافذ الإعلامية في المملكة المتحدة وفرنسا باستخدام اختصار “داعش” للإشارة إلى التنظيم، وهو ما لا تقوم هذه المنافذ بتنفيذه على الدوام.

كما تبنى مالكولم تيرنبول مصطلح “الإرهاب الإسلاموي” للتمييز بين أولئك الذين يلتزمون بالعقيدة الإسلاموية وبين مجتمعات المسلمين.

إلا أن بعض السياسيين المماثلين للرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواصلون طمس القدرة على التمييز باستخدام مصطلحات مماثلة لمصطلح “الإرهاب الإسلامي المتطرف” عوضاً عن ذلك.

ويرى بعض النقاد أن “صوابنا السياسي” يمنعنا من التعامل من المشكلة قبل وقوعها.

ويرى صاحبا المقالة أن الذين يعيدون المشكلة إلى الإسلام على خطأ، وهو ما يستلزم القدرة على إجراء حوار بناء حول المفاهيم الأساسية للإسلام، بما في ذلك مناقشة إذا ما كان تأسيس دولة “الخلافة” أو ارتكاب العنف ضد غير المسلمين من الالتزامات الدينية أو تحظى فعلاً بالشرعية في الإسلام.

ويختم راني وكوتري مقالتهما بالتالي: “نظراً لما تحمله المخاوف المتعلقة بالإسلام من تأثير على مجتمعنا، فإننا أمام التزام أخلاقي يفرض علينا التمييز بين الإسلام والإسلاموية – أو على الأقل تقديم فكرٍ يواجه المنظور الإسلاموي”.

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.

  • مستقبل نظام السيسي بين الديكتاتورية التنموية والانهيار السريع وتشكيل نسخة مستحدثة من نظام مبارك

    قد يبدو سيناريو النظام الديكتاتوري التنموي هو الأكثر منطقية، إلا أن رول وميهي يرجحان تحقّق السيناريو الثاني أو الثالث. ويشير صاحبا المقالة إلى ارتباط هذين السيناريوهين بمخاطر وتكاليف عالية ستتحملها ألمانيا والاتحاد الأوروبي. ويكمن الشرط الأساسي لحدوث سيناريو "مبارك الجديد" في تقديم مساعداتٍ مالية كبيرة ودائمة، وهو ما سيكون على حساب الميزانيات الوطنية الأوروبية بصفةٍ أساسية، ناهيك عن القبول بتدهورٍ أكبر على مستوى حقوق الإنسان. وفي مثل هذا السياق، فإن حالة التردي الاجتماعي والاقتصادي التي تعايشها مصر ستتباطأ في أفضل الاحتمالات. ومن المرجح أن يزداد ضغط الهجرة وميل الشباب المصري نحو التطرف.
  • الولايات المتحدة الأمريكية في خضم حربٍ اقتصادية تلحق الأذى بالأبرياء في إيران

    إن ألم العقوبات سيجبر الشعب على الانتفاض والإطاحة بقادته. وهو تصورٌ ساذج ويدعو للسخرية بالقدر ذاته. وتظهر المنهجية الأمريكية في التعامل مع إيران مدى الاعتماد على نظريةٍ فقدت مصداقيتها منذ زمنٍ طويل وترى أن السكان الخاضعين للعقوبة سيوجّهون إحباطهم وغضبهم تجاه زعمائهم وسيطالبون بتغيير السياسة أو تغيير النظام. إلا ان العقوبات لم تنجح في تحقيق هذه النتيجة قط.
  • لماذا لن يترك إردوغان إسطنبول تفلت من يديه

    ويشير هذا النوع من اللغة الخطابية إلى إمكانية استخدام الرئيس التركي لما يتمتع به من سيطرة على المحاكم التركية ووسائل الإعلام وهيئات مراقبة الانتخابات وغيرها من المؤسسات لاستهداف أعضاء المعارضة وكوادر الحملة الانتخابية، بل وحتى إمام أوغلو نفسه باعتباره “مجرماً”.