تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

المغرب: زحف القوى الأوروبية في القرن التاسع عشر

المغرب: زحف القوى الأوروبية
ذكريات المغرب (1891). غونزالو بلباو مارتينيز. المتحف الوطني للفنون في كاتالونيا. by Antonio Ventaja is licensed under CC BY-NC-ND 2.0

عندما اجتاحت فرنسا الجزائر عام 1830، اضطر السلطان عبد الرحمن أن يلتزم أخلاقياً بمساعدة إخوانه المسلمين المكروبين لتجنب النزاع مع الفرنسيين. ولم يتمكن جيشه المحطم الذي يتألف من مجندين قبليين غير موثوقين وما تبقى من جيش عبيد البخاري التابع للسلطان إسماعيل من مواجهة القوات الأوروبية. لذلك حاول عبد الرحمن تجنب النزاع مع فرنسا، على الرغم من أن الشعب الجزائري وفئة كبيرة من شعبه طالبوه بالقتال. وكان عبد القادر ابن محي الدين، شيخ الطريقة الصوفية القادرية وقائد المقاومة في غرب الجزائر، نجح في محاربة الفرنسيين، حتى أنه أسس دولةً صغيرة في مدينة “معسكر” إلى أن أجبر على الفرار عبر الحدود المغربية عام 1842. لم يستطع عبد الرحمن منعه من استخدام الأراضي المغربية كقاعدة له، وفي تموز/يوليو وآب/أغسطس عام 1844، انتقمت فرنسا باحتلال “وجدة” وقصف الموانئ الساحلية. وأخيراً تمكن الجيش الفرنسي من هزيمة الجيش المغربي في وادي إسلي على الحدود الجزائرية، وسعى عبد الرحمن إلى إرساء السلام.

كانت معاهدة طنجة متساهلة – أصرّت فقط على رسم الحدود بالحق – غير أن الهزيمة في إسلي أضعفت سلطة السلطان وأفقدته شرعيته بين المغاربة. لذلك، بدأ بإصلاحات عسكرية وأسس جيشاً على الطريقة الأوروبية، والذي أثبت عدم جدارته في مواجهة عبد القادر، ناهيك عن فرنسا. ولم يكن أداؤه أفضل في 1859 و 1860 عندما أدت الحرب ضد إسبانيا إلى احتلال القوات الإسبانية لتطوان. وهذه المرة، كانت معاهدة رأس الواد مرهقة: فقد نصت على توسيع حدود سبتة ومليلية، والتنازل عن سانتا كروز دي لامار بيكينيا إلى إسبانيا، وفرضت تعويضات مالية كبيرة. واصل خليفة عبد الرحمن، محمد الرابع (1859-1873)، ومن بعده الحسن الأول (1873-1894)، بناء الجيش وتسليحه بشكل رئيسي بأسلحة فرنسية وبريطانية. تم تدريب الجيش على يد مغتربين فرنسيين وبريطانيين، مثل القائد المتميز السير هاري ماكلين. وكانت التكاليف مرتفعة. كان عبد الرحمن يشجع على التجارة الخارجية. فبنى المزيد من الموانئ للتجارة، وارتفعت صادرات الحبوب والصوف والجلود والشمع واللبان بشكل كبير، وذلك بدعم من ممثلين دبلوماسيين من أوروبا وأمريكا. وفي كانون الأول/ديسمبر عام 1856، أجرت بريطانيا مفاوضات بشأن معاهدة تجارية فتحت الأسواق المغربية، وسارت على خطاها حكومات أوروبية أخرى، غير أن البريطانيين هيمنوا على التجارة الخارجية حتى العقد الأخير من القرن التاسع عشر مع زيادة منافسة الشركات الألمانية والفرنسية.

أدت زيادة حركة التبادل التجاري إلى تغييرات جذرية في المغرب. تسبب ارتفاع واردات السلع المصنعة بتراجع الصناعة التقليدية الحرفية في المغرب، باستثناء السجاد الذي لاقى رواجاً في سوق الطبقة الوسطى الأوروبية. وشكلت واردات الشاي والسكر نسبة 25% من إجمالي الواردات. كما بدأ سكان المغرب بالانتقال إلى مدن الموانئ الواقعة على سواحل المحيط الأطلسي بعيداً عن المدن القديمة في الداخل؛ ونمت الدار البيضاء من قرية إلى أكبر ميناء في المغرب. وكانت النخبة الحكومية متحدرة من عائلات كانت تجني أرباحاً من التجارة؛ وحظي التجار المحليون بحماية البعثات الدبلوماسية الأوروبية، مما مكّنهم من الحصول على إعفاء من المحاكم والضرائب المغربية؛ الأمر الذي ساهم في إضعاف السيادة المغربية.

كانت الامتيازات الأجنبية عبارة عن نظام معاهدات بين دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط التي ظهر في أوائل العصر الحديث. كان الهدف الرئيسي من هذه المعاهدات التشجيع على تجارة يستفيد منها الطرفان. ونصت على وجوب منح التجار الأوروبيين في الأراضي الإسلامية صفة “مغتربين” في جميع المسائل التجارية وبعض المسائل الجنائية، مع منح الولاية القضائية للقناصل الأوروبيين المعنيين. ومع حلول القرن التاسع عشر، أصبحت هذه المعاهدات ذريعة للسكان الأوروبيين في المغرب (وغيرها من دول الشرق الأوسط) للتنصل من الولاية السياسية والضرائب المحلية. ومع امتداد هذه الامتيازات إلى الشركاء المحليين لهؤلاء التجار الأوروبيين، ازداد التأثير الأوروبي في المغرب بشكل كبير. اعتبرت هذه الامتيازات عنصراً هاماً في خراب السيادة المغربية على يد أوروبا. فتم إلغاء معظم المعاهدات التي تنص على الامتيازات بعد الحماية، غير أن بريطانيا لم تتخلَ عنها إلا عام 1937.

اعتبر العلماء أن هذه التغييرات مخالفة للدين، مما عرضهم لخسائر مالية. ووافقهم الرأي شريحة كبيرة من السكان: شهدت بعض المدن ثورات، وأُعلن الجهاد ضد الأوروبيين، خاصة في المناطق المجاورة لمليلية في 1893 و 1909. أدى ذلك إلى فرض المزيد من العقوبات المالية على الحكومة، مما زاد من عبء ديونها.

قامت الحكومات الأوروبية بمحاولات عديدة لحل الأزمة المتنامية بشكل سريع عن طريق المفاوضات، فأقامت سلسلة من المؤتمرات الدولية غير المثمرة. استمرت الانتهاكات الأوروبية، ليس فقط في المدن وإنما أيضاً في المناطق النائية، خاصة عند حدود الصحراء الكبرى التي حاول الحسن الأول بسط نفوذه فيها في مواجهة الانتهاكات الأوروبية. عام 1879، قام تجار بريطانيون مغامرون بتأسيس مصنع في طرفاية، وعام 1887 أنشأت إسبانيا موقعاً عسكرياً في فيلا سيسنيروس (الداخلة الحالية) في جنوب الأراضي التي باتت تعرف بريو دي أورو (وادي الذهب) والساقية الحمراء، والتي أصبحت لاحقاً مستعمرة الصحراء الإسبانية. أرسل السلطان بعثات عسكرية إلى الجنوب في العقدين التاسع والعاشر من القرن التاسع عشر لتحصيل الضرائب وفرض الولاء بين القبائل، كما عيّن حاكماً عليهم الشيخ محمد مصطفى ماء العينين الذي يتحدر من عائلة متدينة عريقة في المنطقة التي تعرف الآن بموريتانيا. وقدم السلطان عبد العزيز العون المالي للمركز الديني الجديد والكبير في السمارة الذي أنشأه ماء العينين في السمارة. وفي جبال الأطلس جنوب مراكش، اعتمد الحسن الأول على زعماء محليين، خاصة أفراد عائلة الكلاوي الذين صار لهم نفوذ كبير في عهد الحماية.

توفي الحسن الأول عام 1894 بعد أن ضمَن انتقال العرش إلى ابنه عبد العزيز الذي لم يكن عمره يتخطى 12 أو 13 عاماً. أصبح حاجب الملك “باحماد” الوصي على العرش، ولكنه واجه معارضة من عدد من إخوة السلطان الصغير. كان نظام “باحماد” ضعيفاً جداً لمعالجة جميع المشاكل، وتنامى التدخل الأوروبي بسرعة. وانقلبت موازين التجارة ضد المغرب، وبدأ القناصل الأوروبيون بممارسة سلطة شبه سياسية، خاصة في العاصمة الدبلوماسية طنجة التي تحولت إلى جيب أوروبي للسياح والمهاجرين.

عام 1900، توفي “باحماد”، وتولى السلطان الصغير زمام الأمور. وفي ذات العام، احتل الجيش الفرنسي واحة طواط في أقصى الجنوب الشرقي، واستحوذ على أراضٍ مغربية لصالح الجزائر؛ فأفلست المغرب جزئياً بسبب الإصلاحات المستلهمة من أوروبا التي كانت تهدف ظاهرياً إلى منع حدوث ذلك. شملت هذه الإصلاحات بناء بنية تحتية كانت مكلفة للغاية، واعتماد نظام ضرائب لدفع تكاليفها، غير أنها لم تحقق أية إيرادات. وبالتالي، وقعت موارد المغرب المالية في أيدٍ أجنبية نتيجة الهيمنة الأوروبية على التجارة وازداد عبء الديون. فتحركت القوات الفرنسية إلى الداخل من الصحراء الكبرى. عام 1904، وبموجب الاتفاق الودي بين بريطانيا وفرنسا وروسيا، انتقل التفوق البريطاني في مصر إلى الفرنسيين في المغرب. وحصلت الحكومة الإسبانية على وعد بحماية مصالحها؛ ولم تعارض سوى ألمانيا التي أصرت على عقد مؤتمر دولي للتوصل إلى حل بشأن المسألة المغربية.

تم التوقيع على الوثيقة الختامية لمؤتمر الجزيرة الخضراء عام 1906 من قبل وزراء خارجية أوروبا والولايات المتحدة. وعلى الرغم من الوعود التي نصّت عليها الوثيقة بشأن الحفاظ على سيادة المغرب وسلامة أراضيه، إلا أنها أخضعت إدارة المغرب وجماركه ومصرفه المركزي وقوات الشرطة للسيطرة الأوروبية.

لاقى عبد العزيز معارضة كبيرة في مختلف أنحاء المغرب، بالإضافة إلى عداوة عدد كبير من العلماء. وكانت الأوضاع متوترة في المدن الساحلية، خاصة الدار البيضاء. وفي حزيران/يونيو عام 1907، تعرض مهندسون فرنسيون كانوا يمدون سكة حديدية لهجوم من قبل سكان محليين، فقامت سفينة حربية فرنسية بإنزال جنود لاحتلال البلدة. واحتل جنود فرنسيون آخرون مدينة وجدة الواقعة شرق البلاد. وفي آب/أغسطس عام 1907، ظهرت حركة سعت لاستبدال عبد العزيز بأخيه عبد الحفيظ الذي كان عالماً متديناً معارضاً للأوروبيين. وفي كانون الثاني/يناير عام 1908، أعلن علماء فاس ولاءهم له شرط أن يرفض وثيقة مؤتمر الجزيرة الخضراء واستعادة الدار البيضاء ووجدة وطرد المستشارين الأوروبيين وإلغاء الامتيازات الأجنبية ورفض الضرائب التي لا ينص عليها القرآن. ولكن السلطان لم يقبل بأي من هذه الشروط. كما لم يولِ أي اهتمام بالانطلاقة الأولى للحركة الدستورية المستوحاة من الثورة في إيران عام 1906 والثورة التركية عام 1908، وذلك لأنه لم يكن يتمتع بصلاحيات يمكن للدستور أن يحدها.

فقد كان العملاء الفرنسيون يستولون على عمل الحكومة وكانت القوات الفرنسية والإسبانية تحتل المزيد من الأراضي. وبعد ثورات عام 1911 التي وقفت في وجه الاحتلال العسكري للأراضي، أرسلت فرنسا بجيش إلى فاس، فتوصل إلى اتفاق مع عبد الحفيظ لفرض الحماية في 12 أيار/مايو عام 1912. وضمنت معاهدة فاس للسلطان سلطته الدينية وسيادته العلمانية، ولكنها وضعت زمام السلطة التنفيذية في أيدي الفرنسيين. وهكذا بدأ عهد الحماية.[/vc_column_text][/vc_column][/vc_row]

المغرب في عهد الاستعمار: فرض الحماية

French Protectorate morocco
Photo: @Fanack

المغرب إلى مناطق فرنسية وإسبانية ومنطقة طنجة الدولية. وكانت الجيوش الإسبانية قد احتلت بعض القيادات، وكانت الجيوب على ساحل البحر الأبيض المتوسط ممتلكات تاريخية لها، كما كانت فرنسا قد وعدت بالحفاظ على “مصالح” إسبانيا. شملت منطقة النفوذ الإسباني (محمية غير منفصلة) الجبال الممتدة على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط شمالاً وجزءً من الأراضي الرملية حول طرفاية في أقصى الجنوب، مساحتها الإجمالية 43,000 كم2. وبقي السلطان عاهل البلاد. وتم استثناء الجيوب الشمالية: سانتا كروز دي لامار بيكينيا (إفني)؛ وأراضي وادي الذهب والساقية الحمراء (الصحراء الإسبانية لاحقاً). وتم وضع مدينة طنجة، التي كانت تخضع لحكم القناصل منذ منتصف القرن التاسع عشر، تحت الرقابة الدولية عام 1923، مع الاحتفاظ مجدداً بالسيادة الصورية للسلطان. سيطرت القوات الفرنسية على معظم أراضي المغرب، وأنشأت نظاماً حديثاً للإدارة والقانون.

مع أنه تم الحفاظ على سيادة السلطان، فقد تم استبدال عبد الحفيظ بأخيه يوسف. وكان أعلى سلطة فرنسية هو المقيم العام هوبير ليوطي المعيّن من قبل باريس، وهو جندي ذو بالخبرة وأفكار واضحة حول كيفية إدارة واحتلال البلاد. وقد واجه معارضة من قبل ابن ماء العينين، أحمد الهيبة، الذي دعا إلى الجهاد في الجنوب، ولكنه سرعان ما هُزم، ومعارضة متصاعدة وثابتة بين القبائل في جبال الأطلس الكبير، والتي كان من الصعب القضاء عليها. ولم يتحقق النصر إلا حتى عام 1936.

في هذه المقالة: المغرب | التاريخ