تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

المغرب: الموحّدون (1121 – 1269)

الموحدون المغرب
المصدر: @Fanack

كان أبو عبدالله محمد بن تومرت، “المهدي” والقائد عبد المؤمن بن علي الكومي من البربر، غير أن أصلهما من الجبال وليس الصحراء. جاء بن تومرت من المنطقة الشمالية للأطلس الصغير. حوالي عام 1106، بدأ رحلة حج إلى مكة، ولكن بدلاً من إتمامها، درس في بغداد أو دمشق. واحتك بالتيار السائد للعقيدة السنّية والصوفية، وعاد إلى موطنه وهو يفكر في إصلاح الدين والأخلاق في المغرب. وفي طريق عودته، التقى عبد المؤمن وانضم إليه في مهمته الإصلاحية. ووصل إلى مراكش، غير أن المرابطين استاءوا من نقده الاجتماعي، ففر إلى تينمل في أعالي الأطلس الكبير حيث جمع أتباعاً له.

كانت تعاليم بن تومرت أكثر روحانية من تعاليم المرابطين: كان يقول إنّ الله روح بسيط ومطلق ووحداني. وأطلق أتباعه على أنفسهم اسم الموحدين (أي المؤمنين بوحدوية الله). وقال عن المرابطين إنهم مشركين لأنهم آمنوا بالطبيعة المادية التي خلقها الله، إلا أنه تبنى الإسلام المتشدد القائم على الأفكار الشيعية للإمام المهدي. أعلن بن تومرت أنه المهدي المنتظر الذي سيأتي في آخر الأزمان قبل يوم الحساب. وتحمس أتباعه للتبشير بهذه الفكرة. وفي عشرينيات القرن الثاني عشر، بسط بن تومرت سيطرته من تينمل، غير أنّه لم يستطع دخول مراكش قبل وفاته عام 1130. عام 1133، تولى عبد المؤمن القيادة، فاحتل الجبال أولاً ومن ثم المدن في السهل. وفي أوائل أربعينيات القرن الثاني عشر، استولى المرابطون على المدن الشمالية، بما فيها تازة وسبته ومكناس وسلا. عام 1147، وبعد حصار دام طويلاً، سقطت مراكش أخيراً. فتعرضت للنهب، وأعلن عبد المؤمن أن المباني الدينية لم تكن متّجهة إلى مكة بشكل صحيح وبالتالي يجب استبدالها.

بعد احتلال المغرب، طلب مسلمو شبه جزيرة أيبيريا المساعدة من عبد المؤمن لمواجهة التقدم المسيحي الذي تجدد. عام 1145، أرسل عبد المؤمن فرقاً عسكرية لاحتلال الجزء الأكبر من إسبانيا الإسلامية فأوقف الزحف المسيحي. كما تحرك شرقاً إلى الجزائر وتونس. وتوفي عام 1163 بينما كان يستعد لإرسال فرق عسكرية أخرى إلى إسبانيا. وفي نهاية الحرب الأهلية التي تلت وفاته، هزم أبو يعقوب يوسف (ابن عبد المؤمن) أعداءه واحتل الأجزاء المتبقية من شبه جزيرة أيبيريا الإسلامية. وعام 1195، هزم جيش قشتالة في معركة الأرك، الواقعة اليوم في مدينة ثيوداد ريال، هزيمة ساحقة وأوقف زحف الاسترداد.

كانت تلك ذروة قوة النظام وثقافته. اجتذبت الحياة الفكرية المزدهرة في المغرب علماء من أنحاء العالم: محمد ابن رشد؛ وأبي بكر محمد بن طفيل، كاتب الرواية الفلسفية “حي بن يقظان”. اتصف فن العمارة عند الموحدين بالضخامة والجوامع الهائلة والحصون القوية؛ بلغ طول مئذنة جامع الكتبية، الذي شُيد على أنقاض قصر المرابطين، 67,5 م. كانت المآذن المربّعة في إشبيلية والخيرالدا وصومعة حسان في الرباط، التي بدء العمل في بنائها لكن لم تستكمل، أضخم من حيث الحجم، وأصبحت النمط الشائع في شمال إفريقيا. كما بنى مهندسو الموحدين الأندلسيين حصوناً ضخمة، مثل قصبة الوداية في الرباط.

كان بناء هذه المباني مكلفاً، غير أن الموحدين كانوا أغنياء لأنهم طوّروا الاقتصاد، وخصوصاً الزراعة، كما ازدهرت التجارة في الصحراء. كما شاع صك القطع النقدية الذهبية ذات الجودة العالية والتي كانت مستخدمة على طرفي البحر الأبيض المتوسط. ولكن الاقتصاد كان أكثر ضعفاً مما كان يبدو. ففي عهد محمد الناصر (1199-1213)، نشبت حرب على جبهتين، مع بقايا المرابطين من جهة، وفي إسبانيا مع ملوك المسيحيين المتوحدين والذين سحقوا جيش الناصر في معركة لاس نافاس دي تولوسا عام 1212. بحلول عام 1266، كانت كافة شبه الجزيرة قد سقطت في يد المسيحيين، باستثناء غرناطة. وتشتت جيش الموحدين العظيم، فتعذر جمع الضرائب. وبدأت النزاعات ضمن سلالة الموحدين، وثارت اتحادات قبلية، مثل بني مرين، على النظام الذي قاوم في مراكش حتى عام 1269.

في هذه المقالة: المغرب | التاريخ