فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / المغرب / من الماضي الى الحاضر / من التاريخ القديم إلى المغرب في عهد الاستعمار

من التاريخ القديم إلى المغرب في عهد الاستعمار

مدينة وليلي الرومانية تاريخ المغرب
مدينة وليلي الرومانية

المحتويات

مجيء الإسلام
السلالات البربرية: المرابطون
الموحّدون
بنو مرين
سلالات الأشراف: السعديون
الملكية
القرن التاسع عشر: زحف القوى الأوروبية
المغرب في عهد الاستعمار: فرض الحماية

هناك بعض الآثار المادية لسكان المغرب القدامى، مثل الأدوات التي كان يستعملها “السكان البدائيون” في سيدي عبد الرحمن قرب الدار البيضاء، وفي وقت لاحق، الأدوات المصنوعة من الصوان (12,000 قبل الميلاد) أيام الثقافة الأورانية غرب المغرب. بدأت الصحراء في الجفاف  حوالي عام 5000 قبل الميلاد، وبحلول الألفية الثالثة قبل الميلاد، توسعت الصحراء لتفصل المغرب عن بلدان إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وتربطه بحوض البحر الأبيض المتوسط. وبحلول نهاية الألفية الأولى قبل الميلاد، كانت الظروف المناخية في المغرب شبيهةً بما هي عليه اليوم.

القرطاجيون

بعد القرن الثامن قبل الميلاد، انتقل الفينيقيون من صور، جنوب لبنان الحالية، إلى غرب البحر الأبيض المتوسط وأقاموا شريطاً من المدن الساحلية وصلت البلاد الفينيقية بجنوب إسبانيا الغني بالمعادن. وكانت قرطاج التونسية أهم هذه المدن، وفي المغرب روسادير (مليلية الحالية)، وليكسوس القريبة من مدينة العرائش في القرن السابع قبل الميلاد، وقرب الصويرة المطلة على المحيط الأطلسي، بالإضافة إلى بعض البؤر التجارية الأصغر حجماً في تامودة قرب تطوان والقصر الصغير وتينجيس (طنجة) على مضيق جبل طارق. كان القرطاجيون تجاراً، ولم يكونوا يطمحون بالسيطرة على المناطق الداخلية.

كانت الممالك الأولى الأصلية: مملكة المور، اتحاد قبائل في القرن الرابع قبل الميلاد؛ ومملكة “الماسيلاس” في القرن الثالث قبل الميلاد بين نهر ملوية ومدينة قسنطينة الحالية في الجزائر، والتي أضعفت القرطاجيين. ولكن العدو الأكبر لقرطاجة كانت روما التي حاربتها في ستينيات القرن الثاني قبل الميلاد واستولت على صقلية.

الرومان

عام 243 قبل الميلاد، أُرغمت قرطاجة على التخلي عن صقلية ودفع تعويض كبير لروما. أعاد القرطاجيون تنظيم أنفسهم بقيادة حملقار برقا وابنه هنيبعل. عام 202 قبل الميلاد، هزم الرومان القرطاجيين في الحرب البونيقية الثانية. وتحققت الهزيمة الأخيرة لقرطاجة عام 146 قبل الميلاد بمساعدة حلفاء محليين؛ وفي القرن التالي، سمح الرومان بظهور ممالك شمال إفريقيا التابعة، غير أنها لم تكن محل ثقة. وبعد الحرب الأهلية الرومانية (49-45 قبل الميلاد)، ألغى يوليوس قيصر هذه الممالك جميعها، بما فيها مملكة موريطانيا (المغرب والجزائر حالياً). عام 25 قبل الميلاد، نقل الإمبراطور أغسطس السلطة من مملكة موريطانيا إلى الحليف الثقة يوبا الثاني الذي حكم من “إيول” (“شرشال” في وسط الجزائر). وتطورت “وليلي” (قرب مكناس)، المدينة الثانية في مملكته، لتصبح مدينة كبيرة. واجه الرومان صعوبة في إخماد الثورة التي تلت وفاة يوبا عام 23 للميلاد إلى أن تم ضمّ موريطانيا إلى الإمبراطورية الرومانية عام 40 للميلاد. خلال هذه الفترة، بقيت مناطق الغرب الأقصى موالية للرومان، وخصوصاً “وليلي” التي أصبحت فيما بعد عاصمة إقليم روماني آخر، هو إقليم موريطانيا الطنجية التي تشكل تقريباً منطقة شمال المغرب الحالي.

كانت موريطانيا الطنجية إحدى الأقاليم الرومانية على طول الساحل الشمالي للقارة الإفريقية، غير أنّ الاحتلال الروماني لم يتوسع عميقاً في القارة. وتميز بشريط من المعاقل العسكرية الممتدة في الداخل اعتباراً من ساحل المحيط الأطلسي في سلا. وكانت الحدود شبكة من القلاع والقنوات التي حمت المناطق الواقعة تحت السيطرة الرومانية المباشرة. ربما كان عدد سكان “وليلي” 20,000 نسمة، غالبيتهم من أصل محلي. وكانت “وليلي” مدينة غنية، لأنها كانت تنتج فائضاً كبيراً من الزيتون والحبوب والمعادن، مثل الرصاص والفضة والحديد والنحاس. وكانت على أطراف الإمبراطورية الرومانية، غير أنّ قصور أغنى سكانها كانت فخمة بزخارف تظهر التأثير الإغريقي وأرضيات فسيفسائية تشابه التصاميم البربرية. ولم تكن الممالك الصغيرة المحلية خلف الحدود مسالمة على الدوام، وانتقلت العلاقة مع برغواطة التي امتدت بين شمال وليلي والمتوسط من العدائية إلى الهدنة المسلحة فالتعايش الحذر.

التحدي الآخر الذي واجهته روما كان المسيحية، التي امتدت حتى شمال إفريقيا في القرن الثاني بعد الميلاد، على الرغم من جهود الأباطرة الرومان للقضاء عليها، غير أن البؤر المسيحية الأساسية كانت شرقاً في الجزائر الحالية. كانت موريطانيا الطنجية الجزء الأقل “رومانية” في شمال غرب إفريقيا. وفي أواخر القرن الثالث، بدأت القوات الرومانية بالانسحاب. وتخلى الرومان عن حكم “وليلي” عام 285، فأصبحت عاصمة برغواطة ،غير أنها بقيت مدينة رومانية رغم تحوّلها إلى المسيحية. وكان هناك أساقفة في كل من تينجيس وليكسوس وأماكن أخرى.

الفاندال والبيزنطيون

في أواخر القرن الرابع، هاجم الفاندال، شعوب جرمانية على نهر الدانوب، حدود الإمبراطورية الرومانية، وعبروا أوروبا إلى إسبانيا، وغزَوا شمال إفريقيا عام 429. كان أقصى الشمال الغربي أقل غنًى من سواه، ولم يترك الفاندل سوى أثر بسيط لهم هناك. هناك بعض الدلائل التي تشير إلى أنّ الممالك المحلية حافظت على النظام الاجتماعي والسياسي الروماني، ولكننا لا نعرف سوى القليل عن هذه الحقبة.

لم يدم حكم الفاندال طويلاً في المناطق التي استولوا عليها. فعام 533 أرسل جستينيان، إمبراطور بيزنطيا، الذي كان قد بدأ بإعادة بناء الإمبراطورية الرومانية، جيوشه لإعادة فرض السيطرة الرومانية في شمال إفريقيا، لكن أقصى الشمال الغربي كان نائياً، فاقتصر الاحتلال البيزنطي على سبتة وطنجة رغم العثور على بقايا بيزنطية في سلا، وبقيت “وليلي” تحت الاحتلال. استغل زعماء القبائل الوجود البيزنطي ليعززوا حكمهم، فنشأت العديد من ممالك الظل؛ وليس هناك معلومات حولها.

مجيء الإسلام


في ظل الإمبراطورية الرومانية، كانت المغرب نقطة حدودية نائية. وفي أولى سنوات حكم الإمبراطورية الإسلامية، لم يكن سوى إقليم بعيد. عند دخول الإسلام إلى شمال إفريقيا، سرعان ما سارت الأمور على ما يرام، ولكن المغرب تأثرت بشدة بالأحداث السياسية الكبيرة في الشرق الإسلامي، خصوصاً الانقسامات الإيديولوجية والدينية.

من أهم التطورات السياسية للشرق الإسلامي كان الانقسام السنّي الشيعي حول مسألة الخلافة بعد وفاة النبي. وقع هذا الانقسام في بدايات الفتح الإسلامي خارج شبه الجزيرة العربية. بدأ الفتح الحقيقي لشمال غرب إفريقيا بعد أن قام الأمويون السنّة بتسوية المسألة (على الأقل عملياً) وأقاموا الخلافة في دمشق عام 661. عام 674، أسس القائد المسلم عقبة بن نافع قاعدة جديدة في القيروان، جنوب تونس الحالية. ومن هناك، هاجم الداخل، فالتف على البيزنطيين في قلاعهم العسكرية الساحلية وبلغ ساحل الأطلسي عام 682. ويُروى أنّه اندفع بفرسه نحو الأمواج، صارخاً “يا الله! لولا منعني هذا البحر، لواصلت كالإسكندر الكبير لرفع وجهك ومحاربة كل من كفر بك!”. قُتل عقبة بعد ذلك بفترة قصيرة، وضعُف المسلمون أمام ثورة البربر. عام 704، تم إنشاء إقليم جديد في القيروان، وأطلق حاكمه الأول موسى بن نصير الغزوة الحقيقية لشمال غرب إفريقيا. بحلول عام 710، استولى على سبتة وطنجة. في بادئ الأمر، أبقى المسلمون على الحدود الرومانية القديمة، غير أنهم لم يسمحوا باستقلالية الممالك البربرية. فأقام موسى بن نصير ثلاثة أقاليم فرعية في تلمسان (الجزائر الحالية) وطنجة وسوس، منطقة سهلية جنوب المغرب. حكم تلك الأقاليم حكام عرب بوحدات عسكرية عربية صغيرة، غير أنّ غالبية أفراد جيوشهم كانوا من البربر.

لم يُرغم المسيحيون على اعتناق الإسلام، ولكن غالبية البربر، الذين لم يكونوا مسيحيين، اعتنقوا الإسلام طوعاً. وقاد القائد البربري طارق بن زياد، حاكم طنجة، الجيش الإسلامي الأول، والذي كان بمعظمه من البربر، عبر مضيق جبل طارق عام 715، غير أن العديد من البربر احتجوا على سلوك النخبة من العرب الذين عاملوا البربر بدونية. حاول البربر منذ البداية اتباع الحركات المبتدعة.

كان الخوارج من بين تلك الحركات التي دعت إلى المساواة واعتقدت أن الإيمان الديني اختلق الوضع الاجتماعي، فرفضوا أفكار المذهبين الشيعي والسنّي على حد سواء ونادوا بالالتزام بالإسلام فوق النسب والأصول العرقية والإثنية. تم القضاء على عصيان للخوارج في طنجة عام 739 أو 740 بسبب الضرائب المفروضة، غير أنّ الخوارج واصلوا تمردهم في الجبال؛ وفي منتصف القرن الثامن، أقاموا مركزاً للخوارج في سجلماسة الواقعة في واحة تافيلالت جنوب غرب المغرب للاستفادة من تجارة الذهب والملح المتنامية في الصحراء الكبرى. وساعد ذلك على انتشار الإسلام في جنوب المغرب والصحراء الكبرى.

من الحركات الأخرى: البرغواطية التي نشأت محلياً. وكانت قاعدتها في سهول الأطلسي وضمت عناصر من المسيحية واليهودية والإرواحية والشيعية. وكان لها كتاب مقدس خاص متأثر بالقرآن (باللغة البربرية) وصلواتها الخاصة وقوانينها الغذائية؛ دامت هذه الحركة حتى منتصف القرن الحادي عشر.

كانت الحركة الأهم هي الشيعية، مركزها قرب “وليلي”، حيث التجأ إدريس بن عبدالله، من نسل علي والحسن ابن فاطمة، إلى قبيلة بربرية هناك. عام 789، أقام إدريس مستوطنة صغيرة على ضفاف نهر فاس. أقلق الأمر الخليفة العباسي هارون الرشيد، فأرسل من قتله بالسم. فخلفه ابنه إدريس الثاني، وجعل من فاس عاصمته. وحكم منطقة امتدت من جبال الريف إلى بلاد سوس، اغتنت عن طريق التجارة. توفي إدريس الثاني عام 828.

حلّ العباسيون السنّة محل الأمويين وحكموا من بغداد، وعينوا حكّاماً لهم في القيروان، غير أنهم لم يحكموا المغرب فعلياً، ولا حتى بقايا الأمويين الذين استوطنوا في أيبيريا. تحولت فاس إلى وجهة للاجئين في موقعيها، مما زاد من غناها وتقدمها الفكري. وأصبح جامع الأندلسيين (الذي بدأ بناؤه عام 857) وجامع القرويين (859/60) مركزين للعلم، ويُعتبر جامع القرويين (المعروف أيضاً بمسجد القرويين أو مسجد الأندلس والمسجد الأندلسي) إحدى أقدم الجامعات في العالم.

في نهاية القرن التاسع، دخلت حركة أخرى شمال غرب إفريقيا، وهذه المرة من الشرق مباشرة: حركة الفاطميين الشيعة الذين روّجوا لأفكارهم أولاً في سجلماسة وأسسوا بعد ذلك سلالة جديدة في المهدية، تونس. عام 972، احتل الفاطميون القاهرة – ومرةً أخرى تمّ تهميش المغرب.

على الرغم من تهميش المغرب سياسياً، إلا أنها كانت مزدهرة اقتصادياً من التجارة عبر الصحراء الكبرى ومع الأندلس. كما ازدهرت فاس ونمت، وأحيطت بأسوار جديدة. ووصلت إليها أعداد هائلة من المسلمين واليهود.

السلالات البربرية: المرابطون

في بداية القرن الحادي عشر، توحدت الدويلات المغربية تحت لواء أولى الإمبراطوريتين الإسلاميتين المغربيتين. وخلال القرنين التاليين، توحدت إفريقيا الشمالية الشرقية بفعل الحركات السياسية الناشئة في الصحارى والجبال بدلاً من الساحل والسهول.

وحّد الإسلام قبائل الصحراء من خلال التجارة والحروب الدينية، غير أنّ الدين لم يكن قويماً. وفي منتصف القرن الحادي عشر، دعا زعيم قبيلة جدالة، إحدى أقوى قبائل الصحراء، أحد الدعاة لتعليم أفراد قبيلته أصول الدين القويم. كان هذا الداعية عبد الله بن ياسين، وكانت تعاليمه متزمتة للغاية إلى حد طرده من القبيلة. فلجأ مع بعض أتباعه إلى رباط، حصن و/أو مركز ديني، وأسسوا جماعة منظمة عُرفت بحركة المرابطين، أي “المقيمين في رباط” أو “القوم المرتبطين بالتقوى”.

لنشر رسالته على نطاق أوسع، تحالف بن ياسين مع قبائل صحرواية أخرى لتوحيد الإسلام على طرفي الصحراء، وذلك من خلال التحكم بطرق التجارة الصحراوية. وتمكنوا من الاستيلاء على سجلماسة عام 1053 وعلى أوداغست في الطرف الجنوبي من الصحراء عام 1054. بحلول عام 1058 هزم أحد أهم قادة بن ياسين، أبو بكر بن عمر، مملكة أغمات الصغيرة شمال الأطلس الكبير. وهناك تزوج من زينب، أرملة حاكم أغمات الجميلة التي أُلهمت أنها ستتزوج فقط الرجل الذي يغزو المغرب كله. أسس أبو بكر قاعدة عسكرية أسماها “مراكش” قرب أغمات، ربما عام 1070، غير أنّه ترك زوجته وعاد إلى القتال في الصحراء. فتولى قريبه يوسف بن تاشفين القيادة وتزوج زينب محققاً نبوءتها، واحتل باقي المغرب وأسس إمبراطورية جديدة.

عام 1075، تحركت جيوش بن تاشفين الكبيرة شمالاً واستولت على فاس، حيث بدأ برنامج بناء كبير، فشيد المطاحن والحمّامات والفنادق (كاروانسرا). بحلول عام 1082، حكم تلمسان ووهران والجزائر. عام 1083، استولى المرابطون على سبتة وتهيأوا لعبور المضيق. تم تقسيم الأندلس بين صغار الأمراء الذين كانوا ضعفاء جداً لصد تقدم المسيحيين. فطلب ملك إشبيلية، عباد الثاني المعتضد، مساعدة المرابطين. وفي 23 تشرين الأول/أكتوبر عام 1806 أوقفوا التقدم المسيحي في الزلاقة، شمال شرق بطليوس.

كان المرابطون من السنّة الذين فسّروا القرآن حرفياً. ولم يقدم تشددهم القائم على النخبوية القانونية الكثير للشعب سوى الضرائب التي ينص عليها القرآن. جذبت مراكش علماء الإسلام من جميع أنحاء البلاد، غير أنّ ضيق أفق المرابطين اصطدم بالصوفية وبالكتابات الصوفية التي تطورت في نهاية القرن الحادي عشر. وكان فن عمارة المرابطين رائع الجمال، غير أنّها هُدمت على يد الموحدين الذين أتوا بعدهم: كانت مساحة القصر الهائل في مراكش تقدر بـ 9600 م2. وكل ما تبقى هو النظام المتقدم لقنوات الري تحت الأرض (الخطارات) التي كانت تروي الحدائق حول مراكش والأسوار العظيمة.

بدأت سلالة المرابطين بالانحدار في عهد علي بن يوسف (1106-1143)، الذي كان عالماً في الدين أكثر منه جندياً. وانقسمت الإمبراطورية إلى صحراوية ومغربية، مما حرم مراكش من اليد العاملة، مع بقاء التجارة غير مقيدة. استنفذت الحرب في الأندلس العمالة والمال. لم يستطع تاشفين بن علي (1143-1145) مقاومة المسيحيين في شبه جزيرة أيبيريا، وفي المغرب واجه “مهدياً” بربرياً جديداً.

الموحّدون

كان أبو عبدالله محمد بن تومرت، “المهدي” والقائد عبد المؤمن بن علي الكومي من البربر، غير أن أصلهما من الجبال وليس الصحراء. جاء بن تومرت من المنطقة الشمالية للأطلس الصغير. حوالي عام 1106، بدأ رحلة حج إلى مكة، ولكن بدلاً من إتمامها، درس في بغداد أو دمشق. واحتك بالتيار السائد للعقيدة السنّية والصوفية، وعاد إلى موطنه وهو يفكر في إصلاح الدين والأخلاق في المغرب. وفي طريق عودته، التقى عبد المؤمن وانضم إليه في مهمته الإصلاحية. ووصل إلى مراكش، غير أن المرابطين استاءوا من نقده الاجتماعي، ففر إلى تينمل في أعالي الأطلس الكبير حيث جمع أتباعاً له.

كانت تعاليم بن تومرت أكثر روحانية من تعاليم المرابطين: كان يقول إنّ الله روح بسيط ومطلق ووحداني. وأطلق أتباعه على أنفسهم اسم الموحدين (أي المؤمنين بوحدوية الله). وقال عن المرابطين إنهم مشركين لأنهم آمنوا بالطبيعة المادية التي خلقها الله، إلا أنه تبنى الإسلام المتشدد القائم على الأفكار الشيعية للإمام المهدي. أعلن بن تومرت أنه المهدي المنتظر الذي سيأتي في آخر الأزمان قبل يوم الحساب. وتحمس أتباعه للتبشير بهذه الفكرة. وفي عشرينيات القرن الثاني عشر، بسط بن تومرت سيطرته من تينمل، غير أنّه لم يستطع دخول مراكش قبل وفاته عام 1130. عام 1133، تولى عبد المؤمن القيادة، فاحتل الجبال أولاً ومن ثم المدن في السهل. وفي أوائل أربعينيات القرن الثاني عشر، استولى المرابطون على المدن الشمالية، بما فيها تازة وسبته ومكناس وسلا. عام 1147، وبعد حصار دام طويلاً، سقطت مراكش أخيراً. فتعرضت للنهب، وأعلن عبد المؤمن أن المباني الدينية لم تكن متّجهة إلى مكة بشكل صحيح وبالتالي يجب استبدالها.

بعد احتلال المغرب، طلب مسلمو شبه جزيرة أيبيريا المساعدة من عبد المؤمن لمواجهة التقدم المسيحي الذي تجدد. عام 1145، أرسل عبد المؤمن فرقاً عسكرية لاحتلال الجزء الأكبر من إسبانيا الإسلامية فأوقف الزحف المسيحي. كما تحرك شرقاً إلى الجزائر وتونس. وتوفي عام 1163 بينما كان يستعد لإرسال فرق عسكرية أخرى إلى إسبانيا. وفي نهاية الحرب الأهلية التي تلت وفاته، هزم أبو يعقوب يوسف (ابن عبد المؤمن) أعداءه واحتل الأجزاء المتبقية من شبه جزيرة أيبيريا الإسلامية. وعام 1195، هزم جيش قشتالة في معركة الأرك، الواقعة اليوم في مدينة ثيوداد ريال، هزيمة ساحقة وأوقف زحف الاسترداد.

كانت تلك ذروة قوة النظام وثقافته. اجتذبت الحياة الفكرية المزدهرة في المغرب علماء من أنحاء العالم: محمد ابن رشد؛ وأبي بكر محمد بن طفيل، كاتب الرواية الفلسفية “حي بن يقظان”. اتصف فن العمارة عند الموحدين بالضخامة والجوامع الهائلة والحصون القوية؛ بلغ طول مئذنة جامع الكتبية، الذي شُيد على أنقاض قصر المرابطين، 67,5 م. كانت المآذن المربّعة في إشبيلية والخيرالدا وصومعة حسان في الرباط، التي بدء العمل في بنائها لكن لم تستكمل، أضخم من حيث الحجم، وأصبحت النمط الشائع في شمال إفريقيا. كما بنى مهندسو الموحدين الأندلسيين حصوناً ضخمة، مثل قصبة الوداية في الرباط.

كان بناء هذه المباني مكلفاً، غير أن الموحدين كانوا أغنياء لأنهم طوّروا الاقتصاد، وخصوصاً الزراعة، كما ازدهرت التجارة في الصحراء. كما شاع صك القطع النقدية الذهبية ذات الجودة العالية والتي كانت مستخدمة على طرفي البحر الأبيض المتوسط. ولكن الاقتصاد كان أكثر ضعفاً مما كان يبدو. ففي عهد محمد الناصر (1199-1213)، نشبت حرب على جبهتين، مع بقايا المرابطين من جهة، وفي إسبانيا مع ملوك المسيحيين المتوحدين والذين سحقوا جيش الناصر في معركة لاس نافاس دي تولوسا عام 1212. بحلول عام 1266، كانت كافة شبه الجزيرة قد سقطت في يد المسيحيين، باستثناء غرناطة. وتشتت جيش الموحدين العظيم، فتعذر جمع الضرائب. وبدأت النزاعات ضمن سلالة الموحدين، وثارت اتحادات قبلية، مثل بني مرين، على النظام الذي قاوم في مراكش حتى عام 1269.

بنو مرين

ساحة مدرسة ألو العنانية في فاس
ساحة مدرسة ألو العنانية في فاس

كان بنو مرين قبيلة بربرية في جيش الموحدين. وهم من البدو الرحل الذين استوطنوا شمال شرق المغرب، وبسطوا سيطرتهم على الجبال حول فاس وتازة مع تداعي سلطة الموحدين، كما احتلوا مكناس عام 1245. وبحلول عام 1269، كان بنو مرين قد احتلوا معظم المغرب الحالية. ونظراً إلى أنّهم لم يتوسعوا شرقاً أو يقوموا بأي دور عسكري دائم في إسبانيا، يمكن اعتبارهم المؤسسين الفعليين للمغرب. وعلى خلاف المرابطين والموحدين، لم تكن المرينية حركة دينية إصلاحية، وإنما صادقوا العلماء وشددوا على التعاليم الدينية القويمة والعلوم التي شجعوها من خلال إدخالهم “المدرسة” التي انتشرت في مصر في عهد صلاح الدين. وكانت المدارس مؤسسات للطلاب الداخليين (حيث يعيش الطلاب)، تقوم على المساعدات، وتدرّس الكتب الإسلامية. وشكلت تلك خطوة هامة في توحيد معايير التنشئة الإسلامية في المدن.

وكان الريف والجبال والصحارى مواطن الطرق الدينية الصوفية التي تعاظمت قوتها سريعاً. ادعى العديد من زعماء تلك الجماعات (الشرفاء) نسبهم للنبي محمد وانتماءهم فكرياً إلى المعلم الصوفي العظيم عبد السلام بن مشيش (توفي عام 1227)، والذي كان ضريحه أحد مواقع الحج الأكثر قدسية في جبل العلم في جبالة. ولأن الطرق الصوفية كانت قوية جداً، حاول المرينيون بشكل عام الاندماج مع الشرفاء والصوفيين من خلال مصاهرتهم.

تنعكس سلطة المرينيين الدينية والسياسة في عاصمتهم فاس، حيث بنوا مدينة جديدة إلى جانب المدينة القديمة لإسكان موظفيهم وجنودهم. وكانت محصنة تحصيناً عظيماً بأسوار سميكة ذات شرفات وعدد قليل من البوابات القوية كانت تغلق بإحكام ليلاً. واتبعوا ذات النمط في قلعة شالة-سلا التي بنوها خارج الرباط. وكانت المدارس المباني الدينية الأكثر إثارة للإعجاب، كتلك التي بناها السلطان أبو عنان فارس (1348-1358) في مكناس وفاس، وسوق العطارين في فاس الذي أظهر أهمية التجارة في اقتصاد المرينيين. وكانت فاس المركز الاقتصادي الرئيسي، نظراً إلى أن طرق الذهب في الصحراء الكبرى تحولت نحو الشرق، مما أدى إلى انحدار مراكش. واشتُهرت فاس بصناعة الجلود والملابس.

بلغت سلطة سلالة المرينيين ذروتها في عهد السلطان أبو عنان فارس، الذي مات خنقاً على يد وزيره، مما أدى إلى نشوب صراع طويل بين السلاطين والوزراء. وفي نهاية المطاف، أصبح المرينيون ضعفاء إلى حد أن حاكم غرناطة تحكّم بالدولة، قالباً بذلك المقاييس: إذ كان حكام الأندلس يعتمدون على المغرب في الماضي.

كانت غرناطة آخر النقاط الإسلامية في الأندلس، ونقلت البرتغال وقشتالة حروب الاسترداد إلى إفريقيا. عام 1415، استولى البرتغاليون على سبتة، ومن ثم على سلسلة من القلاع على ساحل الأطلسي: القصر الصغير (1458)، وأصيلة وطنجة (1471). واستولى الأسبان على سانتا كروز دي لامار بيكينيا قرب أغادير عام 1476. وبدأت السلالة المرينية بالانهيار. احتكرت قبيلة بني الوطاس البربرية منصب الوزير. وعام 1472، أعلن أحد أفرادها نفسه سلطاناً. بعد سقوط غرناطة (1492)، استولى الأسبان على مليلية في أقصى الشمال الشرقي عام 1497، وصخرة الحسيمة وجزيرتين صغيرتين قريبتين منها عام 1559، وصخرة قميرة في الغرب عام 1564. في حين سيطر البرتغاليون على الساحل الأطلسي باحتلالهم لأرغين (موريتانيا الحالية، 1499) وآنفا (الدار البيضاء الحالية، 1458) وأغادير (1505) وآسفي (1507) وأزمّور (1513) ومازاغان (الجديدة) (1515).

جلبت نهاية حرب الاسترداد المسيحية في شبه جزيرية أيبيريا غزواً من نوع آخر: لجأت موجات من اللاجئين من شبه جزيرة أيبيريا إلى المغرب واستوطنت المدن الساحلية الشمالية. ولم يكن جميعهم من المسلمين، فقد كان بينهم 10,000 يهودي على الأقل. أدت خسارة أيبيريا والغزو المسيحي للساحل إلى موجة من المشاعر الجهادية عبر المغرب، بشكل خاص في الجنوب قرب الجيوب البرتغالية الرئيسية. تزعّم هذه الحركة الشرفاء والطرق الصوفية، التحالف الذي وضع أساس سلالة جديدة.

سلالات الأشراف: السعديون

كانت المغرب إحدى ساحات المعارك في النزاع على السيادة بين الأسبان والبرتغاليين والعثمانيين في القرن السادس عشر. عام 1492، العام الذي رسى فيه كولومبوس، الذي أبحر تحت العلم الإسباني، في أمريكا، استسلم آخر الملوك المسلمين في غرناطة للملوك الكاثوليك الأسبان. كانت القوتان المسيحيتان قد احتلتا جيوباً على الساحل وواصلت استيلاءها على المزيد من المواقع، بينما احتل العثمانيون القاهرة عام 1517، وزحفوا على طول ساحل شمال أفريقيا واحتلوا الجزائر عام 1529. تعاظمت مقاومة الأشراف والطرق الصوفية في الريف حول الجيوب المسيحية، غير أنهم لم يتمكنوا من التغلب على العثمانيين بقيادة السلطان سليمان القانوني. كانت القيادة مجزأة، غير أن الشرفاء وفّروا أساساً لشرعية جديدة قامت عليها المغرب منذ ذلك الحين.

تعود أصول السعديين إلى وادي سوس، غير أنهم يدعون أصولهم في الحجاز ونسبهم من النبي. كانوا قادة حرب، ومتحالفين مع الطرق الصوفية في النزاع ضد البرتغاليين. وعلى هذا الأساس، بايعوا أبي عبد الله القائم بأمر الله السعدي حاكماً على سوس.

توفي أبو عبد الله عام 1517، فواصل أبناؤه الحرب على الجيوب الأوروبية. وكان هدف النظام الجديد هو الجهاد لا إصلاح الإسلام. عام 1524، استردوا مراكش من البرتغاليين وعام 1541، استعادوا أغادير ثم آسفي وأزمّور؛ وفاس عام 1549. وعلى الرغم من استمرار انسحاب البرتغاليين، إلا أنّ العثمانيين كانوا أعداء بالقدر ذاته من الخطورة: أرادوا أيضاً قواعد لهم على الساحل المغربي لمهاجمة الأسبان. عام 1554، احتلوا فاس في وقت قصير وغزوها مجدداً عام 1557. وعند وفاة السلطان السعدي القوي، عبد الله الغالب بالله، عام 1574، شجع العثمانيون أحد أبنائه، عبد الملك، على مهاجمة أخيه السلطان الجديد عبد الله محمد المتوكل. وعام 1576، غزا عبد الملك المغرب واستولى على فاس. وعزم الملك البرتغالي سبستيان الأول على وقف الزحف العثماني، فغزا المغرب هو الآخر عام 1578. غير أن جيش عبد الملك تمكن من قتله في معركة وادي المخازن قرب القصر الكبير. وعُرفت هذه المعركة بمعركة “الملوك الثلاثة”، حيث قُتل عبد الملك وعبد الله محمد المتوكل وسبستيان الأول: تحوّل نزاع السلالات هذا إلى إحدى المعارك الملحمية في العصر الحديث. فقاد أحمد شقيق عبد الملك، الذي لقب نفسه بالمنصور، جيوشه وأعاد بناء السلالة السعدية.

عقد أحمد سلماً مع الإمبراطورية العثمانية عام 1582، ورسم حدوداً هي تقريباً الجزء الشمالي من الحدود الشرقية للمغرب اليوم. وعقد تحالفاً مع الملكة إليزابيث الأولى، ملكة إنكلترا، ضد إسبانيا وأقام علاقات تجارية قوية ارتكزت على تصدير الجلود والمعادن، وأهمها السكر. كانت صناعة السكر في سهل سوس تستخدم العبيد لزراعة قصب السكر وحصاده. كما بنى المنصور جيشاً جديداً استعان به لتوسيع حكمه في الصحراء واحتلال غرب السودان للتحكم بتجارة الذهب والعبيد والملح عبر الصحراء. وبرر ذلك بادعائه أن المسلمين كلهم بايعوه كخليفة. وساهم كل ذلك في تعزيز قوته وغناه. وأعاد أحمد بناء عاصمته مراكش، وبنى “قصر البديع” الخلاب الذي لم يتبقّ منه سوى ساحته الرئيسية وبرك السباحة لتعطي فكرة عن جماله.

لكن رغم قسوة أحمد المنصور في قمع المعارضين والفتن، إلا أنّ أساس حكمه كان هشاً. وبعد وفاته عام 1603 بمرض الطاعون، أغرق أبناؤه الثلاثة المغرب في حرب أهلية ودمروا سلالة السعديين. فانقسمت المغرب لفترة طويلة إلى ممكلتين: فاس ومراكش.

استمرت الحرب حتى عام 1660. فانهارت سيطرة المغرب على الصحراء الغربية، وتحوّلت طرق الذهب إلى الموانئ التركية على البحر الأبيض المتوسط، وواجهت مصانع السكر منافسة قوية من أمريكا الجنوبية ودول الأطلسي، وتجزأت البنية السياسية. وسعى الخصوم للحصول على الدعم من الأجانب، كلا المسلمين والمسيحيين، فآلت مسؤولية الجهاد ضد المسيحيين إلى القادة الشرفاء المحليين. وأوحت كل تلك الأمور بحجج إيديولوجية حول طبيعة الحكم العادل والحق في التمرد الذي بقي يتردد حتى القرن العشرين. كما أتاحت بتطوير دولة مستقلة في الرباط شكلت مركزاً للقرصنة، أو الهجمات البحرية على سفن العدو. وكان غالبية القراصنة من اللاجئين من الأندلس الذين سعوا إلى الانتقام من الأسبان؛ كما هاجموا بلدان أخرى وغزوا سواحل وايلز وإيرلندا وحتى نيوفاوندلاند في عشرينيات وثلاثينيات القرن السابع عشر.

ومع ذلك، ورغم انهيار الدولة السعدية، بقيت العمود الفقري للسلطة المركزية في مراكش. وأصبح التحدر من سلالة الأشراف المصدر الأساسي للشرعية، إلى جانب أفكار أخرى عن طبيعة القوة وطريقة ممارستها. وعلى الرغم من الحرب الأهلية التي دمرت سلالتهم، إلا أن السعديين وضعوا أسس الدولة المغربية القائمة اليوم.

الملكية


الملك محمد السادس  تاريخ المغرب
الملك محمد السادس مع ابنه ولي العهد مولاي الحسن (يسار) وأخيه الأمير مولاي الرشيد (يمين)

الاستقلال، استُهِلت الدساتير الخمسة الأولى بالعبارة نفسها: “نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية، ديمقراطية واجتماعية”. أضاف الدستور السادس الصادر عام 2011 مصطلح “برلمانية” عليها لتصبح على الشكل التالي: “نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية”. الملكية قديمة جداً: تعود السلالة الحاكمة الحالية إلى منتصف القرن السابع عشر، وهي أقدم عائلة حاكمة في العالم العربي. الدستور نتاج القومية الحديثة والصراع من أجل الاستقلال، لكن كان هناك مشروع مبكر لإنشاء حكم دستوري عام 1908، قبل فترة الحماية الفرنسية، والذي نص على تقييد صلاحيات السلطان واستند إلى فكرة أن اليابانيين تمكنوا، وبفضل الدستور، من الانتصار على الإمبراطورية الروسية المستبدة عام 1906. كان هذا نموذجاً شائعاً بين المعارضين الأوائل للإمبريالية الأوروبية في أفريقيا وآسيا.

تلعب الدستورية دور إسباغ الشرعية في المغرب، كالملكية. وكما توضح كافة الدساتير: رئيس الدولة هو الملك (أو السلطان، عام 1908)، وهو “أمير المؤمنين”. ويستمد سلطته من دوره كرئيس سياسي لمجتمع يحدده الدين. تلك السلطة (البركة) هي خاصية موروثة لنسل مؤسس سلالة العلويين، مولاي الشريف وولده مولاي الرشيد (1666 – 1672)، الذي استولى على السلطة بعد تفكك سلالة السعديين بعد نصف قرن من الحرب الأهلية. وادعت السلالتان الكبيرتان أن شرعيتهما مستمدة من تحدّرهما من سلالة النبي محمد. تم تعزيز النسب النبوي بالقدرة على التحكم بالقوات وممارسة السلطة. ومع انتهاء القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، استنزف السلطان الحاكم، عبد العزيز، جميع أمواله وسلطته. دفعت الهيمنة الأوروبية المتزايدة بالقوميين المتأثرين بالدين إلى الإطاحة به واستبداله بأحد إخوته: عبد الحفيظ. لم يتمكن هذا الأخير من مقاومة الضغوطات الأوروبية، ووافق على الحماية، مع أن السلطات الفرنسية عزلته من منصبه. في المقابل، حافظ الفرنسيون على مؤسسة العائلة الملكية وعينوا أخاً آخر، اسمه يوسف، كسلطان. بعد وفاته عام 1927، خلفه ابنه محمد الخامس الذي أصبح نقطة التقاء رمزية لحركة وطنية حديثة ثبّتت شرعيته وهي تحاول الحد من سلطته. وفي النهاية، فاز السلطان، بعد تغيير لقبه إلى “ملك” عام 1956، في الصراع على السلطة بعد الاستقلال.

حافظ الحسن الثاني، ابن محمد الخامس، الذي حكم في الفترة 1961-1999، على واجهة الملكية الدستورية، ولكنه كان سيد مملكته. فاستخدم سلطته الدستورية لتعيين رئيس الحكومة (زعيم الحزب الأكبر) وإقرار القوانين وسنها، وحلّ البرلمان مراراً، وإعادة صياغة الدستور أكثر من مرة، وتزوير الانتخابات لصالح مؤيديه. وتم تهميش أدوار البرلمان و الأحزاب السياسية، وفُرضت قيود صارمة على الإعلام. كما تعرّض النظام القضائي لتدخل السلطات فيما يتعلق بالقضايا السياسية، وتم اعتقال المعارضين في سجون انفرادية لفترات طويلة، كما تم تعذيبهم. ولكن في النهاية، لم “يختفِ” المعتقلون، وتركّز القمع على أشخاص معينين ولم يطل الجميع. وتم الحفاظ على شكل الملكية الدستورية. ومع نهاية حكم حسن الثاني وتولي ابنه محمد السادس الحكم عام 1999، انحسر القمع. وجاء دستور عام 2011، مباشرة بعد بداية الربيع العربي، نتيجة نزعة التحرير. ولكن على الرغم من التوجهات التقدمية نسبياً للدستور الجديد، إلا أنه أبقى على الملكية على أنها اللاعب السياسي الأكثر أهمية دون إدخال أية تغييرات على حقوق وشرعية الملك الرسمية.

يتمتع محمد السادس، الذي اعتلى العرش في سن مبكرة (ولد عام 1963)، بمؤهلات تكنوقراطية. حاز إجازة في الحقوق من جامعة محمد الخامس – أكدال وشهادة الدكتوراه في الحقوق من جامعة نيس صوفيا أنتيبوليس، وكانت أطروحته عن العلاقات بين المغرب والسوق الأوروبية المشتركة. كما تلقى تدريباً لبعض الوقت في ديوان جاك دولور، حين كان هذا الأخير لا يزال رئيس المفوضية الأوروبية.


القرن التاسع عشر: زحف القوى الأوروبية

عندما اجتاحت فرنسا الجزائر عام 1830، اضطر السلطان عبد الرحمن أن يلتزم أخلاقياً بمساعدة إخوانه المسلمين المكروبين لتجنب النزاع مع الفرنسيين. ولم يتمكن جيشه المحطم الذي يتألف من مجندين قبليين غير موثوقين وما تبقى من جيش عبيد البخاري التابع للسلطان إسماعيل من مواجهة القوات الأوروبية. لذلك حاول عبد الرحمن تجنب النزاع مع فرنسا، على الرغم من أن الشعب الجزائري وفئة كبيرة من شعبه طالبوه بالقتال. وكان عبد القادر ابن محي الدين، شيخ الطريقة الصوفية القادرية وقائد المقاومة في غرب الجزائر، نجح في محاربة الفرنسيين، حتى أنه أسس دولةً صغيرة في مدينة “معسكر” إلى أن أجبر على الفرار عبر الحدود المغربية عام 1842. لم يستطع عبد الرحمن منعه من استخدام الأراضي المغربية كقاعدة له، وفي تموز/يوليو وآب/أغسطس عام 1844، انتقمت فرنسا باحتلال “وجدة” وقصف الموانئ الساحلية. وأخيراً تمكن الجيش الفرنسي من هزيمة الجيش المغربي في وادي إسلي على الحدود الجزائرية، وسعى عبد الرحمن إلى إرساء السلام.

كانت معاهدة طنجة متساهلة – أصرّت فقط على رسم الحدود بالحق – غير أن الهزيمة في إسلي أضعفت سلطة السلطان وأفقدته شرعيته بين المغاربة. لذلك، بدأ بإصلاحات عسكرية وأسس جيشاً على الطريقة الأوروبية، والذي أثبت عدم جدارته في مواجهة عبد القادر، ناهيك عن فرنسا. ولم يكن أداؤه أفضل في 1859 و 1860 عندما أدت الحرب ضد إسبانيا إلى احتلال القوات الإسبانية لتطوان. وهذه المرة، كانت معاهدة رأس الواد مرهقة: فقد نصت على توسيع حدود سبتة ومليلية، والتنازل عن سانتا كروز دي لامار بيكينيا إلى إسبانيا، وفرضت تعويضات مالية كبيرة. واصل خليفة عبد الرحمن، محمد الرابع (1859-1873)، ومن بعده الحسن الأول (1873-1894)، بناء الجيش وتسليحه بشكل رئيسي بأسلحة فرنسية وبريطانية. تم تدريب الجيش على يد مغتربين فرنسيين وبريطانيين، مثل القائد المتميز السير هاري ماكلين. وكانت التكاليف مرتفعة. كان عبد الرحمن يشجع على التجارة الخارجية. فبنى المزيد من الموانئ للتجارة، وارتفعت صادرات الحبوب والصوف والجلود والشمع واللبان بشكل كبير، وذلك بدعم من ممثلين دبلوماسيين من أوروبا وأمريكا. وفي كانون الأول/ديسمبر عام 1856، أجرت بريطانيا مفاوضات بشأن معاهدة تجارية فتحت الأسواق المغربية، وسارت على خطاها حكومات أوروبية أخرى، غير أن البريطانيين هيمنوا على التجارة الخارجية حتى العقد الأخير من القرن التاسع عشر مع زيادة منافسة الشركات الألمانية والفرنسية.

أدت زيادة حركة التبادل التجاري إلى تغييرات جذرية في المغرب. تسبب ارتفاع واردات السلع المصنعة بتراجع الصناعة التقليدية الحرفية في المغرب، باستثناء السجاد الذي لاقى رواجاً في سوق الطبقة الوسطى الأوروبية. وشكلت واردات الشاي والسكر نسبة 25% من إجمالي الواردات. كما بدأ سكان المغرب بالانتقال إلى مدن الموانئ الواقعة على سواحل المحيط الأطلسي بعيداً عن المدن القديمة في الداخل؛ ونمت الدار البيضاء من قرية إلى أكبر ميناء في المغرب. وكانت النخبة الحكومية متحدرة من عائلات كانت تجني أرباحاً من التجارة؛ وحظي التجار المحليون بحماية البعثات الدبلوماسية الأوروبية، مما مكّنهم من الحصول على إعفاء من المحاكم والضرائب المغربية؛ الأمر الذي ساهم في إضعاف السيادة المغربية.

كانت الامتيازات الأجنبية عبارة عن نظام معاهدات بين دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط التي ظهر في أوائل العصر الحديث. كان الهدف الرئيسي من هذه المعاهدات التشجيع على تجارة يستفيد منها الطرفان. ونصت على وجوب منح التجار الأوروبيين في الأراضي الإسلامية صفة “مغتربين” في جميع المسائل التجارية وبعض المسائل الجنائية، مع منح الولاية القضائية للقناصل الأوروبيين المعنيين. ومع حلول القرن التاسع عشر، أصبحت هذه المعاهدات ذريعة للسكان الأوروبيين في المغرب (وغيرها من دول الشرق الأوسط) للتنصل من الولاية السياسية والضرائب المحلية. ومع امتداد هذه الامتيازات إلى الشركاء المحليين لهؤلاء التجار الأوروبيين، ازداد التأثير الأوروبي في المغرب بشكل كبير. اعتبرت هذه الامتيازات عنصراً هاماً في خراب السيادة المغربية على يد أوروبا. فتم إلغاء معظم المعاهدات التي تنص على الامتيازات بعد الحماية، غير أن بريطانيا لم تتخلَ عنها إلا عام 1937.

اعتبر العلماء أن هذه التغييرات مخالفة للدين، مما عرضهم لخسائر مالية. ووافقهم الرأي شريحة كبيرة من السكان: شهدت بعض المدن ثورات، وأُعلن الجهاد ضد الأوروبيين، خاصة في المناطق المجاورة لمليلية في 1893 و 1909. أدى ذلك إلى فرض المزيد من العقوبات المالية على الحكومة، مما زاد من عبء ديونها.

قامت الحكومات الأوروبية بمحاولات عديدة لحل الأزمة المتنامية بشكل سريع عن طريق المفاوضات، فأقامت سلسلة من المؤتمرات الدولية غير المثمرة. استمرت الانتهاكات الأوروبية، ليس فقط في المدن وإنما أيضاً في المناطق النائية، خاصة عند حدود الصحراء الكبرى التي حاول الحسن الأول بسط نفوذه فيها في مواجهة الانتهاكات الأوروبية. عام 1879، قام تجار بريطانيون مغامرون بتأسيس مصنع في طرفاية، وعام 1887 أنشأت إسبانيا موقعاً عسكرياً في فيلا سيسنيروس (الداخلة الحالية) في جنوب الأراضي التي باتت تعرف بريو دي أورو (وادي الذهب) والساقية الحمراء، والتي أصبحت لاحقاً مستعمرة الصحراء الإسبانية. أرسل السلطان بعثات عسكرية إلى الجنوب في العقدين التاسع والعاشر من القرن التاسع عشر لتحصيل الضرائب وفرض الولاء بين القبائل، كما عيّن حاكماً عليهم الشيخ محمد مصطفى ماء العينين الذي يتحدر من عائلة متدينة عريقة في المنطقة التي تعرف الآن بموريتانيا. وقدم السلطان عبد العزيز العون المالي للمركز الديني الجديد والكبير في السمارة الذي أنشأه ماء العينين في السمارة. وفي جبال الأطلس جنوب مراكش، اعتمد الحسن الأول على زعماء محليين، خاصة أفراد عائلة الكلاوي الذين صار لهم نفوذ كبير في عهد الحماية.

توفي الحسن الأول عام 1894 بعد أن ضمَن انتقال العرش إلى ابنه عبد العزيز الذي لم يكن عمره يتخطى 12 أو 13 عاماً. أصبح حاجب الملك “باحماد” الوصي على العرش، ولكنه واجه معارضة من عدد من إخوة السلطان الصغير. كان نظام “باحماد” ضعيفاً جداً لمعالجة جميع المشاكل، وتنامى التدخل الأوروبي بسرعة. وانقلبت موازين التجارة ضد المغرب، وبدأ القناصل الأوروبيون بممارسة سلطة شبه سياسية، خاصة في العاصمة الدبلوماسية طنجة التي تحولت إلى جيب أوروبي للسياح والمهاجرين.

عام 1900، توفي “باحماد”، وتولى السلطان الصغير زمام الأمور. وفي ذات العام، احتل الجيش الفرنسي واحة طواط في أقصى الجنوب الشرقي، واستحوذ على أراضٍ مغربية لصالح الجزائر؛ فأفلست المغرب جزئياً بسبب الإصلاحات المستلهمة من أوروبا التي كانت تهدف ظاهرياً إلى منع حدوث ذلك. شملت هذه الإصلاحات بناء بنية تحتية كانت مكلفة للغاية، واعتماد نظام ضرائب لدفع تكاليفها، غير أنها لم تحقق أية إيرادات. وبالتالي، وقعت موارد المغرب المالية في أيدٍ أجنبية نتيجة الهيمنة الأوروبية على التجارة وازداد عبء الديون. فتحركت القوات الفرنسية إلى الداخل من الصحراء الكبرى. عام 1904، وبموجب الاتفاق الودي بين بريطانيا وفرنسا وروسيا، انتقل التفوق البريطاني في مصر إلى الفرنسيين في المغرب. وحصلت الحكومة الإسبانية على وعد بحماية مصالحها؛ ولم تعارض سوى ألمانيا التي أصرت على عقد مؤتمر دولي للتوصل إلى حل بشأن المسألة المغربية.

تم التوقيع على الوثيقة الختامية لمؤتمر الجزيرة الخضراء عام 1906 من قبل وزراء خارجية أوروبا والولايات المتحدة. وعلى الرغم من الوعود التي نصّت عليها الوثيقة بشأن الحفاظ على سيادة المغرب وسلامة أراضيه، إلا أنها أخضعت إدارة المغرب وجماركه ومصرفه المركزي وقوات الشرطة للسيطرة الأوروبية.

لاقى عبد العزيز معارضة كبيرة في مختلف أنحاء المغرب، بالإضافة إلى عداوة عدد كبير من العلماء. وكانت الأوضاع متوترة في المدن الساحلية، خاصة الدار البيضاء. وفي حزيران/يونيو عام 1907، تعرض مهندسون فرنسيون كانوا يمدون سكة حديدية لهجوم من قبل سكان محليين، فقامت سفينة حربية فرنسية بإنزال جنود لاحتلال البلدة. واحتل جنود فرنسيون آخرون مدينة وجدة الواقعة شرق البلاد. وفي آب/أغسطس عام 1907، ظهرت حركة سعت لاستبدال عبد العزيز بأخيه عبد الحفيظ الذي كان عالماً متديناً معارضاً للأوروبيين. وفي كانون الثاني/يناير عام 1908، أعلن علماء فاس ولاءهم له شرط أن يرفض وثيقة مؤتمر الجزيرة الخضراء واستعادة الدار البيضاء ووجدة وطرد المستشارين الأوروبيين وإلغاء الامتيازات الأجنبية ورفض الضرائب التي لا ينص عليها القرآن. ولكن السلطان لم يقبل بأي من هذه الشروط. كما لم يولِ أي اهتمام بالانطلاقة الأولى للحركة الدستورية المستوحاة من الثورة في إيران عام 1906 والثورة التركية عام 1908، وذلك لأنه لم يكن يتمتع بصلاحيات يمكن للدستور أن يحدها.

فقد كان العملاء الفرنسيون يستولون على عمل الحكومة وكانت القوات الفرنسية والإسبانية تحتل المزيد من الأراضي. وبعد ثورات عام 1911 التي وقفت في وجه الاحتلال العسكري للأراضي، أرسلت فرنسا بجيش إلى فاس، فتوصل إلى اتفاق مع عبد الحفيظ لفرض الحماية في 12 أيار/مايو عام 1912. وضمنت معاهدة فاس للسلطان سلطته الدينية وسيادته العلمانية، ولكنها وضعت زمام السلطة التنفيذية في أيدي الفرنسيين. وهكذا بدأ عهد الحماية.

المغرب في عهد الاستعمار: فرض الحماية

قسمت سلطات الحماية المغرب إلى مناطق فرنسية وإسبانية ومنطقة طنجة الدولية. وكانت الجيوش الإسبانية قد احتلت بعض القيادات، وكانت الجيوب على ساحل البحر الأبيض المتوسط ممتلكات تاريخية لها، كما كانت فرنسا قد وعدت بالحفاظ على “مصالح” إسبانيا. شملت منطقة النفوذ الإسباني (محمية غير منفصلة) الجبال الممتدة على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط شمالاً وجزءً من الأراضي الرملية حول طرفاية في أقصى الجنوب، مساحتها الإجمالية 43,000 كم2. وبقي السلطان عاهل البلاد. وتم استثناء الجيوب الشمالية: سانتا كروز دي لامار بيكينيا (إفني)؛ وأراضي وادي الذهب والساقية الحمراء (الصحراء الإسبانية لاحقاً). وتم وضع مدينة طنجة، التي كانت تخضع لحكم القناصل منذ منتصف القرن التاسع عشر، تحت الرقابة الدولية عام 1923، مع الاحتفاظ مجدداً بالسيادة الصورية للسلطان. سيطرت القوات الفرنسية على معظم أراضي المغرب، وأنشأت نظاماً حديثاً للإدارة والقانون.

مع أنه تم الحفاظ على سيادة السلطان، فقد تم استبدال عبد الحفيظ بأخيه يوسف. وكان أعلى سلطة فرنسية هو المقيم العام هوبير ليوطي المعيّن من قبل باريس، وهو جندي ذو بالخبرة وأفكار واضحة حول كيفية إدارة واحتلال البلاد. وقد واجه معارضة من قبل ابن ماء العينين، أحمد الهيبة، الذي دعا إلى الجهاد في الجنوب، ولكنه سرعان ما هُزم، ومعارضة متصاعدة وثابتة بين القبائل في جبال الأطلس الكبير، والتي كان من الصعب القضاء عليها. ولم يتحقق النصر إلا حتى عام 1936.

إقرأ المزيد

ملف فنك الشامل عن المغرب يوفر لمحة شاملة عن هذه الدولة وتاريخها وث...
حظيت المملكة المغربية بموقع جغرافي، هيأ لها القيام بأدوار تاريخي...
استقلالها حتى عام 1956، بعد 11 سنة من انتهاء الحرب العالمية الثانية.

© Copyright Notice

Please contact us in case of omissions concerning copyright-protected work. The acquired copyright protected images used on/as featured image of this page are: enricrubioros1 ©Flickr | ©Fanack | ©Fanack | ©Fanack | ©Fanack | ©Hollandse Hoogte | AZZOUZ BOUKALLOUCH ©AFP | ©Fanack | ©Fanack

الجهل يقود إلى الخوف، الخوف يقود إلى الكراهية، والكراهية تقود إلى العنف هذه هي المعادلة.
ابن رشد (١١٢٦ – ١١٩٨)

إن مؤسستنا منظمةٌ هولندية غير حكومية لا تسعى لتحقيق الأرباح. هذه المؤسسة يجري تمويلها بصورةٍ حصرية عبر أفرادٍ يشاركوننا الإيمان بضرورة نشر معلومات موثوقة وغير متحيزة عن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، محاكين بذلك المزاج الشعبي السائد في المنطقة ولنعبّر عن صوت أبناء المنطقة بما نقدمه من معلومات ناجعة وتتحلى بالمصداقية.

ولذلك، فإننا نقدّر عالياً ما تقدمه لنا من دعمٍ وسنحرص على أن يعكس هذا الدعم بطريقةٍ إيجابية على الصالح العام!

ملف التحديث الإقليمي COVID-19

احصل على آخر تحديث عن تفشي فيروس كورونا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

تطورات فيروس كورونا