فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / المغرب / من الماضي الى الحاضر / الانتخابات المحلية والإقليمية لعام 2015 في المغرب

الانتخابات المحلية والإقليمية لعام 2015 في المغرب

Morocco's 2015 regional and local elections
امرأة مغربية تدلي بصوتها في مركز اقتراع للانتخابات البلدية في الدار البيضاء، المغرب, 4 سبتمبر 2015. Photo AP / Abdeljalil Bounhar ©Hollandse Hoogte ⁃ Abdeljalil Bounhar

في 4 سبتمبر 2015، توجب على المواطنين المغاربة إنتخاب مرشحين لشغل 30,000 معقداً في المجالس المحلية و700 مقعداً في المجالس الإقليمية من بين 140,000 مرشحاً يمثلون 30 حزباً على الأقل. كانت تلك هي المرة الأولى التي يستطيع من خلالها المغاربة اختيار ممثلين محليين وإقليميين على حد سواء في إنتخاباتٍ واحدة، وهو تطورٌ لم يسبق له مثيل في التاريخ السياسي المغربي.

كانت نسبة المشاركة مرتفعة (53.67%) مقارنةً بانتخابات عام 2009 (52,4%)، التي شهدت فوز ثلاثة أحزاب رئيسية. ففي الانتخابات الإقليمية، حظيّ حزب العدالة والتنمية الإسلامي (PJD)، الذي قاد الحكومة منذ عام 2011، بأكبر عدد من المقاعد (174 معقداً، أو 25% من المجموع). وجاء حزب الأصالة والمعاصرة (PAM)، والذي تم إنشاؤه من قبل القصر في عام 2008 تالياً بـ132 مقعد، في حين احتل المركز الثالث أقدم أحزاب البلاد، حزب الاستقلال (PI) الذي حصل على 119 مقعد. هذا وحصل حزب الأصالة والمعاصرة (PAM) على 6,655 مقعداً في المجلس المحلي (21%)، بينما حصل حزب العدالة والتنمية (PJD) على 5,021 مقعداً (17%)، وحزب الاستقلال (PI) على 5,106 مقعداً (16%). وكانت المواضيع التي حققت إنتصار حزب العدالة والتنمية تتمحور حول العدالة الإجتماعية ومحاربة الفساد. وأظهرت هذه النتائج أنّ المغرب بات من دول الديمقراطيات الناشئة.

وعلى الرغم من اختلاف مواقف المغاربة اتجاه هذه النتائج، إلا أنه يمكن تمييز اتجاهيين رئيسيين. أولاً، ترى الغالبية، التي تتألف من غير السياسيين، الذين هم في كثير من الأحيان من الفقراء وأنصاف المتعلمين أو الأميين، في هذه الإنتخابات وسيلة لوضع حدٍ للفساد وتحقيق تغيير فوري. وثانياً، فإن النخبة السياسية والفكرية التي غالباً ما تقطن المناطق الحضرية إلى حدٍ كبير، ترى في هذه الإنتخابات خطوة إلى الأمام على طريق الديمقراطية. ويمكن القول أن المجموعة الثانية متفائلة بشكلٍ عام وتتوقع حدوث تغيير على المدى الطويل. وبذلك، فإن هذين الإتجاهين متوقعان في البلدان النامية التي تمتلك نسباً عالية من الأميين، بالنظر إلى أن النخبة الحضارية أكثر وعياً بالتقدم المحرز من الأغلبية.

ومن هنا، يكشف تحليلٌ أدق لإنتخابات سبتمبر 2015 عدة نقاط نوجزها أدناه:

أولاً، أثبت الإقبال والإهتمام بالإنتخابات أنّ المواطنين المغاربة استعادوا بعض الثقة بمؤسساتهم، بعد أن شككوا لفترةٍ طويلة بمدى فائدتها. وتعتبر هذه المرة الأولى في تاريخ المغرب التي يختار فيها موطنوها ممثلين عنهم، محليين وإقليميين، بشكلٍ مباشر. وعلى الرغم من بعض المخالفات التي أشار إليها مراقبون مستقلون، لم تكن هناك أي جهود للتأثير على الناخبين خلال عملية الإقتراع، وكانت عملية التصويت مطابقة إلى حدٍ كبير للمعايير الدولية. وقد أدرك المواطنون المغاربة أن دستور عام 2011 يكفل إجراء إنتخاباتٍ نزيهة ومشاركة كل من الرجال والنساء في الإنتخابات. وكان المزاج العام هو: في حين نجحت الحكومة التي يقودها الإسلاميون في اختبار الشعبية، إلا أن الفائز الرئيسي هو الديمقراطية. ومع ذلك، لا يدرك معظم المغاربة أنّ الإنتخابات لا تؤدي إلى التغيير الفوري، إلا أنه يبدو أن الإهتمام بالإنتخابات ذو مغزى لدى الشعب. ويبدو أنّ الإنتقال المغاربي أقل صعوبة بشكلٍ عام مما هو عليه في مصر والجزائر. فعندما أرادت الجزائر إدخال الديمقراطية إلى البلاد في أوائل التسعينات، أدى ذلك إلى فقدان 250,000 مواطن أرواحهم، وعلى صعيدٍ آخر، يلجأ النظام العسكري في مصر إلى العنف كل يوم للحفاظ على سلطته. وعلى الرغم من أن الإنتخابات المغربية لم تخلو من الإنتكاسات، إلا أنها لم تشهد اللجوء إلى العنف.

ثانياً، عززت انتخابات سبتمبر مشروع المغرب للأقلمة (التقسيم إلى أقاليم)، والذي يقتضي قيادة المناطق الإثني عشر في البلاد من قِبل مجلس منتخب يتضمن سلطات مختصة بالتنمية الاقتصادية، والبشرية، والبيئية، والثقافية، والبُنى التحتية. وتعتبر هذه خطوة أساسية إلى الأمام وعلامة بارزة للإصلاح ما بعد الربيع العربي، فضلاً عن كونه إلتزاماً وطنياً ضخماً من قِبل الحكومة، التي دعت منذ عام 2011 إلى “الإصلاح في ظل الإستقرار،” حيث أنّ الفشل في تنفيذ هذا المشروع سيضر بشكل خطير مصداقية البلاد.

ثالثاً، أظهرت نتائج انتخابات سبتمبر تراجع الأحزاب السياسية التقليدية- مثل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (USFP)، والحركة الشعبية (MP)، والتجمع الوطني للأحرار (RNI)، وحزب الإستقلال (PI)- وصعود أحزاب سياسية جديدة، بما في ذلك حزب العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة الذي فاز في الانتخابات. كما أسفرت الإنتخابات عن هزيمة مؤلمة للأحزاب اليسارية مما يدل على أنّ الناخبين يفضلون النخب السياسية والوجوه الجديدة التي تريد أن تأخذ بزمام السلطة السياسية وتحمّل المسؤولية لإدارة البلديات والمناطق.

رابعاً، ظهرت الفئة المتحضرة/الريفية باعتبارها ذات أهمية في الإنتخابات. بدأ هذا قبل الربيع العربي (2011) وكان غاية في الأهمية خلال الفترة الإنتقالية. أدى هذا إلى رفع الوضع الرسمي للغة البربر (الأمازيغ) في دستور 2011، باعتبارها “ريفية” حيث كانت آنذاك لغة مهمشة. وعلى الرغم من هيمنة حزب العدالة والتنمية في الإنتخابات الإقليمية في المدن الكبرى، مثل الرباط والدار البيضاء وطنجة وفاس ومراكش وأكادير، إلا أن ذلك لم يحصل في المجالس المحلية؛ الموجهة نحو المناطق الريفية. فقد صوّت الناخبون في المناطق الحضرية، بشكلٍ عملي، لحزب العدالة والتنمية كانعكاس لموقفهم المعارض للفساد والوضع الراهن. ويبدو أن الناخبين في المناطق الحضرية راضين عن حكومة الأربع سنوات التي تقود ائتلافاً تعهدّ بإجراء إصلاحات هيكلية ومالية كبرى، والتي عالجت بنجاح نظام الدعم الحكومي المعرقل، وجمّدت العمل في القطاع العام، وخفضّت العجز في ميزانية المغرب. هذا وقد ظهر حزب العدالة والتنمية في السلطة عام 2011، في أعقاب الربيع العربي، حيث اعتمد بشكلٍ أساسي على منبر مكافحة الفساد، واعتمد أجندة محاربة الحرس القديم الذي سيطر على الإقتصاد المغربي منذ عام 1956. ومع ذلك، فقد كان أداء منافسي حزب العدالة والتنمية أفضل في المناطق الريفية، ذلك أن حزب العدالة والتنمية أكثر اهتماماً بمطالب الطبقة الوسطى الحضارية.

التطلع قُدماً

أولاً، بالرغم من فعاليته، لا يزال النظام الإنتخابي في المغرب بحاجة إلى الإصلاح، لأنه بوجود 30 حزباً، فمن الصعب أن تسفر النتائج عن فائز حقيقي. تعتبر هذه مسألة معقدة، بالنظر إلى الموقع المركزي والقوة الحقيقية للملكية، التي مع ذلك، تحظى بشعبية كبيرة ويُنظر إليها، على نطاقٍ واسع، باعتبارها عامل استقرارٍ في منطقة مضطربة. وبالتالي، يكمن الحل بالنسبة للكثيرين بمنح النظام الملكي الأحزاب السياسية المزيد من السُلطة.

وثانياً، لكي يفهم المغاربة معنى وأهمية الإنتخابات، فمن الضروري أن يدركوا أن المهمة الرئيسية للإنتخابات تتمثل في السماح للمواطنين باختيار الأشخاص الذين سيتخذون القرارات بالنيابة عنهم، والذين بدورهم سيكونون عُرضة للمحاسبة من قِبل الناخبين. ويتطلب هذا إيلاء إهتمامٍ خاص بالتعليم وتمكين طرفين مهمين في المجتمع المغاربي- المرأة وسكان المناطق الريفية- لأن مطالب هذين الطرفين تتعرض على ما يبدو للتهميش المستمر، والمماطلة من قِبل الحكومة التي يقودها حزب العدالة والتنمية.

© Copyright Notice
Click on link to view the associated photo/image:
©Hollandse Hoogte ⁃ Abdeljalil Bounhar

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.