تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

كيف تغير خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي ديناميكيات الهجرة من المنطقة المغاربية

شبان مغاربة في ميناء مدينة سبتة
شبان مغاربة في ميناء مدينة سبتة الساحلية الاسبانية ينتظرون فرصة ركوب قارب إلى أوروبا. 2018/Fadel SENNA / AFP

صوفيا أكرم

لطالما كانت الهجرة من دول شمال افريقيا مثل المغرب تقليداً يمتد منذ عقودٍ طويلة، ولا سيما إلى أوروبا. وبينما كانت الرحلة في السابق يسيرةً ومنظمة، إلا أن القيود المتزايدة جعلت منها أكثر صعوبة، بيد أن هذه القيود الصارمة لم تكبح جماح الحركة إذ باتت الرحلات أكثر سرية وأجبرت أولئك المغادرين على التكيف مع الأوقات المتغيرة. وكما هو متوقع، تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً في مشاركة المعلومات، لكن يقول الخبراء إن الشبكات الافتراضية أصبحت اليوم تغير ديناميكيات الهجرة ولم يعد يقتصر دورها على تيسيرها من خلال التواصل. ويقولون إنها باتت متوفرةً على مواقع مثل اليوتيوب والفيسبوك وغيرها من منصات البث الأخرى التي تحظى بشعبية بين أوساط مدوني الفيديو في المغرب والجزائر، حيث توجه الخوارزميات المستخدمين إلى المحتوى وتساعد في دفع هذا الاتجاه.

وفي هذا الصدد، يقول أمين غوليدي، الباحث في كينجز كوليدج الذي تعمق في دراسة ظاهرة وسائل التواصل الاجتماعي: “الهجرة عموماً تحظى بشعبية كبيرة على الإنترنت. وهناك من هم أفضل في مشاركة المعلومات من غيرهم، مما يجعلها ممتعة ومثيرة ومسلية.”

ومع تزايد الإقبال على الإنترنت في المغرب، ازداد عدد مدوني الفيديو الذين يستخدمون منصات الفيديو وشبكات التواصل الاجتماعي. ونظراً لأن العديد من هؤلاء المستخدمين قرروا الهجرة، عادةً بشكلٍ غير قانوني، قاموا بتوثيق رحلاتهم.

ومع تزايد أعداد المدونين، بدأ يظهر نظامٌ بيئي يتم فيه تبادل والتوسع في المعلومات المتعلقة بالهجرة مما يمنح الناس الأدوات اللازمة لبدء رحلاتهم من شمال افريقيا.

وعلى ما يبدو، ظهر هذا الاتجاه في مدونات الفيديو من المغرب، إلا أن اللهجة المشتركة بين بلدان المنطقة جعلها تحظى بشعبيةٍ بين المشاهدين من بلدان مغاربية أخرى مثل الجزائر. واليوم، أصبحت مقاطع الفيديو منتشرةً بين المدونيين الجزائريين وتخطت الوجهات أوروبا وصولاً إلى أمريكا الجنوبية.

وبالرغم من تكثيف وسائل منع الناس من الهجرة، بما في ذلك عمليات الإعادة غير القانونية والقاتلة، إلا أن المزيد من الأشخاص، بل أسراً بأكملها، تواصل تحركات الهجرة باستخدام وسائل غير نظامية. ففي عام 2016، اعترضت الدول الأوروبية ودول البلقان 12,482 مغربياً وجزائرياً وتونسياً وليبياً، ووصل العدد إلى 31,171 بحلول عام 2018.

ومن الجدير بالذكر أن مساحةً كبيرة من المنطقة متصلة بالإنترنت، حيث بلغت النسب 64% من المغاربة و67% من التونسيين و58% من الجزائريين، وفقاً لبيانات عام 2020، إذ يقضي المغربي العادي أكثر من ثلاث ساعات في تصفح الإنترنت يومياً، بينما يمتلك كل مستخدم إنترنت 5,5 حساب على وسائل التواصل الاجتماعي في المتوسط.

هذا الاستهلاك المتطور للمعلومات مكّن وسائل التواصل الاجتماعي من أن تصبح مساحةً يعمل فيها المهربون.

فقد أقرت دولٌ مثل الجزائر بدور وسائل التواصل الاجتماعي في عمليات التهريب، بالرغم من اعتراف الخبراء بأن دورها تم تجاهله إلى حدٍ ما في ردود الأفعال السياسية.

وفي هذا الشأن، قال الدكتور مات هربرت من المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود لفَنَك: “تتخطى وسائل التواصل الاجتماعي الحواجز التي تحول دون الوصول إلى المعلومات حول طرق الهجرة وأساليبها والتواصل مع المهربين.” وأضاف، “المعلومات التفصيلية والإجابات على الأسئلة حول كيفية الهجرة غير النظامية متاحة بسهولة لأي شخص لديه هاتف ذكي، مما يسهل كثيراً نشر المعلومات المحدثة عن الهجرة والتهريب عبر مجتمعات شمال افريقيا.”

ومع ذلك، لا يحاول مدونوا الفيديو حديثي العهد لفت انتباه المسافرين إلى عمليات التهريب، بل يعملون على مشاركة تجارب حياتهم بدءاً من الخداع الذي تعرضوا له ووصولاً إلى أحداث الحياة اليومية وقصص حياتهم الشخصية. وفي نهاية المطاف، تحظى المعلومات المتعلقة بالهجرة بشعبيةٍ كبيرة، بحسب الباحثين، ذلك أنها تحقق دخلاً بفضل إيرادات إعلانات الفيديو والإحالات والتبرعات.

“ديدي” هو أحد مدوِّني الفيديو المشهورين، الذي ينحدر من مدينة مكناس شمال المغرب، وقد وثق ما يقوم به يومياً من الذهاب إلى المدرسة كما قضى أياماً في تجنب المواجهات مع الشرطة. بعد أن حط رحاله في السويد، نرى مقاطع فيديو لصديقه وهو يساعده في الاعتياد على مناحي الحياة في البلاد، لكنه يشارك أيضاً رحلته الشاقة من سبتة الإسبانية، ويمكنكم مشاهدته يشير إلى المكان الذي يجب أن تختبىء فيه داخل الشاحنة للبقاء على قيد الحياة لدخول أوروبا.

وهذا ما يجعل العديد من الأسر تُلقي باللوم على مقاطع الفيديو الخاصة به لزعمهم أنها تغري أطفالهم لحزم أمتعتهم ومغادرة المغرب، إلا أنه نفى نيته القيام بذلك.

إن طرق الاختباء والتهرب من السلطات شائعة في مقاطع الفيديو الخاصة بالعديد من المدونين المغاربيين ويتم التوسع بالوصف والنصيحة على نحوٍ أكبر عبر التعليقات الموجودة أسفل الفيديو، بل تصل الدقة إلى مستوى ذكر الشخص الذي يتوجب عليك الاتصال به بمجرد وصولك إلى المدينة.

كما كان هناك أيضاً عروضٌ لتقديم المساعدة والمال والإقامة من أقارب بعض المتابعين.

مدون آخر معروف باسم “زيزو،” يجوب قارة أمريكا الجنوبية منذ أكثر من عام وأصبح مشهوراً بمحتواه الترفيهي وتصويره الصادق للعيش بعيداً عن أعين السلطات. فقد حقق أحد مقاطع الفيديو بشكلٍ خاص ما يزيد عن مليون مشاهدة لمقطع مرعب يُظهر كيف توفي مسافرٌ أثناء عبوره الأدغال الكولومبية إلى بنما. تحدثنا في فَنَك إلى زيزو نهاية عام 2019 حيث أكدّ أنه يطلب دوماً من متابعيه ألا يحذو حذوه، “لا أعرف كيف مررت بهذه الرحلة، ربما بسبب دعاء عائلتي.”

وهنا، يقول غوليدي: “ربما تُفسر هذه المساحة غير المنمّقة وغير الخاضعة للرقابة التحول الحاصل من مجرد استهلاك المعلومات من قناتين إلى ثلاث قنوات تلفزيونية وراديو مملوكة للدولة، وعلاوة على ذلك، لأن الخوارزميات يمكن أن توجهك نحو نوع المعلومات التي تهمك.”

ومع ذلك، تتمتع الخوارزميات بالقدرة على تعريف شخصٍ ما بالآفاق المستقبلية للهجرة غير الشرعية.

“ربما لم يتم السعي خلف المعلومات المتعلقة بالهجرة غير الشرعية ولكن في سياق متابعة مدونات الفيديو هذه، قد يحصلون على المزيد من المعلومات، إذ ربما يتم ذلك من خلال ذكرهم أنهم لم يذهبوا إلى مدينةٍ ما بسبب عمليات التحقق التلقائية، ثم فجأة تلمع في ذهنك فكرة الهجرة،” على حد تعبير غوليدي.

ومع ذلك، يبقى السؤال المطروح هنا، بالرغم من كون هؤلاء المدونيين رواد أعمالٍ ومفعمين بالجاذبية، فما الذي يدفعهم ومتابعيهم على مغادرة بلدانهم…

يُشكل الشباب المغربي حوالي ثلث سكان البلاد، إلا أن ثلثهم بلا عملٍ أو تدريبٍ أو تعليم، ويُشكلون ما نسبته 80% من نسب البطالة في البلاد.

وبحسب مشروع بورجن، يعيش حوالي 19% من المغاربة على أقل من 4 دولارات في اليوم. وعلى الرغم من المكاسب التي حققتها البلاد في معالجة الفقر بشكلٍ عام، إلا أن التفاوتات في الدخل صارخ.

أما في الجزائر، يمثل تضخم أعداد الشباب تحدياً لتوظيف من هم أقل من 30 عاماً، في حين أن نصف سكان تونس تقريباً تقل أعمارهم عن 25 عاماً، أكثر من 35% منهم عاطلون عن العمل. حتى بالنسبة لحاملي الشهادات، يبلغ معدل التوظيف بينهم حوالي 25%.

وفي ظل المشهد الاقتصادي القاسي، لا عجب من ازدياد تدفق الحوالات المالية نحو المنطقة في السنوات الأخيرة، ولا عجب أيضاً أن المزيد من الشباب باتوا يعبرون عن رغبةٍ صريحة في مغادرة بلدانهم.

“إذا كنت تبلغ الـ23 أو 24 عاماً وليس لديك وظيفة أو حياة، وترى أنك تضيع وقتك وحياتك من أجل لا شيء، عندها تفكر: لمَ لا أبحث عن حياةٍ أخرى في بلدٍ آخر؟” على حد تعبير زيزو.

ببساطة، يجدر بنا القول أن وسائل التواصل الاجتماعي لربما باتت تسرع ديناميكيات الهجرة الموجودة بالفعل.