فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / المغرب / من الماضي الى الحاضر / نهاية الحكم الإسباني في الصحراء الكبرى

نهاية الحكم الإسباني في الصحراء الكبرى

مقاتل صحراوي خلال عرض للبوليساريو في الذكرى الثلاثين للنضال الطويل من أجل الاستقلال / Photo HH
مقاتل صحراوي خلال عرض للبوليساريو في الذكرى الثلاثين للنضال الطويل من أجل الاستقلال / Photo HH

عام 1973، قامت مجموعة من الطلاب في مستعمرة الصحراء الإسبانية بتأسيس حركة تحرير جديدة عرفت باسم “الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب” (بوليساريو). وسرعان ما بدأت بشن هجمات استهدفت في بادئ الأمر مواقع عسكرية أسبانية نائية، ومن ثم أهداف أكبر. وفي تشرين الأول/أكتوبر عام 1974، قامت بتخريب الحزام الناقل لمناجم بوكراع للمرة الأولى، فتوقف تصدير الفوسفات.

كان نظام فرانكو في إسبانيا قد شارف على نهايته، وأدركت الحكومة الإسبانية أنه من المستحيل الاحتفاظ بالصحراء الكبرى، ولكنها أصرت على أن “الحق في تقرير المصير” يفرض إجراء استفتاء يتضمن خيار الاستقلال. رفض الملك الحسن هذا الاقتراح، وعقد اتفاقية سرية مع مختار ولد داداه‎ لتقسيم الصحراء الكبرى بعد مغادرة الأسبان.

في أيلول/سبتمبر عام 1974، طلب الملك الحسن من محكمة العدل الدولية إبداء رأيها بشأن شرعية المطالب المغربية والموريتانية بالسيادة على الصحراء الغربية. واقتصرت صلاحية المحكمة على تقديم رأي استشاري وليس حكماً، وذلك لأن الحكومة الإسبانية رفضت قبول ولايتها. طُرح على المحكمة سؤالان: هل كانت الأرض مباحة (غير خاضعة لأية دولة) عندما استعمرها الأسبان، وإذا لم تكن كذلك، ما هي الروابط القانونية التي تجمع بين سكانها وسكان المغرب وموريتانيا؟ ارتكز المحامون المغاربة على الولاء الديني التاريخي للسلطان. بينما ارتكزت الحكومة الموريتانية على هوية تاريخية مشتركة بين قبائل الدولتين.

صدر الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في تشرين الأول/أكتوبر عام 1975، ونص على بأن الروابط التاريخية بين المغرب وموريتانيا من جهة وبين سكان الصحراء الغربية من جهة أخرى لم تكن روابط سيادية، وأن للسكان الحق في تقرير مصيرهم. سارع الملك الحسن لتعطيل الحكم، وفي تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1975، نظمت حكومته مسيرة خضراء عند الحدود للمطالبة بالمستعمرة. شارك فيها أكثر من نصف مليون مغربي: المطالبة بالصحراء كانت مسألة شعبية في المغرب.

معارضة البوليساريو


عندما أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قرارات تستنكر المسيرة، فتح الملك الحسن مفاوضات مع إسبانيا وموريتانيا، وأوقف المطالب المغربية بضم سبتة ومليلية، ووقّع اتفاقات مع إسبانيا تمنح المغرب السيطرة على الجزء الشمالي من المستعمرة وموريتانيا على الجزء الجنوبي منها. ومع حلول 12 كانون الثاني/يناير عام 1976، قامت القوات المغربية والجيش الموريتاني الصغير باحتلال المناطق المخصصة لهم. لم تستطع جبهة البوليساريو إيقافهم، ولكنها خاضت، بمساعدة الجزائر، حرب عصابات شرسة من قواعدها في مخيمات اللاجئين في مدينة تندوف المقابلة للحدود الجزائرية. وفي 26 من شهر شباط/فبراير، انتهى حكم إسبانيا. واعترفت الحكومة الجزائرية بدولة صحراوية مستقلة، الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية وقاعدتها في مخيمات اللاجئين، وزودت جبهة البوليساريو، التي كانت حكومتها في المنفى، بالأسلحة والتدريب. وانتقل عدد كبير من القبائل الصحرواية، التي شكلت وفق بعض التقديرات نصف السكان تقريباً، إلى المخيمات بهدف الانضمام إليها. وسرعان ما استسلم الجيش الموريتاني. عام 1979، توسطت الجزائر للتوصل إلى اتفاق تنازلت بموجبه موريتانيا عن جميع مطالبها. وبعد ذلك، احتلت القوات المغربية المنطقة الموريتانية.

باستثناء الجزائر وإلى حد ما ليبيا، لم تحظ جبهة البوليساريو بدعم دبلوماسي من الدول العربية، ولكن حرب العصابات لاقت نجاحاً كبيراً. ومع حلول عام 1976، كانت الوحدات التابعة لجبهة البوليساريو قد تمكنت من تخريب الحزام الناقل للفوسفات الصخري وهاجمت مدينة العيون. وفي العامين التاليين، طردت جبهة البوليساريو الجيش المغربي من المواقع الداخلية، حتى أنها ضربت في عمق المغرب. لم تنجح هذه العمليات في إخراج القوات المغربية من الصحراء الغربية، إلا أن هجمات العصابات على العاصمة الموريتانية، نواكشوط، ومناجم الحديد التي تؤمن معظم الدخل القومي، أدت إلى إفلاس موريتانيا. وفي تموز/يوليو عام 1978، أطاح انقلاب عسكري بولد داداه‎، وتمت الموافقة على عرض جبهة البوليساريو بوقف إطلاق النار. وفي شهر نيسان/أبريل عام 1979، وبعد انقلاب آخر، اعترفت الحكومة الموريتانية بجبهة البوليساريو على أنها “الممثل الشرعي الوحيد للشعب الصحراوي”، وتنازلت عن مطالبها. تحرك الجيش المغربي نحو الجنوب واحتل ما تبقى من المستعمرة الإسبانية السابقة. واعتباراً من عام 1979، واجه الجيش المغربي قوات جبهة البوليساريو التي كانت تزداد قوة، وأصبحت مسألة الصحراء مركزية لبقاء الدولة المغربية. لم يكن الملك متسامحاً مع كل من عارض الحرب الصحراوية، والذين قمعهم بشدة.

في هذه الحرب، اعتمدت الحكومة المغربية استراتيجيتين. الأولى ديموغرافية: نقل واسع النطاق للسكان إلى المنطقة. أتى عدد كبير من المناطق المغربية المجاورة للصحراء، وانضم البعض إلى النخبة الحكومية المحلية. وتم إرسال موظفين حكوميين وعمال مهرة ومتخصصين في مجال الرعاية الصحية ومعلمين من جميع أنحاء المغرب إلى أقاليم الصحراء الغربية. وفي منتصف الثمانينيات، بدأت الحكومة العمل على برنامج لتقديم الفرص الاقتصادية (الإعانات والإعفاءات الضريبية ورواتب أفضل من غيرها في أماكن أخرى من المغرب) لتشجيع المهاجرين الذين قد يساعدون في تطوير الصحراء. ارتفع عدد السكان من 74,000 (إحصاء إسباني، 1974) إلى 507,160 نسمة في الوقت الراهن. لم يندمج المهاجرون مع السكان المحليين، إنما أصبحوا يشكلون أكثرية السكان في المدن الرئيسية للصحراء الغربية. وتم تهميش السكان الأصليين.

بقايا دبابة مغربية
بقايا دبابة مغربية
قوات بوليساريو
قوات بوليساريو
محمد عبد العزيز الأمين العام لجبهة البوليساريو
محمد عبد العزيز الأمين العام لجبهة البوليساريو
جنود مغاربة
جنود مغاربة

السد الترابي

السد الترابي
السد الترابي

كانت الاستراتيجية الثانية عسكرية. قامت القوات المسلحة الملكية بتشييد جدار رملي دفاعي كبير (يعرف بـ “السد الترابي”) عبر الصحراء بارتفاع سبعة أقدام وطول 300 ميل، محمي بأسلاك شائكة وجهاز رادار. ومع حلول عام 1982، تمكن هذا الجدار من فصل جبهة البوليساريو عن “الجزء الصالح” من الصحراء: العيون والسمارة ومناجم الفوسفات. ثم تم بناء المزيد من الأسوار في الصحراء. ومع حلول عام 1985، تم إبعاد ميليشيات البوليساريو عن معظم المستعمرة الإسبانية القديمة. وكانت هذه الاستراتيجية مكلفة للغاية، إلا أن حكومة المملكة العربية السعودية تحملت التكاليف.

تمكنت الحكومة المغربية من إصلاح العلاقات مع العقيد القذافي في ليبيا، ولكن على الرغم من الرضوخ العربي الدبلوماسي العام، اعترفت 73 دولة بـ “الجمهورية الورقية” لجبهة البوليساريو بحلول عام 1984، وكانت الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية عضواً كاملاً في منظمة الوحدة الإفريقية. ولكن الجزائر كانت مفلسة، واستطاعت منظمة الوحدة الإفريقية التعاون مع الأمم المتحدة لبدء عملية سلام بطيئة. عام 1985، أطلق الأمين العام للأمم المتحدة خافيير بيريز دي كويلار “بعثة للمساعي الحميدة”، وفي آب/أغسطس عام 1988، وافق المغرب وجبهة البوليساريو على اقتراحات التسوية التي نصت على تقليص عدد القوات في الصحراء تحت إشراف الأمم المتحدة وإجراء استفتاء شعبي. وافقت الحكومة المغربية على ذلك، لأن تعريف الناخبين المؤهلين أبقي مبهماً عن عمد. وضغطت الحكومة الجزائرية على جبهة البوليساريو للموافقة أيضاً، وأخيراً استأنفت العلاقات الدبلوماسية بين المغرب والجزائر.

قوات بوليساريو يتدربون في الصحراء
قوات بوليساريو يتدربون في الصحراء

الاستفتاء الشعبي

عام 1990، وافق مجلس الأمن على النص الكامل لاقتراحات التسوية والخطة العامة لتنفيذها (القرار رقم 658). وفي نيسان/أبريل عام 1991، وبموجب القرار رقم 690، أنشأ مجلس الأمن بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (MINURSO)، والتي لا تزال ناشطة. وكان من المفترض أن تؤدي فترة وقف إطلاق النار الانتقالية إلى إجراء استفتاء في كانون الثاني/يناير عام 1992، غير أن ذلك لم يحدث.

تم نشر بعثة الأمم المتحدة لتنظيم استفتاء في الصحراء الغربية في شهر أيلول/سبتمبر عام 1991، وتم الالتزام بوقف إطلاق النار بشكل عام، ولكن الفترة الانتقالية لم تبدأ قط. كانت أهلية الناخبين مصدر نزاع كبير. وبدأت البعثة بتحديد الناخبين المحتملين في آب/أغسطس عام 1994 ولكن بشكل بطيء، وأوقف الأمين العام هذه العملية في أيار/مايو عام 1996. وتم سحب معظم الموظفين المدنيين وأفراد الشرطة التابعين للبعثة، وتولت الوحدات العسكرية وحدها الإشراف على وقف إطلاق النار.

ضابط من بعثة الأمم المتحدة يتحدث إلى صحراويين / UN Photo
ضابط من بعثة الأمم المتحدة يتحدث إلى صحراويين / UN Photo

مزيد من القراءة

image_pdfimage_print

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.