فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / المغرب / المجتمع والإعلام والثقافة / الثقافة في المغرب / الأدب

الأدب

من الصعب تحديد أدب خاص بالمغرب قبل العصر الحديث. تاريخياً، كان هناك تقليد عميق من التحصيل العلمي، حيث وُلد وعاش كتّاب المغرب، غير أن مواضيع مثل القانون والتفسير الديني والفلسفة والعلوم كانت تندرج في إطار الأدب الإسلامي. كان الكتّاب المسلمون في القديم يتنقلون من منطقة إلى أخرى، وذلك عندما كانت المغرب تشكل جزءً من وحدة سياسية أكبر، كما في الفترة التي كانت فيه المغرب متحدة مع الأندلس. وفي عهد المرابطين (1040 – 1147)، ولد العلامة القاضي عياض بن موسى في سبتة وعمل في غرناطة قبل إعدامه على يد الموحدين، وُلد ابن باجة، وهو عالم استثنائي واسع الاطلاع كتب عن علم الفلك والنبات والفلسفة والموسيقى، في سرقسطة في إسبانيا وتوفي في فاس (ويعرف أيضاً بـ “آفيمبس”).

مع أن الموحدين (1147 – 1269) قمعوا أعداءهم، مثل القاضي عياض، إلا أنهم شجعوا العلماء ودعموهم. وكان أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد (ابن رشد) أهم هؤلاء العلماء، والذي وُلد في قرطبة وتوفي في إسبانيا. كما كان ابن رشد علاّمة في الطب وعلم الفلك والرياضيات والفيزياء وعلم الإلهيات والقانون والسياسة والموسيقى، وقبل كل شيء الفلسفة.

وقد ترجمت شروحاته لأعمال أرسطو إلى اللغة اللاتينية وكان لها أثر كبير على الفلسفة المسيحية في القرون الوسطى. غير أن أعماله لاقت معارضة شديدة من الموحدين الذين حرقوا جميع مؤلفاته على الملأ. ومن بين العلماء الموحدين الآخرين نذكر: ابن زهر (1094-1162)، طبيب وجراح؛ وابن طفيل (حوالي 1105-1185)، فيلسوف وروائي. كتب ابن طفيل رواية فلسفية عرفت بعنوان “حي بن يقظان”، وتروي قصة طفل ربته ظبية وعاش وحيداً في جزيرة صحراوية قبل أن يتعرف على الحضارة عن طريق شخص آخر منبوذ. ولاقت أفكاره حول دور الدين والعقل في المجتمع أصداء في إنكلترا بعد ترجمة الكتاب عام 1671، كما أنها أثرت على أفكار دانييل ديفو (1660-1731). والفيلسوف المشهور الآخر هو من أصل يهودي: موسى بن ميمون (1135-1204)، ويعتبر كتابه الميشناه تدوين أمين إلى حد كبير للشريعة اليهودية.

ظهر من سلالة المرينيين (1215-1420) رجلان جسّدا هذه الصفة العالمية: ابن بطوطة وابن خلدون. ولد ابن بطوطة (1304-1377) في طنجة، وأصبح من أهم الرحالة على مر التاريخ. توجّه لأداء فريضة الحج وأمضى معظم حياته في السفر عبر إفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا وآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا والصين، أكثر من 100,000 كم. وفي أيامه الأخيرة، عاد إلى المغرب وأملى أخبار رحلته على كاتبه ابن جزي. وُلد ابن خلدون في تونس عام 1332 وتوفي في القاهرة عام 1406. وتولى منصباً حكومياً في فاس وغرناطة وتلمسان، وكان قاضياً في القاهرة. ارتكزت مؤلفاته الكثيرة عن التاريخ، ومن بينها كتابه المعروف بـ “مقدمة ابن خلدون”، على تجاربه في خدمة الدولة كأساس لنظرية التطور التاريخي، وكان لها أثر كبير.

لم يكتب أي من ابن خلدون أو ابن بطوطة أدباً مغربياً صرفاً: كانت مؤلفاتهما حول الفلسفة والأسفار جزء من الحركات الثقافية العربية العامة، كما كانت أعمال شعراء مثل ابن بسام الشنتريني (توفي عام 1147) في عهد الموحدين، وأحمد بن عبدالله ابن عميرة (توفي عام 1259) في عهد المرابطين، وابن الخطيب (توفي عام 1374) في عهد المرينيين. وهؤلاء الثلاثة ولدوا في الأندلس.

في أوائل العصر الحديث، ظهرت ذات الأنماط في عهد السلاطنة السعديين وأوائل السلاطنة العلويين، غير أن الأدب المغربي الصرف بدأ يتجلى في كتب تاريخية محلية وقواميس السير الذاتية. ومن بين هذه الكتب التاريخية: “نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي” لمحمد الإفراني (1670-1745)؛ ومؤلفات محمد القادري (1712-1773). ووصف كلاهما الأحداث السياسية التي عصفت بدولة مزقتها الحرب الأهلية. وسعى غيرهم من الباحثين السياسيين المنظّرين، مثل أبو علي الحسن اليوسي (1631-1691)، إلى تفسير حالة الاضطراب ووضع حلول لها؛ كما انتقد اليوسي السلطان مولاي اسماعيل، واصفاً إياه بالطاغية. وكانت ذروة الأدب التاريخي كتاب حول تاريخ المغرب: “الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى”، للكاتب أحمد الناصري المولود في سلا عام 1834 أو 1835 والمتوفى عام 1897، في الوقت الذي خسرت فيه المغرب استقلالها تحت ضغوطات أوروبية. وقد وصف المراحل الأخيرة من انهيار الدولة بشكل دقيق.

الأدب الحديث

قصر الحمراء في غرناطة، أسبانيا
قصر الحمراء في غرناطة، أسبانيا

المفكر ابن رشد الذي عاش في القرن الثاني عشر، لوحة للفنان أندريا دو فيرنزي من القرن الرابع عشر
المفكر ابن رشد الذي عاش في القرن الثاني عشر، لوحة للفنان أندريا دو فيرنزي من القرن الرابع عشر

لم يظهر الأدب المغربي الحديث إلا بعد فرض الحماية عام 1912. وكان جيل الأدباء في عهد الحماية قليل العدد؛ ولم يبرز سوى شاعر واحد: محمد بن إبراهيم (1897-1955) المراكشي. غير أن شعره الذي مدح فيه محمد الخامس جعله موضع شك لدى الفرنسيين، كما أن أبياته التي كتبها تكريماً لـلباشا التهامي الكلاوي جعلت منه خائناً في نظر القوميين. وشهد جيل ما بعد الاستقلال ظهور أدب مغربي حديث أصيل، غالباً ما اتسم بطابع قومي: عبد الكريم غلاب (ولد في فاس عام 1917)، محرر صحيفة “العلم” اليومية التابعة لحزب الاستقلال، درس في جامعة القرويين في فاس وجامعة القاهرة، وتم نشر وترجمة عدد كبير من رواياته. تضم النسخة الرسمية من أعماله الكاملة خمسة مجلدات. وكان الشخصية الأكثر تحفظاً الشاعر والعالم محمد المختار السوسي (1900-1963)، كان وزيراً للأوقاف العمومية في عهد محمد الخامس. وفي أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، بدأ الروائيون المغاربة بنشر مؤلفاتهم: إدريس الشرايبي (1926 – 2007)، الذي اشتهر بروايته الفرنسية Le Passé Simple (الماضي البسيط) (1954)؛ ومحمد شكري (1947 – 1980) الذي كان من أسرة فقيرة نزحت من الريف إلى طنجة، وكان محسوباً على المؤلف الأمريكي Paul Bowles، الذي كان ينتمي إلى مجموعة من المؤلفين المغتربين الذين عاشوا في المنطقة في الستينيات (من بينهم William Burroughs و Jack Kerouac). كتب شكري أولى كتبه بمساعدة Bowles، ونُشرت أولاً باللغة الانكليزية ولاحقاً باللغتين العربية والفرنسية. ومن أعماله كتاب “الخبز الحافي”. وعلى غرار العديد من المؤلفين في ذلك الجيل، نشر الشرايبي كافة مؤلفاته باللغة الفرنسية.

من بين العوامل التي أثرت بشكل كبير على تاريخ الأدب المغربي: مجلة “Souffles” (أنفاس)، والتي بدأت كمجلة شعر عام 1966 ومن ثم توسعت لتغطي مجالات أخرى، كالرسم والسينما والمسرح والمقالات وغيرها من المؤلفات. تم حظر المجلة عام 1972، كما تعرض أحد مؤسسيها، الشاعر عبد اللطيف اللعبي (المولود عام 1941)، للسجن والتعذيب والنفي إلى فرنسا.

كتب الطاهر بن جلون (المولود في العام 1944)، الذي تعود أعماله الخيالية الأولى إلى الثمانينيات، باللغة الفرنسية. وفازت روايته “La Nuit Sacrée” (ليلة القدر) بجائزة Goncourt عام 1987 وتمت ترجمتها إلى أكثر من 40 لغة. كما فازت روايته “Cette aveuglante absence de lumière” (تلك العتمة الباهرة) بجائزة IMPAC Dublin Literary Award العالمية عام 2004. عام 2008، حصل بن جلون، الذي يعيش في فرنسا، على أعلى وسام فرنسي: وسام جوقة الشرف.

لا يقتصر الأدب المغربي الحديث على اللغة الفرنسية فقط: فهناك عدد من الأدباء المرموقين باللغة العربية. نشر محمد الأشعري (المولود في 1951 في مولاي إدريس زرهون) قصصاً قصيرة وأشعار ورواية واحدة بعنوان “القوس والفراشة” التي فازت بالجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2011. بنسالم حميش (المولود عام 1948 في مكناس) روائي وشاعر وفيلسوف. فازت روايته “مجنون الحكم” (1990) بعدد من الجوائز الأدبية؛ وفازت روايته “العلاّمة” (2001)، التي كتبها عن ابن خلدون، بجائزة نجيب محفوظ الأدبية.

© Copyright Notice
Click on link to view the associated photo/image:
©Fanack

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.