فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / الموصل بين ماضيها الحافل وحطام الحاضر

الموصل بين ماضيها الحافل وحطام الحاضر

صورة فوتوغرافية لمسجد النوري بالعراق. Photo/Library of Congress Prints and Photographs Division Washington, D.C. 20540 USA

نُشر هذا المقال على موقع The Conversation، وكتبته ستيفني مولدر الأستاذ المساعد في دراسات الشرق الأوسط، جامعة تكساس في أوستن

نشر موقع “The Conversation” مقالة سلّطت الضوء على ما شهدته الموصل من دمار خلال الفترة التي وقعت فيها هذه المدينة العراقية تحت سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” وما يعينه هذا الدمار من خسارة كبيرة على المستويات الدينية والثقافية والحضارية. وتقوم صاحبة المقالة ستيفني مولدر، أستاذة الفن والعمارة الإسلامية في جامعة تكساس الأمريكية، باستعراض ما تحفل به مدينة الموصل من تاريخ جامع بين الديانات السماوية الثلاث، وما تتمتع به تاريخياً من مكانة بارزة على المستويات التجارية والعلمية والثقافية.

وتعتبر مولدر من المتخصصين في تاريخ العمارة والآثار الإسلامية، حيث سبق لها العمل في العديد من المواقع الأثرية المنتشرة في منطقة أنحاء الشرق الأوسط. كما عملت لأكثر من عشر سنوات كرئيس لقسم لأخصائيي الخزف الذين سبق لهم العمل في مدينة “بالس” التاريخية السورية، وهي مدينة إسلامية تعود للقرون الوسطى في سوريا. وشهدت المسيرة المهنية لمولدر القيام بأعمالٍ فنية ميدانية واسعة النطاق في سوريا ومصر وتركيا ودول أخرى في المنطقة.

يناقش المقال أهمية مدينة الموصل من جوانب متعددة، ابتداءً من الناحية الروحية الدينية التي تمثلها المدينة للعديد من الديانات المختلفة كاليهودية والمسيحية والإسلامية، ومروراً بموقعها المتميز الذي جعل منها مركزاً تجارياً مهماً ومنارة للعلوم والمعرفة وملجأً للعديد من الأعراق والثقافات المتنوعة، وانتهاءً بما تمثله المدينة في وقتنا الحاضر.

وتستهل مولدر مقالتها بالإشارة إلى “الإرث اليهودي” الذي تحمله الموصل في جعبتها التاريخية، حيث تشير إلى الصلة التي تربط المدينة بعيد الغفران وقراءة اليهود لسفر “يونان” بالكامل في هذا العيد من كل عام. وتحوز قصة النبي يونس على حصّة الأسد من هذا السفر، وتدور أحداثها في مدينة نينوى التاريخية المجاورة للموصل. ويطلب اليهود بقراءة “سفر يونان” المغفرة من الله في جميع أنحاء العالم، طالبين بهذه القراءة التكفير عمّا قاموا بارتكابه من ذنوب.

ويتذكر اليهود في عيد الغفران القصة التي تحكي كيفية استدعاء الله لنبيه يونس وأمره له بالذهاب إلى مدينة نينوى ليدعو سكانها للتوقف عن ارتكاب المعصية والإقلاع عمّا يقومون بارتكابه من ذنوب. وتشير مولدر في مقالتها إلى أن النبي يونس التزم أمر ربّه بعدما أبدى تردداً في تنفيذ الأمر الإلهي، وهو ما دفعه بحسب الرواية الدينية إلى جوف الحوت. وكما هو معروف، فقد اتجه يونس إلى نينوى بعدما نجاه الله من الحوت، حيث نجح في دفع المدينة إلى اتباعه والتوبة والنجاة من الهلاك.

وتقع مدينة نينوى التاريخية بجوار مدينة الموصل في شمال العراق، وهو ما أدى إلى تدمير العديد من آثارها التاريخية أثناء سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” على مدينة الموصل.

وباعتبارها أخصائية معروفة في الفن الإسلامي، تشير مولدر إلى أنّ التاريخ الإسلامي لم يعتد تنفيذ أعمال مماثلة لما تم تنفيذه بصورةٍ متعمدة وعلى أسس أيديولوجية لتدمير هذه المواقع التاريخية. وقد ينظر الناس الموجودين خارج العراق إلى مدينة الموصل من زاوية الصراع الذي شهدته في الآونة الأخيرة، إلا أن ذلك لا يقّلل من تاريخها الغني والمتنوع، وهو ما يجعل منها إرثاً مهماً للعديد من الثقافات المختلفة.

ما الذي تم فقدانه في الموصل؟

Iraq- Mosul city
جامع النوري، الموصل.Photo AFP

لا يمكننا تحديد التاريخ الدقيق لتأسيس مدينة الموصل، إلا أن اليهود والمسيحيين والمسلمين كانوا يسمون هذه المدينة العريقة بـ”مدينة الأنبياء” خلال القرون الوسطى، حيث تنتشر بها العشرات من المقابر والأضرحة والمعابد والكنائس.

ويعتبر قبر يونس أكثر المقابر شهرةً في المدينة، تبجّل الديانات السماوية الثلاثة هذا النبي على حد سواء. ويرمز النبي يونس في الديانة اليهودية إلى التوبة، وهو ما يدفع اليهود لقراءة “سفر يونان” في يوم الغفران. وفي الإسلام، يستحضر النبي يونس قيم العدالة والرحمة والطاعة، والتي تعتبر نماذج مثالية ينبغي على الناس سلوكها.

وتتواجد في مدينة الموصل العديد من المواقع الأخرى المرتبطة بأنبياء آخرين: من بينها “دير إيليا” أو “دار إلياس”، وهو دير مسيحي يعود تاريخ تأسيسه إلى ما قبل 1400 عام، ليكون بذلك الدير الأقدم في العراق. ويقوم بزيارة هذا الدير العديد من الأشخاص من مختلف الأديان.

ومن المعالم التاريخية التي تزخر بها مدينة الموصل جامع النوري الكبير الذي قام نور الدين الزنكي، أحد أشهر الحكّام المسلمين، بتشييده في القرن الثاني عشر الميلادي. وكان المسجد يعتبر في فترة القرون الوسطى “آية الجمال والتميز”، حيث اشتهر بمنارته شاهقة الارتفاع. ويبلغ ارتفاع هذه المنارة التي تحمل اسم “الحدباء” 150 قدماً، لتكون بذلك أطول مئذنة في العراق. وسمّيت هذه المنارة بـ”الحدباء” لميلها من أحد الجوانب، كما لو كانت نسخة إسلامية من برج بيزا.

وكانت آلة التدمير التي انتهجها تنظيم “الدولة الإسلامية” قد طالت جميع الآثار آنفة الذكر، إذ لم يسلم من تخريب هذا التنظيم لا قبر النبي يونس ولا دار إلياس. وعلاوةً على ذلك، فقد تم تدمير جامع النوري في يونيو 2017.

مركز تجاري وفكري عالمي

لطالما اشتهرت مدينة الموصل بكونها من المراكز الهامة للتجارة والتبادل العلمي. وتحظى هذه المدينة العريقة بموقعٍ هام على طريق الحرير الممتد عبر الجبال والصحاري والسهول في ثلاث قارات. وسبق استخدام هذا الطريق في نقل البضائع الغريبة والمتنوعة عبر تلك الأراضي التي كانت تبدو بعيدة عن بعضها البعض. واشتهرت الموصل نفسها في العصور الوسطى بتقديمها للأدوات المعدنية الفاخرة أو المطعمة بالمعادن.

وكانت المدينة، بوصفها مركزاً لهذا التبادل، موطنًا لمجموعات متنوعة من الناس، حيث سكنها العرب والأكراد والأيزيديين واليهود والمسيحيين والسُنّة والشيعة والصوفية وعشرات من القديسين والأولياء في العديد من الأديان.

كما كانت مركزاً للشعراء والباحثين والفلاسفة، مثل الموصلي، وهو فيلسوف عاش خلال القرن العاشر، وعالم الفلك القبيسي في القرن الحادي عشر، وهو أحد علماء الفلك المشهورين في الموصل الذي أسهم في صياغة نقد النظرية التي تجعل الأرض مركز الكون. ووجدت هذه النظرية الجديدة طريقها في نهاية المطاف إلى أوروبا ليبني عليها كوبرنيكوس نظريته الخاصة بـ”النظام الشمسي”. وأخرجت مدينة الموصل أيضاً واحداً من أشهر المؤرخين في الإسلام، وهو ابن الأثير، الذي أكمل كتابه العظيم “الكامل في التاريخ” في المدينة عام 1231م.

وشهدت مدينة الموصل كتابة العديد من الأعمال الهامة في الرياضيات، ومنها نقد لعالم الرياضيات الإغريقي أقليدس تمت ترجمته لاحقاً إلى اللغة اللاتينية. كما تم تحقيق العديد من الإنجازات الطبية المتميزة في هذه المدينة، بما في ذلك الوصف المبكر لكيفية إجراء جراحة العين، وبما يكفل إزالة إعتام عدسة العين.

وتشير مولدر إلى مدى أهمية المساجد في التاريخ الإسلامي بوصفها الأماكن التقليدية لتدريس وتناقل العلوم والمعارف، مشيرةً إلى احتمال مناقشة وصياغة واشتقاق أفكار هؤلاء العلماء داخل أسوار جامع النوري.

ولم يقتصر الدور الثقافي الذي لعبته مدينة الموصل على العصور الوسطى، بل امتد هذا الدور ليصل إلى العصور الحديثة. وتزخر المدينة بمجموعة من أهم المتاحف والمكتبات والجامعات في العراق، بما في ذلك كلية الطب الشهيرة.

معنى جامع النوري في العراق

Iraq- Great Mosque of al-Nuri in Mosul
صورة تظهر ما تعرّضت له جامع النوري التاريخي من دمار خلال الهجوم الذي شنته الحكومة العراقية لاستعادة مدينة الموصل من تنظيم “الدولة الإسلامية”. المصدر. Photo AFP. ©Fanack

شهد جامع النوري الكثير من التغيّرات على مرّ العصور، إلا أن ذلك لم يطل مكانته كرمز محبّب للمدينة القديمة وتراثها المتنوع. وخضع الجامع في عام 1942 لعملية ترميمٍ كبيرة لم تشمل المنارة ومحراب الصلاة وبعض الأعمدة. ومع ذلك، لم يفقد الجامع قيمته في أعين أبناء الموصل، لا بل ظهرت صورته على الورقة النقدية العراقية من فئة 10 آلاف دينار.

وعندما استولى تنظيم “الدولة الإسلامية” على المدينة في يونيو / حزيران من عام 2014، حاول مقاتلو التنظيم تفخيخ جامع النوري بالمتفجرات، لكن سكان الموصل قاموا بتشكيل سلسلة بشرية لتكون بمثابة درع لحماية الجامع.

وبعد بضعة أسابيع فقط، وقف أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم “الدولة الإسلامية” على منبر الجامع نفسه معلناً عن قيام “خلافته”.

الموصل بين الماضي والمستقبل

بدأت الموصل بالفعل في إعادة بناء جامعها المتضرر، ومقدساتها اليهودية وكنائسها. وترى مولدر أن فقدان هذه المواقع سيجعل من الصعب على المقيمين خارج العراق استيعاب التنوع الفكري والديني الذي لم يكن يميز مدينة الموصل فحسب، بل منطقة الشرق الأوسط بأكملها. وتلفت صاحبة المقال الانتباه إلى أن صعوبة استيعاب هذا التنوع تعود إلى معرفة العالم للموصل عبر ما تم نشره من قصص صحفية عن الحرب والتعصب.

وتشير مولدر إلى أن المسيحيين واليهود والمسلمين عاشوا في حالة تعاون براغماتية في معظم تاريخهم على الرغم من بروز الصراعات بين الحين والآخر. وتختم مولدر مقالتها بصورةٍ رمزية عندما أشارت إلى أن مسيحيي الموصل هم أول من لاحظ ميل منارة “الحدباء” وعدم استقامتها، لافتةً إلى أن المسيحيين فسروا هذا الميل بكونه تقرّب من قبر السيدة مريم العذراء.

ملاحظة: تم نشر هذا المقال باللغة الإنكليزية على موقع “The Conversation”. لقراءة النص الأصلي، يرجى النقر هنا.

The Conversation

© Copyright Notice
Click on link to view the associated photo/image:
©Fanack

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.

  • تحدياتٌ كثيرة تعزّز من صعوبة فرض حظر السلاح في ليبيا

    يقتضي حدوث هدنة مستقرة في ليبيا لإرساء نظام كفء وفعَّال لحظر الأسلحة. ومن المستبعد أن يشهد الشعب الليبي – المستفيد النهائي – أي تحسن في القريب العاجل. إذ أدَّت سنوات من التدخل الدولي إلى وجود العديد من الدول التي تملك مصالح راسخة في ليبيا، ولا أحد على استعداد لتحمل الخسائر حالياً.
  • الشرق الأوسط أكثر اضطراباً من أي وقتٍ مضى

    مع كلّ أسف، قد تزداد هذه التطورات سوءاً حتى ظهور جيلٍ جديد من القادة يحاول بجدّية الالتزام بحلّ هذه النزاعات بطريقةٍ إنسانية وعادلة لضمان دوام الاستقرار.
  • آن الأوان لإنهاء نظام المحاصصة الطائفية مع استمرار الاحتجاجات

    تحتاج مؤسسات تقاسم السلطة إلى تفكيك ما يعيشه لبنان من حالة تفسيرٍ ضيّقة للنص. وتمثّل هذه الاحتجاجات لحظة مفصلية لبدء حوارٍ وطني عن كيفية توسيع أسس احتواء الجميع في الحياة السياسية اللبنانية. المحتجون استطاعوا حتى هذه اللحظة التضامن مع بعضهم البعض، متجاوزين بذلك حدود الطائفية والطبقية والجندرية وهو ما كان مستحيلاً في السابق. وقد يكون هذا التضامن طريق العبور إلى مستقبل ما بعد طائفي، سواءً أكان ذلك بنظامٍ يكفل تقاسم السلطة أو بدونه.