تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

ناس الغيوان: ظاهرة مغربية في الفن الملتزم

ناس الغيوان
صورة غلاف ناس الغيوان. المصدر: ويكيميديا كومنز

يوسف شرقاوي

يمكن أن نتعرّف على المغرب من خلال موسيقاه، إذ يتميّز بتنوع هائل في الموسيقى التي تختلف في سياقاتها التاريخية والجغرافية وطبيعة نشأتها والظروف التي ساعدت على إيجادها. كما أنّ الموسيقى المغربية تعكس موقع البلاد كنقطة التقاء للثقافات البربرية والعربية والأوروبية

من هذا التنوع، تُعَد تجربة فرقة ناس الغيوان مختلفة. فهذه التجربة كانت معادلاً من حيث الكلمة والصوت واللحن والإيقاع والمضمون لفكر الشعب المغربي وتطلعاته. استطاعت أن تعبّر عن العناصر المختلفة والمتكاملة للهوية المغربية، وأن تكون صوتاً للفئات الاجتماعية الواسعة، على اختلافاتها. وكان ذلك عبر “تعبيراتها الثقافية المحلية، ورؤيتها إلى العالم، ونماذجها المعرفية والواقعية، في إطار متكامل ومتفاعل مع روافدها المحلية التاريخية والعربية والإثنية والاجتماعية، ومع آفاقها الإقليمية والإنسانية”.

يعتبر الباحثون النص الغنائي لناس الغيوان أداة من الأدوات الاجتماعية الذاتية للارتباط بالجذور وتجديدها وتجذير الارتباط بها. “إنها تعبير عن ظاهرة التنوع الغني المؤسس للوحدة والاندماج داخل دائرة مغربية وطنية وعربية وإسلامية وإنسانية”.

النشأة التاريخية

ظهرت مجموعة ناس الغيوان في بداية السبعينات من القرن الماضي، خلال حقبة يمكن أن نستشفها من أغاني المجموعة نفسها. تلك الحقبة شهدت “تشكّل الدولة الرأسمالية المُصنّعة، وتراجع الاستعمار العسكري، وبروز الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية”. على الطرف الآخر، انبثقت المجموعة بحسب الكاتب محمد همام مع “تفجّر سؤال القلق والبؤس والتمرّد، خصوصاً في العالم الثالث”.

ويرى الباحث محمد الريحاني أن ظهور المجموعة كان له رد فعل مزدوج، أولاً لإعادة الاعتبار للأغنية الشعبية بمقاماتها وأغراضها وأدواتها الموسيقية. وثانياً، لمواجهة المد الخانق لهيمنة الأغنية التجارية والإيقاعات الجغرافية في الفن العربي عموماً.

يقول الباحث محمد همام عن نشأة المجموعة: “فجأة، اكتشف الجمهور المغربي موهبة مجموعة من الشباب على خشبة المسرح البلدي بالدار البيضاء، يرددون تعابير غنائية شعبية ساخرة، تحمل في عمقها رسائل مشفرة من النقد الاجتماعي والسياسي اللاذع. تعابير تنهل من التراث المغربي والعربي. تستثمر غناه وعمقه للتعبير عن قضايا الناس، مع استيعاب مكونات الجغرافيا الثقافية المغربية، والاستفادة من فضاء الدار البيضاء كمدينة كبيرة وملتقى الثقافات الشعبية والتعبيرات الفنية الوطنية”.

التصوف والفن الملتزم

في كتاب الناقد عبد الله الحيمر “ناس الغيوان، خطاب الاحتفالية الغنائية“، يكشف أنّ الدواخل الفنيّة للمجموعة توفرت على مقومات الزمن المغربي الوسيط ومن التصوف المغربي الذي تزامن مع عصر الثورات والفتن الداخلية. وكان عنوان هذا التصوف هو الشاعر عبد الرحمن المجذوب، الذي يُشبّه العربي باطما، واحد من مؤسسي المجموعة، بنفسه.

“كما انعقد الإسلام والثورات على روح الرفض والتغيير والتبديل، انعقدت كذلك ناس الغيوان على هذا الصراط”. يقول الحيمر: “لقد حملت مجموعة ناس الغيوان في دواخلها هذا الزمن الوسيط المغربي. تمثّلوا الماضي كذاكرة شعبية. منحوا جمالية لاحتفالية غنائية لطقوس لم تكن معهودة، إلا في ثقافة المواسم والزوايا وليالي الحضرة والجذبة، بالنهل من الشعر الصوفي المنتشر في المغرب كثقافة المواسم والزوايا والاحتفالات الدينية. الغناء الذي اعتمدته فرقة ناس الغيوان نهل من هذا التراث الصوفي وتماهى معه أحياناً، ولكن بإسقاط معاصر.

ويضيف الحيمر: “لقد كانوا أصحاب رسالة ومشروع. غنوا للناس بكلامهم اليومي المعتاد. دخلوا في بيوتهم وأعمالهم وحقولهم ومراعيهم. خاطبوا المرأة والأرض والسلام والحرية والحروب والمهاجرين ومعاناة الاغتراب، وغيرها من القضايا المستنبتة من الواقع المغربي والعربي. كانوا رسلاً جدداً للأغنية الشعبية المغربية”.

من رحم الحرمان في الحي المحمدي، ومن رحم الاحتفالية الدينية الصوفية، ولدت ناس الغيوان. في مسرح “الطيب الصدقي” بدايةً، ثم من فكرة “بو جمعة أحكور” المُلقَّب “بوجميع”، انبثقت فكرة “الدراويش الجدد”، حتى عثر بوجميع على اسم “ناس الغيوان”، داخل التراث الصحراوي المغربي الأصيل.

وترى الكاتبة نورة عبيد أن “ناس الغيوان هم أهل الترحال والتجوال، وناس المحبة والخير والسلام، أهل الفهامة والعشق والغرام”. خمسة شبان هم: بوجميع أحكور، العربي باطما، عبد الرحمن قيروش (باكو)، علال يعلى، وعمر السيد”.

تأثر أعضاء المجموعة كبقية أبناء جيلهم برياح موجة التحرر التي عرفها العالم آنذاك. ولم يكن همهم السعي وراء الشهرة أو المال، ولكن التحدث باسم المهمشين والدعوة إلى التشبث بالهوية. ووفقاً للكاتب نوفل الشرقاوي، فإن “ما يفسر الشعبية الكبيرة التي حققتها المجموعة كونها اعتمدت نهجاً فنياً ملتزماً. التزمت صوت الفقراء والمقهورين الذين لم يكونوا يجرؤون على التعبير علناً عن معاناتهم، في فترة طبعها التضييق على الحريات، كما واكبت هموم الأمة العربية ومآسي القارة الإفريقية”. استطاعت ناس الغيوان أن تشكّل محاولة “لإعادة إنتاج الاندماج الاجتماعي الذي فكّكه الاستعمار الفرنسي. وكانت مثلاً لبقية شباب المغرب الكبير من حيث مدى الاقتناع بالهوية والحرص على التشبّث بالثقافة الشعبية الأصيلة”.

يوصف مؤسسو المجموعة بكلمات الباحث مصطفى حركات أنهم: “قالوا بصوتٍ عالٍ: لماذا أكون ضحية للصمت؟” أو علي شرف الذي يقول: “تتجلى القوة التي تميزوا بها في أنهم كانوا يجهرون بكل ما كان سراً”.

تعددية المجموعة وإنتاجها

استثمرت ناس الغيوان الموروث المغربي الشعبي، سواء على صعيد التراث الشفوي، أو اللغة اليومية المتداولة. كما أنها رجعت إلى ألحان شعبية نابعة من الموسيقى العامية، “ومن منابع لحنية منغرسة في جذور الناس”. بذلك، كما يقول محمد همام، أخرجت المجموعة ألحان الفقراء وأهازيجهم وصخبهم من التهميش والفضاءات المغلقة إلى التداول العام عبر الخشبة والحفلات داخل المغرب وخارجه.

استطاعت أيضاً، استعادة الجمهور المستلب غربياً إلى أصوله المغربية والعربية وتجذير جذوره وأصوله. وبعثت الحياة في الإيقاعات المطمورة وموسيقاها المهمشة.

جاء خيار المجموعة خارج الخيارات الموجودة، الاستعمارية أو السلطوية أو الحزبية. “خيار فني بتعابير موسيقية وإيقاعية تنتمي إلى مناطق المغرب السهلية والجبلية والصحراوية كلها؛ كالعيطة والملحون وكناوة (إيقاع أفريقيا)، وأنغام الجنوب (الصحراء)، وعبيدات الرمى، واللحن الشرقي العربي الأصيل، واللحن الأمازيغي (أجماك”).

يقول الباحث محمد سعيد الريحاني إنّ الضامن الأهم للفلسفة الغيوانية هو التعددية، حيث تميّز هذه المجموعة عن نظيراتها من مجايليها داخلياً وخارجياً. “فقد كانت المجموعة جسراً تعبر من خلاله مفاهيم التعددية والاختلاف إلى الجمهور. حيث بالإضافة إلى “التعددية الإيقاعية” التي نهجتها المجموعة بحثاً عن تعبير أصدق يوحد الشكل بالمضمون، و”التعددية الغرضية” التي راوحت بين الرثاء والوصف والحكم والغزل والتصوف ومدح النبي. ثمّة “تعددية وجودية” غذّت هذه الفلسفة الغيوانية ورعتها لم تكن في الأصل غير “التعددية الإثنية” لأفراد المجموعة. فقد كان بوجميع صحراوياً، وعلال يعلى وعمر السيد أمازيغيين، وعبد الرحمن باكو صويرياً والعربي باطما من قبائل الشاوية”.

حاجة ومغامرة إنسانية

ناس الغيوان
صورة تم التقاطها يوم ٩ ديسمبر ٢٠٠٧ للمخرج الأمريكي المعروف مارتن سكورسيزي (يمين) وهو ينصت للمغني المغربي عمر السيد أثناء تصوير فليم “الحال” الذي أخرجه المغربي أحمد المعنوني وذلك في ساحة جامع الفناء في مراكش، وذلك على هامش المهرجان الدولي للفيلم في مراكش. وجرت فعاليات المهرجان حتى الخامس عشر من نفس الشهر بمشاركة ١١٠ أفلام. المصدر: ABDELHAK SENNA / AFP.

يعبّر عمر السيد، رئيس المجموعة اليوم، أنّ تأسيس ناس الغيوان في الظروف السياسية والاجتماعية التي كان يعيشها المغرب بداية السبعينات مغامرة إنسانية. استمدت قوتها من بساطتها ومن صدقها. “صدق يتجسد في دموع الأمهات المتلفعات بالرداء الأطلسي، أو الجلباب الأمازيغي، وهنّ يرددن أغاني ناس الغيوان، ويبعثن عبرها رسائلهن وآهاتهن إلى أبنائهن المسجونين أو المختطفين. خصوصاً أنّ أغلب نصوص مجموعة ناس الغيوان كتبتها أمهاتهم؛ أمي مينة (والدة بوجميع)، وأمي حادة (والدة العربي باطما)، وأمي الضاوية (والدة عمر السيد”).

كانت ناس الغيوان حالة انبثاقية لحاجة اجتماعية، بتعبير محمد همام. كانت حاجة المجموعة الوطنية الواسعة والمهمشة إلى ضمير وروح وذاكرة في شكل تمظهرات جمالية وحسية. لقد كانت ناس الغيوان استجابة عفوية لمرحلة حرجة عاشها المغرب، وتحولات معقدة يعيشها العالم يومذاك. فاختطت المجموعة لنفسها مساراً بعيداً عن استقطابات السلطة والأحزاب، للتعبير عن القضايا الوطنية التي يعيشها المواطن العادي، أو التي يتفاعل معها بحكم انتمائه القومي إلى الأمة العربية. أو من خلال انفتاحه التلقائي على معاناة الإنسان المحروم في كل مكان.

“كانوا مخلصين لجذورهم ومآثر الإخاء والانتماء الجماعي ولمتخيل شعب بأكمله” كما يقول المفكر المغربي الطاهر بن جلون. أو بقول عبد الله الحيمر: “صرخوا صرخة الاحتفالية الغنائية؛ ليعيدوا التوازن النفسي لمخيلة شعب بأكمله. كسروا حاجز الصوت، بالحكمة والكلمة الموزونة، وبالإيقاع الشجي، كانوا منارات تهتدي بها الطبقة المهمشة والمسحوقة في ظلمات الروح، وتكسر الأفق المسدود، وتزرع بذور الأمل والفرح في جسد الذات المغربية. فتحوا أبواب الاحتفالية الغنائية نحو نداءات المستقبل المؤجلة”.