الصفحة الرئيسية / الموسيقى في الشرق الأوسط / مُقدمة عن الموسيقى في إيران

مُقدمة عن الموسيقى في إيران

Music- Tehran Symphony Orchestra
موسيقيون من أوركسترا طهران السيمفونية يقدمون عرضاً في قاعة الوحدة في طهران، 19 أبريل 2017. Photo AFP

لتطور الموسيقى في إيران جذورٌ ما قبل التاريخ، إذ كان هناك أدلة وافرة من حقبٍ مختلفة أن الإيرانيين القدماء كانوا يتمتعون بثقافةٍ موسيقية رفيعة المستوى، حيث تظهر الوثائق التاريخية أن العصر الساساني (226-651 بعد الميلاد) كان يمتاز بثقافة موسيقية تنبض بالحياة. فقد كان باربَد ونكيسا ورامتین من بين موسيقيي تلك الحقبة الذين خُلدت أسماؤهم وأعمالهم إلى يومنا هذا.

كان ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي والفتوحات العربية لإيران نقطة تحولٍ في مختلف الفنون التعبيرية في المنطقة. أصبحت الموسيقى الفارسية، بالإضافة إلى العناصر الثقافية الفارسية الأخرى، العنصر الرئيسي في ما تم الاعتراف به منذ ذلك الحين على أنه “الحضارة الإسلامية.” فقد كان الموسيقيون وعلماء الموسيقى الفارسيون أصحاب النفوذ في الثقافة الموسيقية للإمبراطورية الشرقية الإسلامية. ويعتبر الفارابي (870-950 ميلادي)، وابن سينا (970-1037 ميلادي)،  والرازي (853-935 ميلادي)، وصفي الدين الأرموي (1216- 1294 ميلادي) بعض علماء الموسيقى الفارسية البارزين من الحقبة الإسلامية المبكرة. وعلى الرغم من أن الدولة الصفوية (1499- 1746) كانت تعتبر العصر الذهبي الجديد للحضارة الفارسية، إلا أن العقود اللاحقة التي أعقبت الحكم الصفوي أدت إلى فترةٍ من الركود السياسي والثقافي. في هذه الفترة، كان يُنظر إلى الموسيقيين باستنكار ولم تُعتبر الموسيقى مهنةً نبيلة. وعلى الرغم من ذلك، خلال القرن التاسع عشر، تغير شكل الموسيقى الإيرانية من خلال تطوير علامات لحنية كلاسيكية تعرف باسم الرديف.

تزامنت بداية القرن العشرين مع الثورة الدستورية في إيران. كانت هذه محاولة لإحداث ثورةٍ في النظام السياسي من خلال جعل الملك مسؤولاً بالمطلق أمام البرلمان الإيراني الجديد. كما كان هناك أيضاً دعوة للتغيير الثقافي من قبل النخبة الاجتماعية -السياسية الإيرانية. أدى الركود الاقتصادي والسياسي وتزايد تعرّض المفكرين الإيرانيين للأفكار الغربية إلى تغييرٍ جذري في المجتمع، الأمر الذي عاد بالفائدة على الأدب الإيراني وجميع أشكال الفنون بما في ذلك الموسيقى. فقد تأسست أوركسترا طهران السيمفونية في عام 1933، والتي تعدّ أقدم أوركسترا سيمفونية في البلاد.

ومع ظهور الإذاعات في ثلاثينيات القرن الماضي، تطورت موسيقى البوب في إيران بسرعةٍ كبيرة. روجت الإذاعات لمختلف الأساليب الموسيقية مثل الرومبا والتانغو والفالس. وعلى الرغم من أن موسيقى البوب الإيرانية كانت في البداية مجرد محاكاةٍ للموسيقى الغربية، إلا أنها وجدت في وقتٍ لاحق هويتها الخاصة. فقد ساهم ظهور نجوم بارزين في عالم الموسيقى أمثال فيكن وعارف في تنامي شعبية موسيقى البوب بشكلٍ كبير بين الشباب. فقد كان فيكن (1929-2003) موسيقي أرمني- إيراني من خلفيةٍ متواضعة الذي بات يُعرف فيما بعد بـ”سلطان البوب الإيراني.” كما أضاف مظهره الجيد ولياقته البدنية إلى جاذبيته باعتباره أول نجم بوب في إيران، وبخاصة بين الشابات الإيرانيات في وقتٍ كانت تترسخ فيه أفكار التحرر والليبرالية في الخمسينيات والستينيات.

وإلى جانب نجوم الموسيقى الذكور أمثال فيكن وعارف، برزت أيضاً نجمات كبار أمثال دلكش (1925- 2004)، التي كانت واحدةً من أبرز المطربات الإيرانيات وأكثرهنّ شعبية. فقد بدأت الغناء أمام الجماهير في عام 1934، وتم توظيفها من قِبل راديو إيران عام 1945، وعملت مع بعض من أفضل الموسيقيين في البلاد. كما ألهمت العديد من المطربات أمثال مرضية وهايده، اللواتي حظين فيما بعد بشعبيةٍ كبيرة.

كان طنين أول استوديو محترف في إيران، والذي كان مؤثراً وناجحاً للغاية، إذ كانت الموسيقى التي خرجت من الاستوديو جديدةً ومبتكرة.

وخلال الستينيات والسبعينيات، ازدهرت موسيقى البوب الإيرانية وتم إنشاء منصات جديدة لعرض المواهب الناشئة. وهنا، يستحيل أن نتحدث عن الموسيقى الإيرانية في السبعينيات دون ذكر گوگوش (المولودة عام 1950)، التي كانت أشهر مغنية في البلاد.

فقد كانت گوگوش في أوج مسيرتها الفنية وكان يتم تقليدها إلى حدٍ كبير من قبل النساء الإيرانيات. فبالإضافة إلى الاستماع إلى موسيقاها، كانوا يقلدون ملابسها (التنانير القصيرة)، وقصة شعرها القصير (المعروفة باسم گوگوشي). بعد الثورة، بقيت گوگوش في إيران إلا أنها تمكنت في النهاية من مغادرة البلاد. وبعد عقدين من التزامها الصمت، عادت لتواصل مسيرتها الفنية مرةً أخرى في الغرب. واليوم، تقدم حفلاتٍ موسيقية منتظمة ولا تزال تحظى بشعبيةٍ كبيرة بين الإيرانيين وغيرهم من المتحدثين باللغة الفارسية في جميع أنحاء العالم.

وعلى الرغم من أن البوب لا يزال النوع الموسيقي الأكثر شعبيةً في البلاد، إلا أن موسيقى الروك بدأت تحطى بأتباعٍ أيضاً. ففي السبعينيات، كانت تربط إيران علاقاتٍ جيدة بالغرب، كما أنشأت الحكومة العديد من المسارح للموسيقيين الإيرانيين للتفاعل مع نظرائهم الغربيين. فقد كان مهرجان شيراز الفني الذي أقيم سنوياً من عام 1967 إلى عام 1977 أهم منصةٍ دولية للفنون والموسيقى في إيران.

وبالإضافة إلى النوادي الليلية وقاعات الحفلات الموسيقية على الطراز الغربي، بثت محطات الإذاعة والتلفزيون الإيرانية أيضاً العديد من الموسيقى الغربية، مما ساعد على إنتشار موسيقى الروك. في هذه الفترة، ظهر بعض الموسيقيين الرائدين مثل كورش يغمايي (المولود عام 1946) ليضعوا أسس موسيقى الروك الإيرانية، التي نجت من الثورة في عام 1979 وسياسات الأسلمة في الجمهورية الإسلامية.

وفي العقد الأول ما بعد الثورة، والذي أعقبته الحرب الإيرانية العراقية، تم تقويض الموسيقى الإيرانية بشكلٍ جذري. آنذاك، لم يتم بث أي نوع موسيقي آخر على المحطات الإذاعية والتلفزيونات الرسمية، سوى بعض الموسيقى التقليدية والعسكرية. ومع ذلك، خلال الثمانينيات، بدأ الموسيقيون الإيرانيون الذين انتقلوا إلى الغرب، وبالأخص إلى الولايات المتحدة الأمريكية، إنتاج وإطلاق الأغاني الإيرانية التي تم تهريبها إلى إيران عبر قنوات مختلفة غير ظاهرة. وأصبحت مدينة لوس أنجلوس المركز الرئيسي للإنتاج الموسيقي الإيراني، الذي كانت تهيمن عليه موسيقى البوب.

وقبل التسعينات، كانت الموسيقى الكلاسيكية الفارسية هي النوع الوحيد الذي كان يحظى بإنتاجٍ محدود وقيودٍ تتعلق بالتوزيع. الشخصيتان البارزتان في هذا المجال هما محمد رضا شجريان وشهرام ناظري اللذان لا يزالان يتمتعان بشعبية هائلة في إيران.

وفي التسعينيات، مع انتخاب الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، تغير المناخ الاجتماعي السياسي، وأصبحت الحكومة أكثر تسامحاً مع الموسيقى المستوحاة من الغرب.

مهد هذا الطريق لظهور فنانين محليين جديد مثل شادمهر عقیلی، الذي كان قادراً على التنافس مع الموسيقيين الإيرانيين من لوس أنجلوس الذين هيمنوا على البوب الفارسي لما يقرب من عقدين من الزمان.

وعلى الرغم من أن القوانين والقيود أجبرت عقيلى في نهاية المطاف على مغادرة إيران، إلا أنه وزملاؤه الرائدون قد مهدوا الطريق أمام مشهدٍ مزدهر لموسيقى البوب. واليوم، يُقيم نجوم بوب أمثال محسن یگانه حفلاتٍ موسيقية بشكلٍ منتظم في طهران وغيرها من المدن الإيرانية. وانطلاقاً من ذلك، لا يزال هناك الكثير من الضغوطات التي تمارسها القطاعات الأكثر تشدداً في النظام ممن يواصلون رفض إقامة مثل هذه الأحداث الموسيقية. وتنشط هذه القوى شديدة التحفظ في المدن المقدسة على وجه الخصوص، مثل مدينة مشهد، حيث يطالبون بفرض حظرٍ كامل على الموسيقى المستوحاة من الغرب.

وبالإضافة إلى البوب، كان هناك تطورٌ سريع للأنواع الموسيقية الأخرى مثل موسيقى الراب والروك، التي تحظى اليوم بمتابعةٍ هائلة في إيران. وعلى الرغم من أن العديد من فرق موسيقى الراب والروك لا تزال تعمل تحت الأرض، إلا أن البعض منهم تمكن من إقامة حفلاتٍ جماهيرية في السنوات الأخيرة.

على الرغم من بعض التغييرات الجذرية التي حصلت منذ السنوات الأولى للثورة الإسلامية، لا زالت الدولة مترددةً في منح المزيد من الحرية للموسيقيين للتعبير عن أنفسهم. وتواجه النساء، على وجه الخصوص، قيوداً متشددة عندما يتعلق الأمر بإنتاج الموسيقى ونشرها. وعلى الرغم من أن بإمكان النساء العزف على الآلات الموسيقية على خشبة المسرح، إلا أنه لا يُسمح لهنّ بالغناء منفرداتٍ في الأماكن العامة. ونتيجةً لذلك، تنتج المطربات المنفردات أغانيهنّ في الخارج.

image_pdfimage_print