فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / الموسيقى في الشرق الأوسط / موسيقى الروك في إيران

موسيقى الروك في إيران

بالرغم من أن أغاني الروك الإيرانية غالباً ما يتم تأديتها باللغة الفارسية، إلا أن هناك موسيقيين داخل وخارج البلاد على حد سواء ممن ينتجون أغانٍ لموسيقى الروك بلغاتٍ أخرى بما فيها الإنجليزية. فقد تأثر هذا النوع إلى حدٍ كبير بموسيقى الروك الأمريكية والبريطانية، إلا أنه أيضاً يمتلك عناصره المميزة، ليخلق موسيقى منتجة محلياً. وسواء كانت من موسيقى الهيفي ميتال، الهارد روك أو البروغريسف روك، إلا أنه كان هناك العديد من الحركات منذ السبعينات. وبالرغم من القيود التي تفرضها الدولة، تزدهر موسيقى الروك سواء كانت من الموسيقى المستقلة أو السائدة تحت رقابة الجمهورية الإسلامية.

خلال الستينيات والسبعينيات، ازدهرت موسيقى البوب الإيرانية وفي فترةٍ زمنيةٍ قصيرة نسبياً كانت تسيطر على المشهد الموسيقي في البلاد. حتى في الوقت الذي ظلت فيه موسيقى البوب أكثر أنواع الموسيقى شعبيةً، بدأ الروك يكتسب شعبيةً بين الشباب. ففي سبعينيات القرن الماضي، كانت إيران ترتبط بعلاقاتٍ دافئة مع الغرب، وأنشأت الحكومة العديد من المنصات للفنانين والموسيقيين الإيرانيين للتفاعل مع نظرائهم الغربيين. ولربما كان مهرجان شيراز الفني، الذي أقيم سنوياً من عام 1967 إلى عام 1977، أهم مسرحٍ للفنون والموسيقى في إيران، فضلاً عن كونه يتمتع ببعد دولي قوي للغاية. وبالإضافة إلى النوادي الليلة وقاعات الحفلات الموسيقية ذات الطابع الغربي، كانت تبث محطات الإذاعة والتلفزيون الإيرانية مختلف أنواع الموسيقى الغربية، مما ساعد على إنتشار شعبية موسيقى الروك. وخلال هذه الفترة، ظهر بعض الموسيقيين الرائدين الذين وضعوا أسس موسيقى الروك الإيرانية، والتي نجت من الثورة وسياسات الأسلمة للجمهورية الإسلامية.

ولا يمكن للمرء الحديث عن موسيقى الروك في إيران دون الإعتراف بدور كورش يغمايي (مواليد عام 1946)، الذي لعب دوراً جوهرياً في تمهيد الطريق لظهور موسيقى الروك في إيران. وبحسب مجلة فايس “طوال السبعينيات، كان أحد الآلهة الجوهريين في العزف على الجيتار- عازف روك وسيم، بشعره الطويل وشاربه المفتول، ليحاكي فترة ما بعد ألبوم سيرجنت بيبر للبيتلز وجورج هاريسون، والذي مزج بسلاسة ما بين الروك النفسي الجريء مع الكلمات السوداوية متأثراً بالشعراء الفارسيين من القرن الحادي عشر.” وتعتبر أغنيته ” گل یخ،” (زهرة الصقيع) التي لا يزال يستمع إليها الناس من مختلف الفئات العمرية، أكثر أغاني يغمايي الحية طوال هذه السنين.

وكانت فرقة Black Cats من أوائل فرق الروك الإيرانية التي ظهرت على الساحة الإيرانية وذلك في عام 1960 وبدأت العزف في نادي كوجيني في العاصمة طهران. فقد بدأت العديد من الموسيقيين الإيرانيين الرئيسيين، بمن فيهم فرهاد مهرداد، مشوراهم الفني مع فرقة Black Cats. وبالرغم من أن الفرقة انتقلت تدريجياً إلى موسيقى البوب، إلا أن فرهاد أصبح أحد الشخصيات الرائدة في عالم موسيقى الروك الإيرانية قبل ثورة 1979. وقبل الإنتفاضة، أصدر فرهاد بعض الأغاني التي حملت رسائل ثورية، والتي حظيت بشعبية، على وجه الخصوص، بين الأشخاص الذين كانوا غير راضين عن المناخ السياسي في البلاد آنذاك.

وبالرغم من أن مغنين أمثال فرهاد كانوا صوت الموسيقى المناهض للمؤسسة في إيران، إلا أنهم سرعان ما وجدوا أنفسهم في أعقاب الثورة مباشرةً في بيئةٍ سياسيةٍ عدائية. فقد اعتبرت الحكومة الإسلامية، التي حملت راية أسلمة الفضاء العام، أن موسيقاهم تُشكل خطراً على الأخلاق العامة. ونتيجةً لذلك، واجه نجوم الروك السابقين الاضطهاد أو اضطروا للفرار خارج البلاد.

وفي العقد الأول من الثورة، الذي تزامن مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، تم حظر الموسيقى الغربية بالكامل. وبصرف النظر عن بعض الموسيقى التقليدية والعسكرية، لم يتم بث أي شيء آخر على محطات الإذاعة والتلفزيون الرسمية. ومع ذلك، وخلال الثمانينيات، بدأ الموسيقيون الإيرانيون الذين انتقلوا إلى الغرب، وبالأخص إلى الولايات المتحدة، في إنتاج وإطلاق الأغاني الإيرانية التي تم تهريبها إلى إيران من خلال قنواتٍ سرية مختلفة.

أصبحت لوس أنجلوس المركز الرئيسي للإنتاج الموسيقي الإيراني، الذي كانت تهيمن عليه موسيقى البوب. وعلى عكس مغني البوب، بقي أشهر مغني الروك الإيرانيين أمثال يغمايي وفرهاد في إيران، على الرغم من صعوبة الحصول على ترخيص من الحكومة لإنتاج المزيد من الأعمال.

وفي التسعينيات، ومع انتخاب الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، تغير المناخ الاجتماعي السياسي في البلاد وبدأت الحكومة تظهر مزيداً من التسامح تجاه الموسيقى المستوحاة من الغرب. وفي نهاية المطاف، حصل يغمايي على موافقة الحكومة لإصدار ألبوم مسجل حمل عنوان The Silver Apple. أعاد هذا المشروع يغمايي وموسيقى الروك إلى دائرة الضوء.

وفي التسعينيات، ومع انتخاب الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، تغير المناخ الاجتماعي السياسي في البلاد وبدأت الحكومة تظهر مزيداً من التسامح تجاه الموسيقى المستوحاة من الغرب. وفي نهاية المطاف، حصل يغمايي على موافقة الحكومة لإصدار ألبوم مسجل حمل عنوان The Silver Apple. أعاد هذا المشروع يغمايي وموسيقى الروك إلى دائرة الضوء.

ومنذ التسعينيات، ظهر جيلٌ جديد من فناني الروك الإيرانيين وبدأوا باكتساب شعبيةٍ كبيرة. وحتى مع ذلك، لم تكن الحكومة مستعدة لإصدار تراخيص لـ”فرق الروك” بحد ذاتها، بل حتى أن تلك الفرق التي حصلت على تراخيص كانت تؤدي عروضها تحت مسمى موسيقى البوب. ومن الواضح أن الحكومة كانت أكثر تساهلاً مع فكرة موسيقى البوب من موسيقى الروك.

Music- Rock music in Iran
علي بهلوان (يسار) وساناز كاشمرى (يمين) من فرقة الروك الإيرانية آريان (Arian) أثناء تقديمهما عرضاً خلال الدورة الـ23 لمهرجان فجر الدولي في قاعة وزارة الداخلية في طهران، 24 ديسمبر 2007. Photo AFP ©AFP ⁃ FARZANEH KHADEMIAN

وفي العقد الأول من الألفية الجديدة، ظهرت المزيد من فرق الروك الأندرجراوند (المستقلة)، وتمكن بعضها تدريجياً من تقديم العروض وإنتاج الأغاني علناً. ومن بين الموسيقيين البارزين في هذه الفترة فرشيد اعرابي ومحسن نامجو. كما ظهرت بعض الفرق المهمة خارج إيران أيضاً، ولربما تعتبر فرقة Kiosk الأكثر شهرة. ولا تزال الفرقة تمارس أنشطتها وغالباً ما تحمل أغانيها أبعاداً سياسية واجتماعية قوية.

وعلى الرغم من أنه في السنوات الأخيرة أقيمت العديد من حفلات الروك في إيران، إلا أن العديد من فرق الروك لا تزال مجبرةً على تقديم عروضها سراً أو في الخارج للعزف بحرية. فهناك حساسية كبيرة من الدولة تجاه فرق الميتال الإيرانية وفي بعض الأحيان يُشار إليهم بـ”عبدة الشيطان،” إذ أن هناك العديد من التقارير التي تفيد بتعرضهم للاعتقال والاضطهاد. كما أن هناك تقارير أيضاً عن سياسات الدولة شديدة الوطأة تجاه محبي الروك. فعلى سبيل المثال، في أكتوبر 2017، ألقي القبض على 13 شاب وفتاة بعد اتهامهم برفع شعاراتٍ في أحد مطاعم طهران تُنسب إلى عبدة الشيطان. وفي حالاتٍ أخرى، استخدمت الشرطة هذا المصطلح لوصف محبي موسيقى الهيفي ميتال في إيران.

وبالرغم من هذه التحديات، إلا أن هناك نافذة أملٍ جديدة، فقد كانت شبكة الإنترنت نعمةً لفرق الروك داخل إيران وبالنسبة لأولئك الذين ينشطون في الخارج لأن بإمكانهم إيصال أعمالهم عبر الإنترنت لشريحة أكبر من الجمهور. فعلى سبيل المثال، علي عظيمي، الذي يعيش في لبنان، معروفٌ أيضاً داخل إيران.

وبعد مرور أربعين عاماً على الثورة، لا تزال الدولة منزعجة إلى حدٍ كبير من موسيقى الروك، إلا أن الضغط من جيل الشباب جعل من الصعب على الحكومة إبقاء الأمور تحت سيطرتها. واليوم، تعتبر موسيقى الروك، بمظاهرها المختلفة، جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الإيرانية. فهي لم تنجو فحسب بعد عقودٍ من القيود، بل وجدت أيضاً مكانها الصحيح في المشهد الموسيقي الإيراني وتواصل تطورها ولا زالت تعكس التعقيدات الاجتماعية والثقافية للمجتمع الإيراني.

© Copyright Notice

click on link to view the associated photo/image
©AFP ⁃ FARZANEH KHADEMIAN | ©AFP ⁃ FARZANEH KHADEMIAN

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.