فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / الموسيقى في الشرق الأوسط / لبنان: موسيقى الأوبرا “النخبوية” تسعى لإعادة تعريف نفسها

لبنان: موسيقى الأوبرا “النخبوية” تسعى لإعادة تعريف نفسها

كانت الأوبرا جزءاً من المشهد الترفيهي في لبنان منذ عام 1930، عندما تم تأسيس المعهد الوطني العالي للموسيقى (LNHCM) في العاصمة بيروت من قبل الملحن اللبناني الشهير وديع صبرة. وبعد تسعين عاماً، يتطلع هذا الشكل الفني إلى إعادة تعريف نفسه.

بالنسبة لمعظم محبي الموسيقى، تعد الأوبرا خطوةً رئيسية في فهم الثقافة والموسيقى الأوروبية. وفي لبنان، يجلب المعهد الوطني العالي للموسيقى شخصيات الأوبرا من جميع أنحاء العالم إلى البلاد أو ينظم حفلاتٍ خاصة للمبتدئين. فعلى سبيل المثال، أقام عازف البيانو ديفيد ألادشفيلي ومغنية السوبرانو المتوسط أنيتا راشفيليشفيلي أمسيةً للموسيقى الجورجية – وهي دلالةٌ على أن الأوبرا في لبنان لا تزال أوروبية في الغالب، على الرغم من أن هذا الأمر بات يتغير ببطء.

وفي عام 2016، قام الملحن والمايسترو والمدير العام لأوبرا لبنان، مارون الراعي، بتلحين أوبرا عنتر وعبلة، أول أوبرا باللغة العربية. كما كان المنسق المساعد لأول برنامج غناء أوبرا عربي، والذي بدأ في عام 1993 في العهد الوطني العالي للموسيقى تحت إشراف السوبرانو اللبنانية يولا يونس ناصيف.

وقال الراعي لفَنَك، “كان هذا البرنامج يطمح إلى منح الفنان الأوبرالي العربي أسلوباً خاصاً للغناء بالعربية، مما يمنعه من استخدام أسلوب لفظ خاص بلغةٍ أجنبية، وفي هذه الحالة اللغات الغربية.” وأضاف “لم يستطع العرب أن يستمعوا إلى لغتهم وهي تُلفظ بمثل هذا النوع من الأغنية بمثل هذا القصور الواضح. هذا التغير في اللفظ غذى فكرة عدم غناء الأوبرا بالعربية. لكن يولا ناصيف كانت مقتنعة بأن غناء الأوبرا ممكن جداً باللغة العربية، شريطة أن تكون حروف هذه اللغة، أو نطقها، متكيفة مع نظام غناء خاص بها. هذا ما فعله الفرنسيون والألمان لتمييز أنفسهم عن غناء الأوبرا الإيطالية … تمكنت [يولا] من خلق هذه التقنية، والخروج بطريقة غناء للأوبرا خاصة باللغة العربية.”

فقد ألّف الكاتب اللبناني أنطوان معلوف أوبرا عنتر وعبلة، حيث تم تصميم المسرحية ضمن مقطعين وترجمها 75 مغنِ، جميعهم من برنامج الأوبرا العربية التابع للمعهد الوطني العالي للموسيقى، فضلاً عن اعتماد أزياء مستوحاة من التقاليد والأسماء العربية. تم عرض العمل لأول مرة في يوليو 2016، في كازينو لبنان، ثم خلال مهرجان الصيف. وقال الراعي، “كان الناس يشعرون برابط حقيقي مع المسرحية،” وأضاف “كانوا على دراية بالعصر الذهبي للإخوة الرحباني وأوبريت فيروز بين عامي 1952 و2010.”

Music-Lebanese opera
Photo AFP ©AFP ⁃ STRINGER

كما تم عرض عنتر وعبلة في المملكة العربية السعودية والبحرين، حيث قال الراعي إنها استقبلت استقبالاً حسناً، “من المهم أن نُسلط الضوء على أن الأوبرا العربية تحاول أن تصبح مدرسةً دولية مثل المدارس الروسية والفرنسية والألمانية والإيطالية. إن هذا النوع من الفن ليس منتشراً في العالم العربي كما هو الحال في الدول الغربية.”

إلا أنه أضاف أن هذا الأمر بات يتغير. “أشعر أن الناس باتوا يتعاملون أكثر مع الأوبرا العربية اليوم، ويمكنهم الإنفتاح في مشهدهم الفني على أنواع أخرى من الأوبرا.” وفي محاولةٍ منه لإثبات ذلك، يقوم الراعي حالياً بإعداد إنتاج أوبرالي عربي جديد لدار الأوبرا المصرية في مصر ودار الأوبرا السلطانية في العاصمة العُمانية مسقط لشهر أكتوبر 2019. وسيجوب العمل بعد ذلك جميع أنحاء الخليج قبل العودة إلى لبنان.

كما حقق مطربوا الأوبرا اللبنانيون شهرةً في الخارج، لا سيما ماتيو الخضر، 32 عاماً، الذي وقع عقداً كبيراً مع يونيفرسال ميوزيك فرانس وهو يبلغ من العمر 18 عاماً فقط. فقد قال الخضر لنا في فَنَك، “قيل لي أن صوتي كاونرترتينور، وهو صوتٌ نادر للرجال.” وأضاف “درست في باريس في معهد Ecole Normale de Musique ثم قدمت موسيقى الباروك في لبنان، بينما كنت أتجول في جميع أنحاء أوروبا”.

واليوم، بعد أن عاد ليعيش في بلده، يأسف الخضر لعدم تسليط الضوء على موسيقى الأوبرا والفنانين المحليين عليهم بشكلٍ أكبر، إذ قال “لا تزال الأوبرا نخبوية، وليس لدينا دار أوبرا في لبنان.” وتابع القول “لقد حاول العديد من الناس إحياء بعض الأماكن، ويبذل منظموا المهرجانات الصيفية في بيت الدين، وبعلبك، وجبيل، وصور والبستان قصارى جهدهم. لدينا اليوم أيضاً أوبرا عربية، وأنا أقدر هذا. لكن الأوبرا يجب أن تكون مفتوحة أمام الجميع.”

وهو يؤمن أن الحل يكمن في جعل روائع مثل كارمن أو لاترافياتا في متناول جمهور الشباب، إذ قال “الأوبرا أياً كان مكانها فهي نخبوية، ولكن ليس بنفس الدرجة في لبنان، حيث لم يعد هناك أي وجودٌ للطبقة المتوسطة تقريباً. الأوبرا هي للأشخاص الذين يمكنهم الوصول إليها، في حين يفضل الناس الأكثر فقراً المطربين الشعبيين. ونحن، المطربين الغنائيين، مجرد مبشرين.”

لربما ستتحقق أمنية الخضر، فوفقاً لمدير مكتب وزير الثقافة صالح فروخ، فإن عُمان مهتمة ببناء مركزٍ ثقافي في بيروت، بينما اقترح وزير الثقافة أن تقوم عُمان ببناء دار للأوبرا بدلاً من ذلك. ولم يتم بعد تأكيد الخطة، إلا أن التصريحات تُظهر على الأقل اهتماماً واضحاً من قِبل الحكومة بمثل هذا الشكل الفني.

© Copyright Notice

click on link to view the associated photo/image
©AFP ⁃ STRINGER

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.