فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / الموسيقى في الشرق الأوسط / من الثورة إلى العنف: المسار المتغيّر للراب في ليبيا

من الثورة إلى العنف: المسار المتغيّر للراب في ليبيا

Specials- Libya rap
فنانون راب يقدمون أغانيهم على أحد المسارح أمام جمهورٍ في ساحة الشهداء في العاصمة الليبية، طرابلس. Photo AFP ©AFP ⁃ MAHMUD TURKIA

تفجرت موسيقى الهيب هوب في ليبيا خلال إنتفاضة عام 2011، التي شهدت الإطاحة بالديكتاتور معمر القذافي. أنتج فنانوا الراب، الذين ألهمتهم حماسة الثورة، النوتات والقوافي والإهانات التي سرعان ما صدحت عبر مكبرات سيارات الشباب في الاحتجاجات الشعبية.

بالنسبة لليبيين، كان الإستماع إلى موسيقى الراب عملاً من أعمال التمرد. ففي ظل حكم القذافي، كان الراب المحلي محظوراً من البث عبر الإذاعات الحكومية، وكان الموسيقيون حذرين من انتقاد النظام. إلا أن بعض الفنانيين، أمثال مغني الراب المقيم في المملكة المتحدة، ابن ثابت، فعلوا ذلك على أي حال.

فقد كتب خالد مطاوع، وهو شاعرٌ وناشطٌ ليبي، في الموقع الإلكتروني ذا دايلي بيست، أن ابن ثابت يستحق الإشادة لإطلاقه أغانٍ مؤيدة للثورة قبل الإنتفاضة. كما أشار إلى أن الموسيقى الثورية الليبية، بكل تنوعها ووفرتها، تمثل بداية حقبةٍ جديدة للإنتاج الثقافي الليبي. فقد أدت طبيعة الراب التي تمتاز بالمواجهة وعدم الإعتذار إلى قيادة هذه المسيرة.

فقد تساءلت واحدة من أكثر أغاني ابن ثابت جرأة، والتي أصدرها بعد الإطاحة بالديكتاتور التونسي زين العابدين بن علي في 14 يناير 2011، ما إذا كانت الثورة ستندلع في ليبيا. وهذا ما حصل بالفعل، بالرغم من أن الكفاح في ليبيا أثبت أنه أكثر دموية من ذلك الذي اندلع في تونس ومصر.

ومع ذلك، كان الهيب هوب أيضاً على الخطوط الأمامية مع انحدار البلاد إلى الحرب الأهلية. فقد أصبحت الأغاني المشحونة سياسياً، البعيدة كل البعد اليوم عن قيود الرقابة، تبث عبر موجات أثير محطات الإذاعة المعارضة. ألهمت كلماتهم المتظاهرين ووحدات المتمردين، الذين يفتقرون إلى التدريب، في سعيهم لهزيمة قوات القذافي.

كان محمد الهوني، الذي كان يبلغ من العمر 17 عاماً في وقت الانتفاضة، واحداً من العديد من مغنيي الراب الشباب الذين ينادون بالحرية والتغيير في موسيقاه. فقد غنى عن الفساد ووحشية الحكومة، بينما خصص بعض أغانيه لعائلات النزلاء في سجن أبو سليم. ففي 28 يونيو 1996، قُبض على أكثر من 1200 نزيل في السجن وقتلوا رمياً بالرصاص في فناء السجن بسبب أعمالٍ شغبٍ طالبوا فيها بالتمتع بأوضاعٍ أفضل. ولم يتم قط إخبار عائلات الذين قُتلوا بما حصل.

وقال الهوني لرويترز “الموسيقى شجعت الناس وكانت حافزاً كبيراً في الثورة.” وأضاف “[نحن] نقاتل بالميكروفونات.”

لم تدم نشوة الثورة وقتاً طويلاً بعد إلقاء القبض على القذافي وقتله في أكتوبر 2011. وعلى الرغم من تحرر الليبيين من النظام، إلا أنهم باتوا تحت رحمة الميليشيات التي رفضت نزع السلاح. فقد كان نشطاء المجتمع المدني والسياسيون عرضة، على وجه الخصوص، لخطر الاختطاف والقتل بسبب تحديهم العلني للميليشيات. إلا أن الشباب الليبي رفض التراجع، بما في ذلك جيلٌ جديد من فناني الهيب الهوب المحليين.

وفي عام 2012، أطلقت مجموعة من مغني الراب الشباب محطة إذاعية بإسم راديو زون. وقال أحد الفنانيين، المعروف باسم Pixie في عالم الراب، للإذاعة الوطنية العامة أنه يستمتع بتأليف كلمات أغانٍ تنتقد سلوك العصابات الذي تنتهجه الميليشيات الليبية. في ذلك الوقت، كان يكتب الأغاني ليوسف الشمباني البالغ من العمر 13 عاماً، الذي يملك والده، نبيل، راديو زون. أصبح يوسف نجماً بعد إطلاقه أغنيه “نريد أن نعيش في حرية” التي ألفها والده له.

كما أخبر علي العبار، الذي كان مسؤولاً عن البرمجة الموسيقية في راديو زون، الإذاعة الوطنية العامة أنه يعمل بشكل وثيق مع Pixie في محاولة لنشر رسالتهم من خلال الموسيقى. اعتقد الاثنان أن الشباب سيستجيبون بشكلٍ أكبر لتعلم الديمقراطية من خلال موسيقى الراب من الاستماع إلى المحاضرات التي تبث على الهواء. وعلى الرغم من أن المحطة تلقت تهديدات بوقف برامجها – حتى أن أحد الموظفين تعرض للخطف- إلا أنهم رفضوا الاستسلام. وقال العبار للإذاعة الوطنية العامة “في السابق، كنا خاضعين لسيطرة نظام القذافي، ولكن الآن يمكننا فعل ما يحلو لنا.”

إلا أن هذا التصريح لم يثبت صحته لفترةٍ طويلة. ففي سبتمبر 2017، قال مغني الراب يوسف رمضان، المعروف باسم MC Swat، أنه دفع المال لأحد المهربين وصعد على متن أحد القوارب بالقرب من العاصمة طرابلس. ومع وصوله إلى ايطاليا، بعد معاناةٍ من الجفاف والإرهاق، أخبر الصحفيين عن سبب فراره.

فقد قال أن ليبيا أصبحت أكثر خطورة من أن يعبر المرء عما يجول في خاطره. وبالرغم من الاحتفال بأغنيته “هذه ثورة،” إلا أنه خسر تأييد الميليشيات التي انتقدها. وعليه، بات مكروهاً على وجه الخصوص في بنغازي بعد إطلاقه أغنية عام 2013 بعنوان “بنغازيستان،” التي أغضبت ميليشياتٍ كانت تقتل شخصياتٍ بارزة وترهب المدنيين.

وعلى الرغم من إدانته للجماعات السلفية الجهادية، إلا أن MC Swat لم يعلن تأييده أيضاً لرجل ليبيا القوي، الجنرال خليفة حفتر والجيش الوطني الليبي الذي أعلن تشكيله وحملة “عملية الكرامة” عام 2014. كان الهدف المعلن للحملة “تطهير” ليبيا من الإسلاميين، ومع ذلك، لربما شجع الخطاب المشوه للسمعة الإسلاميين والجماعات الإرهابية بدلاً من أن يُضعفها.

وطوال الوقت، كان يشعر MC Swat بأنه هدفٌ لعدم تأييده لا الجيش الوطني الليبي ولا حتى الجماعات المناهضة لحفتر. وكما قال، خوفاً على حياته، فر أولاً من بنغازي إلى طرابلس، إلا أنه مع ذلك لم يشعر بالأمان.

وقال لصحيفة الغارديان، بعد وصوله إلى أوروبا: “بغض النظر عن المكان الذي ذهبت إليه، شعرت بالخطر”. وأضاف “تلقيت العديد من التهديدات على وسائل التواصل الاجتماعي أو من خلال وسطاء. ظل الناس يسألون: مع أي جانب أنت؟”

تمكن مغنوا راب آخرين من مواصلة إنتاج أغانيهم في ليبيا وسط الفوضى. آدم بن كاطو، الذي بحث في تطور موسيقى الهيب هوب الليبية في جامعة برلين الحرة، أخبر فَنَك أنه يعتقد أن بعض مغنيي الراب قد اتخذوا قراراتٍ توفيقية لمواصلة صناعة الموسيقى. ويستشهد بمثال أحمد الشعافي، وهو فنان من بنغازي اعتاد غناء الراب حول العدالة الاجتماعية بعد الثورة بوقتٍ قصير، إلا أنه تبنى نمطاً موسيقياً مشابهاً للعصابات في آخر فيديو له.

وقال لنا بن كاطو عبر الهاتف “أحاول اكتشاف كيف يعيش مغنوا الراب هؤلاء. فأنا أرى في بعض الفيديوهات الكثير من الدراجات النارية والأسلحة، وأتساءل عن مصدر الدعم المادي الذي يحصلون عليه.”

ومن المرجح أن بعضاً من هذا الدعم يأتي من الجيش الوطني الليبي. فعلى سبيل المثال، Black Tiger، وهو من بنغازي أيضاً، واحدٌ فحسب من مغني الراب الذين يمتدحون قوات حفتر. ففي أحد الفيديوهات، الذي حمل عنوان “جنود بنغازي،” يمكن رؤيته وهو يرتدي الزي العسكري بينما يقف أمام رجال يرتدون الأقنعة ويحملون أسلحةً ثقيلة.

تُشير النبرة المتغيرة من العدالة الإجتماعية إلى أسلوب العصابات أن موسيقى الراب الليبية قد اتبعت مساراً مماثلاً للانتفاضة. ففي بلدٍ يحكمه السلاح، أصبحت النرجسية ونشر الأكاذيب اليوم صوتاً أعلى من الحقيقية.

© Copyright Notice

click on link to view the associated photo/image
©AFP ⁃ MAHMUD TURKIA | ©AFP ⁃ MAHMUD TURKIA

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.