فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / الموسيقى في الشرق الأوسط / طريقٌ طويلٌ ومتعرج: تركيا وموسيقاها

طريقٌ طويلٌ ومتعرج: تركيا وموسيقاها

Specials- Turkish music
المغنية التركية هديسا خلال تمثيلها تركيا في مسابقة الأغنية الأوروبية عام 2009 في موسكو في 15 مايو 2009. Photo: NATALIA KOLESNIKOVA / AFP ©AFP ⁃ NATALIA KOLESNIKOVA

تعتبر الموسيقى جزءاً لا يتجزأ من أي ثقافةٍ إنسانية وتركيا ليست استثناء، فتاريخها الغني من الإمبراطوريات والفتوحات والانقلاب الجمهوري والإحياء الإسلامي يتميز بتراثٍ موسيقي متنوع. فيما يلي نظرة على كيفية تشكل الموسيقى التركية، وربما كيف شكلت تاريخ البلاد.

موسيقى للإمبراطورية

في العصر العثماني، كانت الموسيقى عنصراً رئيسياً في المشهد الثقافي لهذه الفترة. فقد صنفها الغرب، كحال الكثير من الثقافة العثمانية، بـ”الجذابة،” إذ كانت الموسيقى العثمانية حلقة وصلٍ معقدة لمجموعة متنوعة من الثقافات – البيزنطية واليونانية والأناضولية والفارسية واليهودية، من بين حضاراتٍ أخرى – التي شكلت الإمبراطورية العثمانية.

كانت الإمبراطورية العثمانية خلافةً إسلامية، إلا أنها قلما ما كانت تشبه ما يسمى بـ”الخلافة” للـ”الدولة الإسلامية” المُعلنة ذاتياُ، أو حتى لبعض جوانب دول العصر الحديث التي تحكمها العقيدة الدينية في الشرق الأوسط، مثل إيران أو السعودية. كان الرقص المصحوب بالموسيقى مرحبٌ به في جميع أنحاء الإمبراطورية العثمانية وكان له دورٌ أساسي في العالم الموسيقي، إذ كان يتمتع الموسيقيون مكانةً مركزية في البلاط الإمبراطوري، ليس فقط في الأدوار الرسمية، بل أيضاً كفنانيين ترفيهيين لحاشية القصر. في الواقع، كان وجود الموسيقيين مشهداً شائعاً عند وصف أعمال البلاط العثماني.

كما كان الناي الكلاسيكي جوهر هذه الموسيقى، فضلاً عن كونه يحظى بشعبيةٍ كبيرة بين الصوفيين. وبنغمته الحادة، التي تُميزه عن آلة الفلوت الحديثة، كان نواحه بمثابة موسيقى تصويرية للعديد من الممارسات التأملية الصوفية، بما في ذلك رقص الدراويش الشهير.

وفي بعض المستشفيات العثمانية، كان يتم استخدام الموسيقى كإجراءٍ علاجي، مع أنواع معينة من الألحان الموصى بها لبعض الأمراض. فقد تم تخصيص العلاج بالموسيقى لعلاج كل شيء من آلام الظهر إلى الملاريا، باستخدام أنغامٍ محددة مثل مقام الحجاز على الناي الذي يبعث على النعاس والذي يعتبر فعالاً بشكلٍ خاص في أوقات المساء وعلاج اضطرابات المسالك البولية. وبعيداً عن كونه “علاجاً مزيفاً،” فقد وجد هذا الأسلوب العلاجي اليوم طريقه نحو إجراءات الرعاية الطبية الشاملة في تركيا.

كانت هذه الموسيقى غنية بتنوعها، حيث تفتخر مجموعات الأقليات العثمانية التركية بأساليبها الخاصة في الموسيقى والأداء. ونظًراً لأن أنواع الموسيقى الأناضولية التقليدية لم تحظ بالاهتمام في أوساط البلاط أواخر العهد العثماني، أصبحت هذه الأقليات أيضاً أرضاً خصبة لمزيجٍ موسيقي جديد. كان النطاق الواسع لهذا الاختلاف في تركيا نعمةً ونقمة على حد سواء: فمن ناحية، عانى الثراء الموسيقي لتركيا خلال أعمال عنف الإبادة الجماعية في أوائل القرن العشرين، التي قضت على الكثير من الموسيقى الأرمنية التي ازدهرت عبر الأناضول (في وقتٍ لاحق، حدّ اضطهاد اليونانيين أيضاً من انتشار ألحان تلك الأقلية). ومع ذلك، عندما لجأ بعض السكان إلى الخارج، أخذوا ثمرات الدولة العثمانية العالمية معهم، ونقلوا موسيقاهم إلى أماكن بعيدة مثل الولايات المتحدة.

مسيرة الجمهوريين

أصبح المجتمع العثماني في الفترة الأخيرة مغرماً على نحوٍ متزايد بالموسيقى الكلاسيكية الغربية، بل ازداد الأمر مع ظهور الجمهورية التركية. فقد بدأت موسيقى البلاط العثماني في آخر أيامه في استيعاب العديد من التأثيرات الغربية (كما هو الحال مع الكثير من إنتاجها العسكري وحتى الثقافي في ذلك الوقت)، وبالتأكيد رحبت جمهورية أتاتورك بهذه التأثيرات، التي أتت في بعض الأحيان على حساب التأثيرات الموسيقية المحلية.

وكحال العديد من الدول الأوروبية خلال القرن العشرين، ازدهرت تركيا كموطنٍ للموسيقى الكلاسيكية (وإن كانت واحدة من أقلها شهرة). تم افتتاح دور الأوبرا في المدن الكبرى وتمكنت فرق الأوركسترا السيمفونية الكبرى من الازدهار. وسرعان ما أمر أتاتورك بتشكيل أول أوبرا باللغة التركية، من تأليف وألحان ملحنين أتراك. اعتُبرت الموسيقى الغربية “تقدماً” في الثقافة التركية من قبل الحكومة الجمهورية، حتى وإن كان ذلك على حساب إهمال أو إخضاع أشكال الموسيقى المحلية للرقابة.

وفي الأوساط الأقل بروزاً، لعبت الموسيقى أيضاً دوراً سياسياً مهماً، لتمجيد انتصارات حرب الاستقلال، عندما نجحت القوات التركية في هزيمة القوى الاستعمارية. أصبحت الكثير من هذه الألحان معروفةً وانتشرت على نطاقٍ واسع في جميع أنحاء مؤسسات الدولة. أشهرهم، “مسيرة إزمير،” التي تروي التضحيات السابقة من أجل الوطن والتي أصبحت صرخةً لحشد المثل العليا والسياسة للجمهورية. وفي المسيرات والتجمعات العامة والفعاليات الاجتماعية وحتى المباريات الرياضية، يمكن سماع الأتراك (الثملين في بعض الأحيان) وهم يهتفون بهذه الأغنية. أصبح أدائها والتمتع بغنائها دلالةً غير مقصودة على الميول السياسية في هذه الحقبة من أسلمة تركيا.

منعطفٌ جديد

شهدت ستينيات وسبعينيات القرن الماضي موجةً من اكتساح موسيقى البانك والروك لتركيا. وفي وقتٍ ليس ببعيد عن تقدم هذه الحركات في أوروبا والولايات المتحدة، حظي بعض الموسيقيين الأكثر شهرةً في تركيا بمكانةٍ بارزة، أبرزهم الموسيقي باريش مانتشو. بخصل شعره المنسدلة وشاربه الكثيف، أصبح مظهره وموسيقاه رمزاً لعالمٍ مليء بروح الحرية؛ حتى أنه رفض عرضاً من التلفزيون الحكومي كان سيسمح له بتقديم أغانيه على الهواء مباشرةً. في هذه العقود من الاضطرابات السياسية، والانقلابات العسكرية، وحكم المجلس العسكري، وفرت هذه الثقافات الفرعية الموسيقية منفذاً مهماً للشباب الحضري. كما ازدهرت الأنواع الموسيقية الأكثر جرأة مثل الفانك، ليس فقط في تركيا بل في جميع أنحاء الشرق الأوسط، لتغزل خيوطاً مميزة من التراث الموسيقي لدولهم في موسيقاهم. كما وجدت موسيقى بانك ثوريةً بشكلٍ أكبر موطىء قدمٍ لها هناك، متصديةً للأجواء الاجتماعية والسياسية الأكثر تقييداً في الثمانينيات. أصبحت الألحان المشرقية المذهلة والإيقاع المحلي المحتد عنصراً أساسياً في هذا النوع الموسيقي، ولا سيما الفانك التركي، على الرغم من أنه ظل تفكيراً متقدماً بصرامة ومتميزاً عن أبناء عمومته الغربيين المشهورين. قدمت هذه الفترة ثماراً موسيقية نابضة بالحياة، وفي السنوات الأخيرة بدأ بعض الفنانين الأتراك في العودة إلى هذه الفترة بحثًا عن الإلهام، ومن الأمثلة البارزة على ذلك أعمال المطربة جاي سو أكيول.

العربية أم التركية؟

في حين كانت تركيا مركزاً إقليمياً واضحاً للتطوير الموسيقي، إلا أن أشكالاً أكثر تقليدية من الأداء وجدت لها مأوى أيضاً. فقد كان المزاج المتناقض لمشاهد الهيبي والروك والبانك في تركيا متأصلة في روحٍ أكثر تحفظية، بل ويمكن القول أكثر شعبية. فموسيقى الأرابيسك، المتجذرة في الثقافات الشرقية والعربية، تصدح بألحانٍ لأنماط الموسيقى الأكثر تقليدية من بلاد الشام في القرن العشرين. يتميز هذا النوع عادةً بمغنٍ يصاحب ألحانها الحزينة في الغالب بمجموعة متنوعة من الآلات الموسيقية التي تستخدم الزخارف الأناضولية أو العربية والتناسق البسيط. مع مرور الوقت، تم تكييف موسيقى الأرابيسك في أغانٍ أكثر ملاءمة للرقص.

هذا الشكل الموسيقي من اختراع أورهان كنجباي، أحد نجوم هذا النوع الموسيقي اليوم وأحد أوائل الفنانين الذين استمتعوا بمبيعاتٍ هائلة لتسجيلاته الموسيقية في السبعينيات. أصبحت هذه الموسيقى قديمة بظهور نمطٍ جديد من الأفلام التي جاءت شخصياتها، مثلها في ذلك مثل بعض أغاني الأرابيسك، من شرق تركيا ليجدوا أنفسهم في المدن ذات الطابع الغربي والغريبة في تركيا دون أي ترحيب. أصبح هذا النوع هدفاً رئيسياً للأوساط الجمهورية، التي اعتبرت التأثيرات الشرقية والعربية – حتى أن المثقفين كانوا ينعتونهم بلقب “الأرابيسك” كشكلٍ من أشكال الإهانة – على أنه تخلف؛ إذ رفض التلفزيون والإذاعة الممولة من الدولة عرض هذا النوع الموسيقي.

في عصر أردوغان الحالي، وجدت موسيقى الأرابيسك المزيد من الدعم الرسمي وينظر إليها على أنها مرتبطة بالأذواق والمعايير الخاصة بالسكان الأكثر محافظة والبعيدين عن الطابع العالمي. ساعدت التغيرات الديموغرافية في تركيا، أي التوسع الحضري السريع لسكان الريف الأكثر محافظة، في جعل موسيقى الأرابيسك أحد أكثر أشكال الموسيقى شعبيةً في تركيا اليوم.

التطلع إلى الماضي- والتقرب إلى الله

على الرغم من أن هذا لربما لا يبدو أكثر الموروثات تناغماً، إلا أن الحماس العثماني الجديد الواضح في معظم تركيا الحالية يمكن رؤيته أيضاً في إحياء التقاليد الموسيقية التاريخية. ومن أبرز هذه فرق المراسم العثمانية، التي أصبحت اليوم مشهداً مألوفاً في الأحداث الرسمية وبعض الحملات السياسية على وجه الخصوص، التي تتطابق تماماً مع حنين حزب العدالة والتنمية الحاكم للعصر الإمبراطوري التركي.

على الرغم من أن بعض النقاد ربما ينظرون إليها على أنها مجرد وسيلة للتحايل، إلا أن هناك تحركاً أوسع نحو الموسيقى الحديثة الأكثر ملائمةً للإسلام والذي بات أيضاً واضحاً في تركيا اليوم، مع وجود منسقات الأغاني المحجبات أو موسيقى البوب الإسلامية (موسيقى البوب الخضراء) أو نجوم موسيقى الروك الإسلامية، واستمرار تحرير موسيقى الأرابيسك الشعبية اليوم من قيود الإعلام الجمهوري الموالي للدولة.

لطالما كانت الموسيقى في تركيا مقياساً رئيسياً لأهم التأثيرات على البلاد ومناخها السياسي وحتى تغيرها السكاني. ومع هذا التاريخ الفخور بالتطور الموسيقي والقيادة، في كلٍ من الأنواع والأنماط الموسيقية الشعبية وموسيقى الأندرجراوند، يبدو أن الموسيقى في تركيا ستستمر كعنصرٍ أساسي- ودليل- للثقافة التركية.

© Copyright Notice

click on link to view the associated photo/image
©AFP ⁃ NATALIA KOLESNIKOVA

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.