الصفحة الرئيسية / الموسيقى في الشرق الأوسط / غناء الراب في السودان

غناء الراب في السودان

تجلى أثر ثورة الشباب التي اكتنفت العالم في ستينيات القرن الماضي؛ على الموسيقى السودانية الحضرية بشكلٍ واضح في الإنفتاح الكبير على الأوركسترا الغربية (من خلال آلاتها الموسيقية وايقاعاتها المستخدمة). وفي نفس الوقت، قلل من تأثرها بالموسيقى العربية في نواحي التأليف والإيقاع وتكوين الأوركسترا واساليب الأداء.

المجموعات الموسيقية التي نشأت في الأحياء الشعبية والفقيرة آنذاك، والمغنين الذين اختاروا الآلات النحاسية والبيانو أو الأورغ والجيتار الكهربائي والباص جيتار والطبول؛ اطلق عليهم اصطلاحاً مغنوا وفرق الجاز، مثل فرق شرحبيل احمد وكمال كيلا، وفرقة العقارب ، الذين يعدون من اشهر هذه الفرق، بالرغم من عدم التزامهم بالجاز من حيث الخصائص الموسيقية، واستحداثهم اسلوباً خاصاً هجيناً يناسب ذوق وخصوصية السودانيين.

ومع ذلك، لم تستطع فرق الجاز شق طريقها إلى الإذاعة والتلفزيون بالصورة المطلوبة بالرغم من هذا الانفتاح الموسيقي العام والكبير في ذلك الوقت. فالوجدان الخرطومي تشكل على غناء الحقيبة وهو نمط من موسيقى العاصمة الوطنية أم درمان ساد حتى خمسينيات القرن المنصرم.

وسميت بالحقيبة على اسم برنامجٍ إذاعي اشتهر بتقديمها. اتبع كبار المغنين الذين غنوا الحقيبة الأسلوب العربي الذي تميز في تلك الفترة بطول الأغنية من حيث الكلمات والتأليف الموسيقي، عكس ما انتهجته فرق الجاز من اشعارٍ قصيرة والحانٍ سهلة، فاشتقت لها طريقاً آخر عبر المسارح والساحات الشعبية.

وكما تأثرت موسيقى الستينات بثورة الشباب العالمية؛ تأثرت موسيقى الألفية بالتقنية الرقمية التي اكتنفت العالم، من حيث استخدامها في التنفيذ الموسيقي والنشر الإلكتروني. وكما نشأت فرق الجاز في الأحياء الشعبية وشقت طريقها عبر مسارحها الشعبية؛ نشأ غناء الراب في العقد الأول منها وسط فئة الشباب الذين تتوفر لهم الإمكانات التقليدية والتقنية، وبدأت بشق طريقها عبر منابرهم.

وإذا ما قلنا أن غناء الراب الذي نشأ وتطور في الأحياء الأمريكية الفقيرة لم يكن بمعزلٍ عن افكار حركات الحقوق المدنية في الستينات، والذي اعتبر الدولة ومؤسساتها عصابات بوجه آخر، وسعى لكشف تناقضاتها بمواجهتها بذات منطقها، منطق القوة؛ لأمكننا ان نبرر سبب انتشاره في المحيط العربي بالتزامن مع ثورات عام 2011. وتتضمن عدة عوامل أخرى، سهولة الإنتاج وتميز اغانيه باللغة البسيطة المفهومة للعامة والقدرة العالية على ارسال المضامين الفكرية او الثورية، لتبرز الكلمات على حساب الموسيقى.

Music- Rap in Sudan
فرقة Nightingales، فرقة الفتيات المحبوبة في السودان، أثناء إحدى الحفلات الموسيقية في العاصمة السودانية، الخرطوم. 29 أبريل 2016. Photo AFP

فقد شهدت بدايات غناء الراب في السودان اختلالاتٍ سياسية واقتصادية واجتماعية كبرى بإكتمال إنفصال جنوب البلاد عام 2011، كما بدى الراب أكثر ثورية وقدرة على تناول هذه الإختلالات مقارنةً بالإنماط الأخرى السائدة من الغناء. ونتيجةً لذلك، استطاع الراب أن يحقق انتشاراً كبيراً وسط الشباب، لا سيما في ذروة تصاعد العمل المدني الذي كان يستهدف إسقاط النظام الحاكم، الذي واجه بدوره مثل هذا النوع من الأعمال بضراوة تصل حد القتل.

وسط هذه الظروف، اغتنى الراب بالعديد من المغنين الذين رفدوا المحتوى الرقمي السوداني بعشرات الأغاني في فترةٍ وجيزة عبر مواقع يوتيوب وساوندكلاود وفيسبوك وتطبيقات واتساب وغيرها من المواقع والوسائط المختلفة.

وتجد من بين مغني الراب الأكثر شعبية عثمان سيف الدين المعروف باسم نووي Nawawe، وAli G.x، وابو النيز، وMAX ، و Mohab-Mo-3، و A.o.A، وغيرهم. وعلى الرغم من تأثر الغالبية بالراب العالمي، إلا أن الأغاني كذلك متفاوتة الجودة؛ حيث يمزج السائد من كلماتها ما بين العامية السودانية والإنجليزية الأمريكية بلكنة الاحياء الشعبية، لكنها بالمقابل تميل إلى مناقشة قضايا سودانية حيوية تهم الشباب كقضايا الفساد السياسي والاقتصادي، والتعليم، والصحة، وانتشار المخدرات، والحب والزواج.

وعليه، يمكن للمتابع الشعور بتنافسٍ محموم من خلال المحتوى الرقمي، ومن خلال المهرجانات والمنافسات الرسمية التي تقام برعاية الشركات كمهرجان Hip Hop Night Sudan السنوي، ومنافسات Jin Hip Hop Championship ، والأخرى غير الرسمية التي تقام في باحات الجامعات السودانية ومهرجاناتها الطلابية والساحات العامة، ومن خلال المنافسات الإقليمية.

وبالرغم هذه الوتيرة القياسية لإنتاج موسيقى الراب، لا يزال غناء الراب مقصوراً على فئة الشباب، ومحدود الإنتشار، لإعتماده شبه الكامل على المواقع والوسائط الإلكترونية في بلدٍ لم يتجاوز فيه مستخدمي الانترنت 30% من إجمالي السكان. وإلى جانب ذلك، وكحال الجاز من قبله، لم تستطع موسيقى الراب أيضاً الحصول على قبول يزيد من فرصه إطلالتها عبر القنوات الإذاعية والتلفزيونية والإعلام ككل في مجتمع محافظٍ.

ويرجع ذلك بصفة خاصة إلى أن مظاهر ثقافة الهيب هوب Hip Hop الأخرى في اللبس وتصفيف الشعر ورقص الشوارع والجرافيتي والألفاظ الجريئة، تتصادم مع العادات والتقاليد السودانية. وبالمثل، تم ربط الراب أيضاً بظاهرة عصابات النيقرز (Nega )، التي بدأت في الظهور مؤخراً لتروع الناس في الخرطوم، مما يجعلها اقرب لأغاني العصابات.

بل إن مغنوا الراب انفسهم تتباين مواقفهم مما يقدمون من انتاج، فمنهم من يرى التزام العادات والتقاليد بدرجة لا تحدث تصادماً مع المجتمع، ومنهم من يرى التزام حرية التعبير الكاملة، وأن التصادم احياناً تمليه الضرورات الفنية للأغنية. كما تتباين مواقفهم ايضاً من مستقبل اغنية الراب ما بين تفاؤلٍ وتشاؤم. ويرى محمد عماد «مغني راب» أن الراب يحمل رسالة ويمكن أن يصلح المجتمع وأن أغلبية الأغاني تتناول قضايا ومشكلات وأحزان وأفراح المجتمع الذي نعيش فيه. وفي البداية كان الراب غير مرحبٍ به في المجتمع، إلا أنه في الوقت الحالي تحسنت نظرة المجتمع للراب، بل حتى أن النساء السودانيات بتنّ يستمعنّ له.

تكمن المشكلة فقط في أجهزة الإعلام المقصرة بشدة تجاه هؤلاء المبدعين، ذلك أن الإعلام يهتم بكل الفنون ما عدا فن الراب.
يجد الناظر لساحة المجتمع المدني السوداني أكثر من اتحادٍ موسيقي، بجانب اتحاد المهن الموسيقية، على اساس نوع الغناء مثل إتحادي فن الغناء الشعبي، وفرق الموسيقى السودانية الحديثة والجاز، ولا يجد اتحاداً لموسيقى الراب. فقد أخفق مغنوا الراب حتى الآن بإيجاد صيغةٍ مشتركة تجمعهم لتكوين اتحادٍ خاصٍ بهم، مما يُثير المخاوف فيما بينهم لعدم وجود اتحادٍ يرعى مصالحهم. ولربما كان لجمعية الهيب هوب الثقافية السودانية دورٌ في ذلك مستقبلاً، من يدري.

image_pdfimage_print