الصفحة الرئيسية / الموسيقى في الشرق الأوسط / صيحة موسيقى الهيب هوب: الراب يجد أرضاً خصبة في إيران

صيحة موسيقى الهيب هوب: الراب يجد أرضاً خصبة في إيران

Iran- Hip-hop in Iran
فرقة زدبازى لموسيقى الراب. Photo Facebook/ ZedBazi

كانت موسيقى الهيب هوب واحدةً من المظاهر الرمزية للحركات المضادة للثقافات في الولايات المتحدة في الثمانينيات والتسعينيات. ومع ظهورها على هامش المجتمع المدني الأمريكي، أصبحت شعبية جداً في إيران. وعلى الرغم من القيود، وجدت موسيقى الهيب هوب أرضاً خصبة، وباتت اليوم واحدةً من أكثر الأنواع الموسيقية شعبيةً في البلاد.

وبشكلٍ عام، يعتبر الهيب هوب مرادفاً لموسيقى الراب. والراب هو نمط يتم فيه غناء الخطاب الإيقاعي و/أو المُقفى بمصاحبة الموسيقى. أما الهيب هوب، فقد انطلق، بشكلٍ أساسي، على أيدي الأمريكيين الأفارقة في حي برونكس الجنوبي، المهمش اقتصادياً، في مدينة نيويورك في أواخر السبعينيات، على الرغم من أن جذوره الأصلية محاطة بالأساطير والغموض.

وفي عام 1979، أصدرت فرقة Sugarhill Gang أغنية Rapper’s Delight، عبر شركة الإنتاج الموسيقي الأمريكية الإفريقية المستقلة Sugar Hill. وفي غضون أسابيع من إطلاقها، أصبحت ظاهرة عالمية وبدأ الراب بالتأثير على ثقافة الشباب في جميع أنحاء العالم.

ومن الصعب تحديد البداية الدقيقة لموسيقى الراب في إيران، إلا أن الجماهير تعرضوا لها منذ أوائل الثمانينيات. وفي ذلك الوقت، كانت البلاد تمر ببرنامج أسلمةٍ متطرف، وأحياناً عنيف، بقيادة نظام ما بعد الثورة. وعلى الرغم من العقوبات الصارمة التي فرضت على إنتاج واستهلاك الموسيقى الغربية، توفرت مجموعة متنوعة من الأنواع الموسيقية، بما في ذلك الراب، في السوق السوداء. ومع ذلك، لم تزدهر موسيقى الراب حتى أوائل العقد الألفين.

فقد كان هناك العديد من العوامل التي مهدت الطريق أمام ظهور الراب كأحد أنواع الموسيقى الشعبية في تلك الفترة، أولها وأهمها المناخ السياسي. فمن عام 1997 وحتى عام 2005، اتخذ الرئيس خاتمي خطواتٍ غاية في الأهمية للتخفيف من المناخ الاجتماعي الثقافي في إيران. وخلال هذه الحقبة الإصلاحية، تم تنشيط ثقافة الشباب وأصبحت الجامعات بؤرةً للاحتجاج السياسي. كان لذلك أثرٌ إيجابي على كلٍ من الفن والثقافة في البلاد. وعلى الرغم من أن الموسيقيين الإيرانيين لا يزالوا يواجهون قيوداً، إلا أنه تم إنشاء منصات ثقافية جديدة للتعبير الفني.

العامل المهم الآخر هو التكنولوجيا. فقد شكل وصول الإنترنت نقلةً نوعية لموسيقى الراب. وقبل الإنترنت، لم يتمكن موسيقيوا الأندرجراوند (الموسيقى المستقلة) من الوصول إلى جمهورٍ واسع، إلا أن هذا تغير مع ظهور منصات المشاركة عبر الإنترنت في منتصف العقد الألفين. ووفقاً لموسيقيّ الراب، جزايري، فإن الصفات الإيقاعية للفارسية، وهي لغة تتشابك مع تراثٍ طويل الأمد من الشعر والأدب، يمكن أن يُفسر جزئياً شعبية موسيقى الراب في إيران. ويقول جزايري، الذي كان عضواً في فرقة زدبازى الناجحة، أن الراب اليوم “بلا أدنى شك النوع الموسيقي الأكثر شعبية بين الإيرانيين من الفئة العمرية 18-25 عاماً. بل إن الراب هي الموسيقى الرئيسية التي يفضل المراهقون سماعها.”

ظهرت فرقة زدبازى في أوائل عام 2000، وسرعان ما اكتسبت شعبية. وتعود شعبية الفرقة جزئياً إلى الكلمات المثيرة للجدل التي تتضمن تحقير الشعائر والمقدسات والإشارات الجنسية. يشبه هذا النوع من التعبير الهيب هوب الأمريكي، الذي غالباً ما يتضمن “عنصر الصدمة.” وعلى الرغم من أن جذور موسيقى الراب أمريكية، وتأثرت بشكل كبير بحركات الثقافة المضادة الإفريقية الأمريكية، طوّر الراب الإيراني، تدريجياً، هويته ونكهته الخاصة.

وفي العقد الألفين، تم إنتاج واحدة من أول وأكثر أغاني الراب تأثيراً لمغني الراب سروش لشكري، المشهور باسم هيجكس، التي تعني “لا أحد.”

فقد استخدم هيجكس، الذي يعتبر عرّاب الراب الإيراني، الآلات الموسيقية الإيرانية التقليدية والإيقاعات الحضرية لخلق نوعٍ موسيقيّ هجين، وهو مزيج بين الشرق والغرب. وخلافاً للعديد من نظرائه، تجنب هيجكس الشتائم وغناء الراب عن العنف والمخدرات والجنس.، وبدلاً من ذلك، تحدث عن القضايا الاجتماعية، مثل الإدمان والفقر والبطالة.

ويُطلب من الموسيقيين الإيرانيين الحصول على موافقة رسمية من وزارة الثقافة والإرشاد للعمل بشكلٍ قانوني في سوق الموسيقى. وقبل منح أي موافقة، تقوم الوزارة بتقييم الموسيقى مقارنةً بقيم الجمهورية الإسلامية.

ففي عام 2010، عندما كان الرئيس محمود أحمدي نجاد في السلطة، صرح نائب الوزارة أن 20% فقط من الموسيقى المستعرضة حظيت بالموافقة. أدت هذه القيود إلى خلق مشهد نابض بالحياة لموسيقى الأندرجراوند، سيما في المراكز الحضرية الكبرى مثل طهران وشيراز. ويتهرب العديد من الموسيقيين من قوانين الدولة بتسجيل أغانيهم في منازلهم أو في استدويوهات خاصة ومشاركتها مباشرةً على الإنترنت. كما يُنظم العديد منهم حفلاتٍ بعيداً عن الأعين، والتي تزداد شعبيةً كل يوم.

ومع ذلك، فإن إنتاج موسيقى الأندرجراوند لا يخلو من المخاطر. ففي عام 2006، وبعد أن أطلق ألبومه الأول، غابة الإسفلت، اعتقل هيجكس واتهم بإصدار ألبوم موسيقي دون إذن. وفي السنوات الأخيرة، واجه بعض مغنوا الراب عواقب أشد، ولربما أفضل مثالٍ على ذلك شاهين نجفي، وهو موسيقيّ مثير للجدل يعيش اليوم في ألمانيا.

فبعد أن أصدر أغنيته “نقي،” أصدر آية الله العظمى الشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني، فتوى تدعو إلى قتل نجفي بتهمة الردة. و”نقي” هو اسم إمامٍ شيعي يُزعم أن نجفي يسخر منه في أغنيته. كما عرض موقع إلكتروني إيراني، Shia-Online.ir، جائزةً قدرها 100 ألف دولار لأي شخصٍ يقتل مغني الراب.

ومع ذلك، يحصل بعض موسيقيوا الراب على تصريحٍ من الدولة لتقديم أغانيهم بحرية. فعلى سبيل المثال، يركز ياس على القضايا الاجتماعية ويختار كلماته بعناية، كما يحظى بشعبية خارج إيران أيضاً. وفي 21 ديسمبر 2011، صوّت له الجمهور باعتباره “فنان الأسبوع” على MTV Iggy، منصة قناة الموسيقى على الانترنت.

وفي ظل الرئيس حسن روحاني، استمرت الحريات الثقافية في التوسع، إذ تنتشر اليوم موسيقى البوب الفارسية القانونية على نطاقٍ واسع، وتقام حفلات موسيقى البوب بانتظام في مختلف المدن في جميع أنحاء البلاد. ومع ذلك، يبقى الحصول على تصريحٍ لإقامة حفلات الهيب هوب أمراً غاية في الصعوبة. وعلى الرغم من أن الدولة اتخذت بعض الخطوات للتخفيف من الضغوطات على موسيقى الراب، لا يزال يُشكل تطبيع الهيب هوب تحدياً.

image_pdfimage_print