فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / الموسيقى في الشرق الأوسط / مذنبون بالمشاركة: سبعة مصريين خلف القضبان بسبب علاقتهم بأغنية انتقادية

مذنبون بالمشاركة: سبعة مصريين خلف القضبان بسبب علاقتهم بأغنية انتقادية

أصدر المغني المصري رامي عصام، الذي حقق شهرته في ميدان التحرير في القاهرة خلال الثورة في عام 2011، الفيديو لأغنيته “بلحة” في فبراير 2018. تهزأ الأغنية بشدة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ملقباً إياه بـ”بلحة،” الذي يستخدمه النقاد كلقب للسيسي.

لا يخجل عصام من استخدام كلمات مُهينة في أغنيته، إذ تقول كلمات الأغنية
“يا حلوة يا بلحه يا مقمعه، خلصتي سنينك الاربعه، طولت علينا بطلتك وزهقنا خلاص من خلقتك، فإلهي ينور صلعتك ويصيبك حظك م الدعا، وتلم ف ايدك شلتك وتنور سجن المزرعه.”

وفي وقتٍ لاحق من الأغنية، يأخذ ازدراء عصام منحنى سياسي أكثر، فعلى سبيل المثال انتقد مشروع قناة السويس الجديدة، والعاصمة الجديدة، وحرب مصر على الارهاب والدور الاقتصادي للجيش.

وبالنظر إلى تقلص حرية التعبير في البلاد، لا سيما تضييق الخناق الذي تمارسه الدولة على المشهد الموسيقي، كان من المرجح أن تؤدي أغنية مثل “بلحة” إلى إثارة رد فعلٍ، خاصة أنها تستهدف الرئيس بشكلٍ صريح.

ومع حظر الموسيقى في الديار، يعيش عصام ويعمل في فنلندا والسويد منذ عام 2014، بعيداً عن متناول أجهزة الأمن في مصر. لكن غيابه لم يقتل القضية، وبدلاً من ذلك، بدأت الشرطة في اعتقال الموسيقيين المرتبطين بطريقة أو بأخرى بعصام في الأشهر التي تلت إصدار الأغنية. في المجموع، تم اتهام سبعة منهم بنشر أخبار كاذبة والانضمام إلى منظمة إرهابية، حسب ما قاله المحامي مختار منير لفَنَك.

أحدهم كان جلال البحيري، كاتب الأغنية، الذي ذكر بالاسم في شارة فيديو الأغنية. وبغض النظر عن محاكمة أغنية بلحة، حكمت محكمة عسكرية على البحيري بالسجن لثلاث سنوات بتهمة إهانة الجيش والرئيس وازدراء الدين في قضية منفصلة تتعلق ببعض أعماله الأخرى.

كما ذكر منتج الأغنية، شادي حبش، في الشارة وهو أحد المتهمين. والثالث هو مدير صفحة عصام، أحمد شوقي.

تم القبض على العديد من الآخرين دون أي علاقة بالأغنية. وقال منير إن مصطفى جمال ساعد عصام فقط في تثبيت صفحته على الفيسبوك قبل ثلاث سنوات. أسامة الهادي، المتهم الوحيد الذي أفرج عنه إفراجاً مشروطاً، كان مسؤول صفحة عصام على الفيسبوك ولكن العلاقة منقطعة بينهما منذ سنوات.

كان الاعتقال الأكثر غرابة اعتقال محمد عبد الباسط، الذي لا تربطه أي علاقة شخصية بعصام. ووفقاً لمنير، كان يستمع لأغنية بلحة في سيارته في الكويت عندما تم اعتقاله من قِبل الشرطة الكويتية وترحيله إلى مصر.

المتهم الأخير هو رامي صدقي، عازف الجيتار لعدة فرق موسيقية بما في ذلك فرقة شارموفرز الشهيرة. كان يعزف ويقدم عروضاً مع عصام حتى عام 2015، لكن أصدقائه وعائلته يقولون إن علاقتهم لم تستمر بعد ذلك الوقت.

وبحسب ما قاله لنا في فَنَك زياد العلمي، محامي صدقي، “لأنهم لا يستطيعون الحصول على عصام نفسه، فإنهم يريدون إظهار أي رد فعل، إنهم يريدون أن يكون لديهم أي ملف ليظهروا للرئاسة أنهم يتصرفون،” وأضاف: “[الدولة] تريد إرسال إشارة وتخويف الآخرين.”

قامت فرقة شارموفرز بملء شاغر عازف الجيتار بصمت دون التطرق للقضية علانية. وقالت مصادر في المشهد الموسيقي لفَنَك أنهم واجهوا مشاكل في تقديم العروض لعدة أشهر بسبب تورط صدقي في هذه القضية. غير أن آخرين يقولون إن قضاياهم تتعلق بقمع عامٍ يشهده مشهد موسيقى الأندرجراوند، والذي سبق أن ذكرناه في فَنَك.

فقد أثبت أن السخرية والتهكم من السيسي خط أحمر واضح في مصر في عدة حالات سابقة. ففي عام 2015، حُكم على أحد الطلاب بالسجن لمدة ثلاث سنوات بعد نشره صورة معدلة للسيسي بآذان ميكي ماوس على الفيسبوك. كما تم حظر لعبة الأطفال الملقبة “بيضان السيسي” في عام 2017.

عندما يتعلق الأمر بالنقد السياسي، لا يقل رد فعل الدولة شراسةً. فقد دعا الدبلوماسي السابق وزعيم الحزب السياسي معصوم مرزوق إلى إجراء استفتاء حول أداء القيادة في أغسطس 2018، وتم اعتقاله لقيامه بذلك. وإلى جانب العشرات من المدونين والناقدين والنشطاء والمحامين والسياسيين، يحاكم اليوم بتهمة نشر أخبار كاذبة والانضمام إلى منظمة إرهابية، التي تعدّ اتهامات نمطية موجهة إلى منتقدي النظام.

يواجه الرجال السبعة في قضية بلحة نفس الاتهامات، رغم أنه لم يتم تقديم أي تهم رسمية بعد. ووفقاً للقانون المصري، يتم تجديد اعتقالهم قبل المحاكمة كل 45 يوماً. وقال العلمي أن صدقي لم يخضع لاستجواب معمق منذ اعتقاله في مايو 2018.

وقال منير إنه تم إلقاء القبض على صدقي وجمال والهادي وعبد الباسط لأن تقرير الأمن القومي ذكر أنهم جزء من الأغنية، “لا يوجد دليل في القضية يؤكد الإدعاءات الواردة في التقرير؛ من غير الممكن أن تبني المحكمة قضية على هذا الأساس،” بحسب ما قال. وقال المتهمون الذين لهم صلة بالأغنية إن صدقي وجمال والهادي وعبد الباسط لم يشاركوا فيها.

سبق أن تحدثنا في فنَك مع المصدر في المشهد الموسيقي الذي يعتبر أن إصدار عصام لمثل هذه الأغنية أمر غير مقبول واصفاً إياها بـ”الغبية جداً.” وأَضاف، “من غير الأخلاقي وضع أسماء الفنانيين [في الشارة]، بالنظر إلى أن مجرد مشاركة منشور على الفيسبوك قد يجعلك تواجه المشاكل.”

أما فيما يتعلق بحالاتٍ أخرى قامت فيها مصر باعتقال أشخاص لهم علاقة بآخرين يعيشون في الخارج كانت أساساً مرتبطة بالإخوان المسلمين، التي تم تصنيفها كمنظمةٍ إرهابية. فعلى سبيل المثال، علا القرضاوي، ابنة الداعية الإسلامي والمقيم في قطر يوسف القرضاوي، وزوجها رهن الاحتجاز منذ يونيو 2017.

وفي وقتٍ سابق، قال محمد لطفي، رئيس المفوضية المصرية للحقوق والحريات، لنا في فَنَك إنه يعتقد أن اعتقال زوجته أمل فتحي وتوجيه الاتهامات لها يرجع جزئياً لمعاقبته على عمله كمدافعٍ عن حقوق الإنسان. ففي أغسطس 2018، اصطحبت الشرطة زوجة سامح سعودي وأطفاله من منزلهم لإجباره على تسليم نفسه.

وعلى الرغم من سوء سجل مصر في التعامل مع النقد أو ما تعتبره إهانةً للرئيس، لا يزال منير متفائلاً في قضية بلحة. “برأيي، سيبقى جميع المتهمين رهن الاحتجاز السابق للمحاكمة ويتم إطلاق سراحهم بعد فترة لأنه لا توجد أدلة كافية للذهاب إلى المحكمة.”

ومع ذلك، فإن المدعى عليهم، سواء اولئك الذين تربطهم علاقة أو لا تربطهم علاقة مباشرة بالأغنية، يقبعون وراء القضبان منذ ما يقارب العام.

image_pdfimage_print

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.