فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / حملات تضامنٍ خجولة في مواجهة موجات الكراهية الجديدة بلبنان

حملات تضامنٍ خجولة في مواجهة موجات الكراهية الجديدة بلبنان

Translation- Palestinian refugees
لاجئون فلسطينيون يهتفون بالشعارات أثناء إغلاقهم للشارع الرئيسي خارج مخيم اللاجئين الفلسطينيين “برج البراجنة” جنوب العاصمة اللبنانية بيروت يوم ١٦ يوليو ٢٠١٩، وذلك على هامش مظاهرة ضد قرار الحكومة اللبنانية بفرض قيود على فرص عمل الفلسطينيين. وتظاهر عشرات اللاجئين الفلسطينيين يوم ١٦ يوليو ضد حملةٍ قادها وزير العمل لمواجهة التوظيف غير القانوني للأجانب، وذلك على الرغم من تطمينات الحكومة. المصدر: Anwar Amro / AFP. ©AFP ⁃ ANWAR AMRO

نشر موقع “Open Democracy” مقالةً سلطت الضوء على حملات الكراهية التي انتشرت مؤخراً في لبنان وعلاقتها ببناء السلطة في هذه الدولة. ويحاول صاحب المقالة وهو الباحث والصحفي والمخرج السينمائي وليد الحوري كشف النقاب عن دوافع ما تم إطلاقه من حملات كراهيةٍ متزامنة بحقّ السوريين والفلسطينيين وإحدى الفرق الموسيقية، محاولاً في الوقت نفسه البحث عن القواسم المشتركة بين جميع هذه الحملات. ويرى الحوري أن الهدف الكامن وراء هذه الحملات هو التغطية على الفشل السياسي وسوء الإدارة وتحكم السلطة الأبوية في مجريات الأمور بلبنان عن طريق مهاجمة فئات الشعب الأضعف.

ويبدأ الحوري مقالته بالإشارة إلى مواصلة النظام الحاكم الجديد في لبنان الانحطاط لمستوياتٍ جديدة من سوء الإدارة، وتدمير الاقتصاد، والبيئة، والنسيج الاجتماعي لبلدٍ على شفا الانهيار.

وعلى مدار الأسابيع الماضية، مهدت بعض الأحداث التي قد تبدو منفصلة لأجندة الحوار والأحداث السياسية في البلاد.

وكان أول هذه الأحداث حملة الكراهية التي أطلقها وزير الخارجية اللبناني وصهر رئيس الجمهورية جبران باسيل ضد اللاجئين السوريين. ونشر باسيل، الذي يتزعم حزب الرئيس اللبناني، مجموعةً من التغريدات والتصريحات العنصرية التي أدت إلى حملة كراهيةٍ استهدفت العمال واللاجئين السوريين في البلاد. وصاحبت هذه الحملة أصواتٌ أخرى دعت للفصل الطائفي في بلدٍ منقسم بالفعل.

ولم تمر سوى فترةٍ بسيطة حتى أٌطلِقت حملة كراهيةٍ أخرى ضد العمالة الأجنبية، حيث استهدفت هذه الحملة فيما استهدفت اللاجئين الفلسطينيين الذين يعانون من تمييزٍ شديد على مستوى حقوقهم كلاجئين في لبنان. ويرى الحوري أن هذه الحملة التي قادها وزير العمل تزيد حياة الفلسطينيين صعوبةً في بلدٍ يتكلم ليل نهار عن دعم فلسطين، لكنه في الوقت نفسه يحترف قمع الفلسطينيين وإهانتهم واستغلالهم.

وأدت الحملة التي تزعمها حزب القوات اللبنانية اليميني إلى احتجاجاتٍ داخل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، في الوقت الذي سارعت فيه الحكومة اللبنانية إلى قمع أي احتجاجاتٍ يجري تنظيمها في المناطق التي يسيطر عليها الجيش خارج المخيمات. وفي غضون ذلك، سارع الجيش اللبناني إلى شنّ حملةٍ عنيفة على الفلسطينيين.

أما الحدث الثالث فكان حملةٌ شنها رجال دينٍ مسيحيين على فرقة “مشروع ليلى“، وهي الحملة التي انضم لها لاحقاً آخرون لشعورهم بالإهانة والغضب من الأفكار التي تروجها الفرقة ولدعمها لحقوق مجتمع “الميم”. وأسفرت هذه الحملة عن تهديداتٍ وموجات غضبٍ ومطالباتٍ بحظر الفرقة.

وبحسب الحوري، فإن هذه الأحداث الثلاثة وغيرها تتقاطع في العديد من أوجه الشبه، كما أنها تشكل رمزاً يعبّر عن منطق الدولة اللبنانية الجديد. فجميعها حملات كراهيةٍ واضحة تسعى إلى حشد الشعب ضد آخرٍ مُشيطن. وتشترك جميعها في اتباع التوجهات الجوهرية لليمين الشعبوي. ويرى صاحب المقالة أن هذه الحملات تحوّل انتباه الشعب عن الفشل، وسوء الإدارة، والفضائح التي تعجّ بها البلاد لأنها تكتسب زخماً بين العامة.

يأتي ذلك في الوقت الذي أٌقرَّت فيه ميزانية عام 2019 بعد تأخرٍ دام سبعة أشهر، ما سيقود على الأرجح إلى المزيد من الفقر، والفساد، والانهيار.

ويرى الحوري أن هذه الحملات جزءٌ من خطابٍ سياسي مفلس في بلدٍ مفلس تتنافس فيه الأحزاب الحاكمة لتحظى بأفضل خصم، وأخطر فزاعة لتعزيز شعبيتها، سواءً أكانت تلك الفزاعة السوريين أو الفلسطينيين أو مجتمع الميم أو غيرهم.

Translation- Mashrou' Leila
لبنانيون أثناء حضورهم لحفلةٍ موسيقية نُظمت للتضامن مع الفرقة الموسيقية اللبنانية “مشروع ليلى” في العاصمة اللبنانية بيروت يوم ٩ أغسطس ٢٠١٩. واجتمع مئات اللبنانيون للتظاهر في حفلةٍ موسيقية احتجاجية ببيروت للتضامن مع الفرقة المحلية التي تم إلغاء مشاركتها في أحد أبرز المهرجانات الموسيقية لتوجيه الاتهامات له بالتجديف والكفر. المصدر: Anwar Amro / AFP. ©AFP ⁃ ANWAR AMRO

ومن الواضح أن لقب “العهد القوي” الذي أطلقه الرئيس ميشال عون على حكمه قويٌّ فقط في مواجهة أضعف فئات الشعب الخاضعة لحكمه، في الوقت الذي يرفض فيه بل ويعجز عن ممارسة أي سلطة في مواجهة من دأبوا على تدمير النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلاد، وهم المؤسسة الحاكمة نفسها.

وبكلماتٍ أخرى، فإن استمرارية استعداء الفئات الأضعف تعني تمتع من في السلطة بالأمان، ناهيك عن إمكانية اعتماد هؤلاء على الدعم الشعبي اللبناني.

وكانت الحملة التي تم شنها على “مشروع ليلى” قد حظيت بانتباهٍ كبير ومتوقع نظراً لما تحظى به هذه الفرقة من شعبيةٍ في لبنان والمنطقة والعالم. كما استُغلت هذه الحملة للتعتيم على قلة تضامن اللبنانيين مع الاحتجاجات المشروعة للفلسطينيين في البلاد أو لصرف الانتباه عن سوء معاملة اللاجئين السوريين وإعادتهم القسرية إلى وطنهم.

وأعاد استخدام الحجج المعتادة نفسها عن عدم احترام الفرقة الدين والمقدسات، والدعوة للفسوق والانحراف، إلى الأذهان ما تعرضت له الفرقة من هجماتٍ مماثلة في الأردن ومصر، إذ لم يتم حظر الفرقة في هذه الدولة الأخيرة فحسب، بل أدى الحفل الذي نظمته الفرقة هناك إلى اعتقال حوالي 50 شخصاً وشن الدولة لحملةٍ عنيفة بحقّ مجتمع الميم في البلاد.

وغالباً ما يتوه الخطاب الوطني اللبناني في عقدة الاستعلاء، إذ يفتخر لبنان بكونه منارة التنوع والانفتاح في منطقةٍ ظلامية، في حين أن هذه الدولة تستخدم ذات المنطق الاستبدادي والمحرّض على الكراهية في مواجهة ممارسة التنوع والحريات.

ويحترم لبنان التنوع تمام الاحترام إن كان يتوافق مع ما تتقبله أبنية السلطة الأبوية المحافظة؛ فالدين يُحترم ما بقيت كل طائفة ضمن مساحتها الخاصة دون اختلاط أو تمازج. إلا أن هذا التنوع لا يشمل المجموعات غير المرغوب بها والتي تقع خارج الحدود الطائفية للمؤسسة الحاكمة كالأجانب غير البيض، واللاجئين، والجماعات غير الدينية، والجماعات ذات التوجهات الجنسية المختلفة أو الهويات الجنسية غير المغايرة.

ويعاود هنا الحوري التأكيد على عدم إمكانية التعامل مع حملات الكراهية المذكورة وكأنها أحداثاً منفصلة عن بعضها البعض، لافتاً إلى أن هذه الحملات تعبر عن اتجاه وسياسة واضحة للدولة.

ولذلك، يرى صاحب المقالة أنه من الضرورة بمكان التعبير عن التضامن مع الفرقة، مؤكداً على وجوب أن يكون هذا التضامن شاملاً لجميع الفئات الأخرى التي تتعرض لحملات كراهية وأشكال مختلفة من القمع سواء أتم إطلاق هذه الحملات من الكنيسة، أو من المؤسسة الدينية الإسلامية، أو من قطاعاتٍ واسعة من المجتمع، أو من الدولة، أو من وسائل الإعلام التي كانت شريكاً وضيعاً لجميع القوى المذكورة أعلاه بدلاً من فضحها وتقديم خطابٍ نقدي، أو أن تفعل ما هو أفضل وتواجه السلطة بالحقيقة.

وكما كان متوقعاً، فقد ساهمت موجات التعاطف مع أعضاء الفرقة المشهورين في التعتيم على مطالب آلاف الفلسطينيين بالعدالة والحياة الكريمة في بلد أُجبروا على العيش فيه لما يزيد عن 70 عاماً.

وتجدر الإشارة هنا إلى توقيع ما لا يزيد عن ست منظمات من المجتمع المدني اللبناني على أحد بيانات التضامن التي تم نشرها خلال هذا الأسبوع، وجاء ذلك وسط صمتٍ خيّم على باقي المنظمات.

ويختم الحوري مقالته بالتساؤل التالي: “هل بالإمكان رؤية تضامنٍ شامل في بلدٍ باتت فيه العنصرية معياراً، وأصبح فيه الفصل العنصري والطبقي قاعدة، ويتوارى فيه القمع خلف العديد من الشعارات الفارغة؟”.

© Copyright Notice

click on link to view the associated photo/image
©AFP ⁃ ANWAR AMRO | ©AFP ⁃ ANWAR AMRO

دعمكم عونٌ لنا

فَنَك هي مؤسسة إعلامية إلكترونية مستقلة، لا تمولها أي دولة أو مجموعات مصالح. تلتزم فَنَك بنشر تحليلاتٍ مبنية على الوقائع ومحايدة، إلى جانب التقارير المواضيعية حول الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
شهد الموقع نمواً سريعاً في نطاق وعمق المعلومات التي يُقدمها، واليوم، بات يُشكل مصدراً غنياً وقيماً للمعلومات عن 21 بلداً، من المغرب إلى عُمان ومن إيران إلى اليمن، باللغتين العربية والإنجليزية. حالياً، وصل عدد القراء إلى 6 ملايين سنوياً، والعدد آخذٌ بالإزدياد.
لضمان حيادية المعلومات على موقع فَنَك (وقائع وأحداث) ، تُنشر المقالات دون ذكر أسماء الكتّاب، مما يُتيح أيضاً لمراسلينا مساحة أكبر من الحرية عند التطرق إلى القضايا الحساسة أو المثيرة للجدل فى بلادهم. وإلى جانب ذلك، نتحرى حقائق جميع المعلومات الواردة في مقالاتنا قبل النشر لضمان دقة المعلومات، وحداثتها وحيادها.

استمرارية تشغيل مثل هذا الموقع الإلكتروني مُكلفة للغاية. بتبرعٍ صغيرٍ منك، يمكنك المساهمة في الحفاظ على حرية واستقلالية تغطيتنا.

  • صفقة القرن: 17 درساً تعلمناه

    إن الوثيقة لم تأت على ذكر احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية الممتد منذ عقود طويلة ولو لمرة واحدة. بل إن أقرب شيءٍ لهذا المعنى نجده في استخدام المفردة الإنجليزية "occupations" بمعنى "وظائف"، وقد تعني في سياقات أخرى "الاحتلال"، وهو ما يحمل معنىً أبعد ما يكون عمّا يفهمه معظم الناس من هذا المصطلح في السياق الفلسطيني.
  • الحرب ليست حلاً للصراع بين الولايات المتحدة وإيران

    إن المحادثات المباشرة هي الحلّ الوحيد والكفيل بتزويد إيران بفرصة للتغلّب على مشاكلها الاقتصادية، ناهيك عن إتاحته للولايات المتحدة التوصل لاتفاقٍ أكثر شمولية من الاتفاق النووي. وعلى الرغم من أن المواجهة الحالية بين إيران والولايات المتحدة قد تزداد سوءاً، فإن الطرفين يعلمان علم اليقين أنه لا مفر من اللجوء إلى المحادثات حتى وإن جاء ذلك في أعقاب أي حالة تصعيد تؤدي إلى خسائر في الأرواح ووقوع دمارٍ لا طائل منه.
  • الحرب السورية: الآثار تدفع الثمن أيضاً

    يتطلب إجراء البحوث الأثرية اتصالاً مباشراً بالمواقع والمواد القديمة. إلا أنّ العنف المسلح المتصاعد في سوريا يحول دون استكمال علماء الآثار لعملهم. كما حوّلت معظم المؤسسات الدولية تركيزها عن سوريا ونقلت بعثاتها ومشاريعها إلى البلدان المجاورة.