فَنَكْ وقائع وأحداث عن الشرق الأوسط وشمال افريقيا / دول شمال إفريقيا أمام تحديات كبرى بعد عودة المقاتلين الأجانب إليها

دول شمال إفريقيا أمام تحديات كبرى بعد عودة المقاتلين الأجانب إليها

Translation- Bardo Museum Attack
إخلاء السياح من موقع الهجوم الذي شنه مسلحان في متحف باردو الشهير في العاصمة التونسية يوم 18 مارس 2015. المصدر: AFP

نشر مركز الدراسات الأمنية التابع للمعهد الفيدرلي للتكنولوجيا في زيورخ مقالة سلطت الضوء على التحديات المتعددة التي تواجهها دول شمال إفريقيا في التعامل مع أبنائها من المقاتلين الأجانب بعد عودتهم من ساحات القتال في سوريا والعراق. وتقوم صاحبة المقالة الدكتورة ليزا واتانابي باستعراض التهديدات التي يفرضها هؤلاء المقاتلين العائدين على الأمن الإقليمي، بما في ذلك دعمهم للشبكات الجهادية الوطنية والإقليمية. كما تتناول المقالة أوجه القصور التي تواجهها سياسات دول شمال إفريقيا المخصصة للتعامل مع هذا التهديد، كالافتقار إلى برامج تفكيك التطرف وإعادة الإدماج، بالتزامن مع طرح بعض النقاط التي يمكن أن تقوم بها أوروبا لدعم جهود هذه الدول في التعامل مع المقاتلين العائدين.

وتعتبر واتانابي من كبار الباحثين في مركز الدراسات الأمنية، حيث تتضمن قائمة مقالاتها الأخرى كلاً من “الجزائر: الاستقرار في مواجهة جميع الصعاب؟” و”ليبيا – في عين العاصفة”.

وتبدأ واتانابي مقالتها بالإشارة إلى ما تقوم به دول شمال إفريقيا حالياً من جهود للتعامل مع عودة المقاتلين الأجانب وإعادة انتشارهم، وهو ما ينطبق أيضاً على النساء والأطفال العائدين من المناطق التي كان يسيطر عليها تنظيم “الدولة الإسلامية”.

وبحسب واتانابي، فقد قام الآلاف من أبناء شمالي إفريقيا بمغادرة دولهم منذ عام 2011 بهدف القتال في سوريا والعراق وما هو أبعد من هاتين الدولتين. وتجدر الإشارة إلى أن معظم هذا الحراك كان تحت اسم تنظيم “الدولة الإسلامية“. وجذبت نجاحات التنظيم حوالي 40 ألف مقاتل أجنبياً – وهو رقمٌ أعلى بكثير من مما شهدناه في الماضي من تحركاتٍ جهادية أخرى، بما في ذلك الحراك الجهادي المرتبط بالحرب الأفغانية بين عامي 1979 و1989، والحرب البوسنية بين عامي 1992 و1995. ويفوق عدد المقاتلين الذين جذبهم تنظيم “الدولة الإسلامية” عدد المقاتلين الأجانب الذين شاركوا في حرب أفغانستان منذ عام 2001، وهو ما ينطبق أيضاً على المقاتلين الأجانب الذين نشطوا في العراق في أعقاب غزوه في عام 2003 بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. وشكّل أبناء شمال إفريقيا حصة كبيرة من المقاتلين الأجانب في سوريا والعراق. ولم يكن المشرق العربي الوجهة الوحيدة التي توجه لها هؤلاء المقاتلين، إذ توافد هؤلاء على ليبيا في أعقاب تشكيل الجيب الذي يسيطر عليه تنظيم “الدولة الإسلامية” في تلك الدولة المنكوبة بالنزاعات.

وتصارع دول شمال إفريقيا للعثور على طريقة للتعامل مع المقاتلين الأجانب العائدين، ومع النساء والأطفال الراغبين بالعودة من المناطق التي كان يسيطر عليها تنظيم “الدولة الإسلامية”. وترى واتانابي أن المقاتلين الأجانب الآخرين قد يقوموا بإعادة تنظيم صفوفهم. ومن المرجح أن تكون ليبيا الوجهة المفضلة لأولئك الهاربين من سوريا والعراق، ما يعود السبب فيه إلى ضعف حكومة هذه الدولة وضعف هياكلها الأمنية واستمرار وجود تنظيم “الدولة الإسلامية” فيها. وتقع شمال إفريقيا من الناحية الجغرافية بالقرب من أوروبا، وهو ما أدى إلى وجود علاقات عابرة للدول بين الجهاديين المقيمين في تلك المنطقتين. وباتت هذه العلاقات واضحة المعالم في هجوم سوق عيد الميلاد بالعاصمة الألمانية برلين في عام 2016 وفي هجمات “مانشستر أرينا” في عام 2017، حيث قام بالتحضير لهذه الهجمات أشخاصٌ لهم صلات مع المجموعات الجهادية في ليبيا. وعلى هذا النحو، ترى صاحبة المقالة أن أوروبا لا يمكنها تجاهل التحديات التي يفرضها ما سيقوم به المقاتلون الأجانب والعائدون إلى منطقة شمال إفريقيا من خطوات خلال الأعوام المقبلة.

Translation- Foreign Fighters Map
المقاتلون الأجانب الذين سافروا إلى سوريا والعراق منذ عام 2011. المصدر: منظمة الأمم المتحدة، مجموعة صوفان، السلطات المغربية، السلطات التونسية.

المغادرة والانتشار

يمكن تعريف المقاتلين الجهاديين الأجانب بصفةٍ عامة على أنهم الأشخاص الذين سافروا إلى دولةٍ أخرى غير دولتهم للمشاركة في تمّردٍ داخل دولةٍ تعاني من النزاعات. وعلى الرغم من عدم دقّة الأرقام المرتبطة بأعداد المقاتلين الأجانب نتيجة ما تشهده عمليات الإبلاغ من تأخير وغياب بعض الأرقام الرسمية والاعتماد اللاحق على التقديرات، إلا أن هذه الأرقام تساعد على إعطاء فكرة عن حجم المشكلة. وسافر ما يزيد عن 3000 تونسياً وحوالي 1600 مغربياً وما لا يقل عن 600 مصرياً إلى العراق وسوريا. وعلى الرغم من عدم وجود أرقام رسمية حول الليبيين، إلا أن هؤلاء كانوا من أوائل الذين سافروا إلى سوريا والعراق، ما يشير إلى إمكانية تواجدهم هناك بأعدادٍ كبيرة نسبياً، وبما يصل إلى حوالي 600 شخصاً بحسب التقديرات. وكان حضور الجزائريين أقل حجماً، إذ لم يتجاوز عددهم 260 شخصاً (بحلول ديسمبر 2015).

ولم يتدفق مقاتلو شمال إفريقيا باتجاه سوريا والعراق فحسب، بل أيضاً إلى المناطق التي يسيطر عليها تنظيم “الدولة الإسلامية” في شمال إفريقيا. وفي الوقت الذي كان يتم فيه النظر إلى ليبيا كمركز لعبور وتدريب الجهاديين المسافرين إلى سوريا والعراق، فقد باتت هذه الدولة أيضاً من الدول التي يتجه إليها المقاتلون الأجانب منذ عام 2014. وأصبحت ليبيا من الوجهات الجذابة للمقاتلين بفضل سهولة الوصول إليها وتواجد جيبٍ لتنظيم “الدولة الإسلامية” فيها. وترى واتانابي أن ليبيا تعتبر بديلاً مجدياً لـ”دولة الخلافة” في المشرق العربي، في ظل تنامي صعوبة السفر إلى سوريا والعراق. وبحسب التقديرات، فإن ما يتراوح بين 1350 و3400 مقاتلاً أجنبياً سافروا إلى ليبيا منذ عام 2011. وحاز التونسيون على الحصة الأكبر من هذه الأعداد (إذ تتراوح أعدادهم ما بين 1000 و1500 مقاتلاً)، بالتزامن مع انضمام أعدادٍ أقل من مواطني دول شمال إفريقيا الأخرى إليهم. كما انضم المقاتلون الأجانب من أبناء شمال إفريقيا إلى “إقليم سيناء” التابع لتنظيم “الدولة الإسلامية” في مصر، وإن كان ذلك بأعداد أقل.

وبحسب واتانابي، فإن عمليات التجنيد يجري تنفيذها بصورةٍ أساسية عن طريق أشخاصٍ معروفين للمقاتلين الأجانب المحتملين، ومنهم الأصدقاء الموجودين في سوريا أو المعارف الموجودة في بيئتهم المحلية. ولم تلعب وسائل الإعلام على شبكة الإنترنت سوى دوراً ثانوياً في هذا المجال. وأثبتت المجموعات الجهادية الموجودة، كـ”أنصار الشريعة” في تونس، و”أنصار الشريعة” في ليبيا، و”الجماعة الإسلامية” في مصر، فعاليتها في التجنيد وتسهيل عمل الشبكات الجهادية. وقد تساعد طبيعة عملية التجنيد، التي تعتمد على التواصل الشخصي، في تفسير سبب وجود بؤر لعمليات التجنيد في دول المغادرة الرئيسية. وتتضمن القائمة كلاً من مدن شمال غرب المغرب (الفنيدق، وطنجة وتطوان)، والدار البيضاء وفاس، بالإضافة إلى بن قردان، ورمادة، وبنزرت وتونس العاصمة في تونس، وطرابلس ودرنة وبنغازي في ليبيا (يرجى الإطلاع على الخريطة). وتحظى بعض هذه المناطق (مثل بن قردان، ودرنة) بتاريخٍ من التطرّف وحشد المقاتلين الأجانب.

وباتت السلطات حالياً على معرفة بالطرق التي يتم اللجوء إليها للوصول إلى سوريا والعراق. وتوجّب على العديد من المقاتلين الأجانب من أبناء شمال إفريقيا العبور برّاً من تركيا للوصول إلى سوريا والعراق. وسافر بعض المقاتلين جوّاً إلى تركيا، وقد يتم ذلك في بعض الأحيان عبر دولةٍ ثالثة. كما قام قسمٌ آخر من المقاتلين بعبور البحر من ليبيا إلى تركيا. وباتت ليبيا من الدول التي يتم الوصول إليها برّاً في أغلب الأحيان. وتتم هذه العملية في كثيرٍ من الأحيان عبر مدنٍ مماثلة لبن قردان بالقرب من الحدود التونسية – الليبيبة أو عبر بلدة دبدب الموجودة على الحدود الجزائرية – الليبية. كما سافر بعض المصريين جوّاً من القاهرة إلى الخرطوم ومن هناك عبروا برّاً من السودان باتجاه ليبيا.

وترى واتانابي أن الأسباب التي تدفع المرء لأن يصبح مقاتلاً أجنبياً متعددة ومتنوعة، وهو ما أدى إلى عدم وجود توصيف محدّد وحيد لهؤلاء المقاتلين. ومع ذلك، يتشارك الأشخاص الذين باتوا من المقاتلين الأجانب في بعض العوامل العامة. وتتضمن هذه العوامل كلاً من الفريضة المتصوّرة بمساعدة أقرانهم من المسلمين السنّة في سوريا؛ بالإضافة إلى ما يرتبط بذلك من دوافع دينية وأيديولوجية. وغالباً ما ترتبط هذه الدوافع باعتبار سوريا الموقع الذي ستقع فيه المعركة الفاصلة بين المسلمين و”غير المؤمنين”. ويضاف إلى ذلك الشعور بانعدام العدالة الاجتماعية والاقتصادية التي تفرضها حالة التهميش الاجتماعية والاقتصادية في أوطانهم. وترى واتانابي أن هذه العوامل الضاغطة اجتمعت بطرقٍ معقدة مع الوعود المرتبطة بتحقيق المكاسب الدنيوية الموجودة في بروباغندا تنظيم “الدولة الإسلامية”، بما في ذلك الحصول على الأجور والنساء. كما ترتبط هذه العوامل بما يشعر به المقاتلون الأجانب من تهميشٍ لوجهات نظرهم في أوطانهم.

وتشير واتانابي إلى هجرة عددٍ من النساء باتجاه المناطق التي كان يسيطر عليها تنظيم “الدولة الإسلامية” في سوريا والعراق إلى جانب الشباب. وتأتي هذه الهجرة في إطار عملية التعبئة الأوسع المرتبطة ببناء “دولة الخلافة”. وبحسب بعض التقديرات، فقد هاجرت 700 تونسية وحوالي 275 مغربية إلى دولة الخلافة في المشرق العربي (أي ما يصل إلى 23 و17 بالمئة على التوالي من عدد المقاتلين الأجانب القادمين من هاتين الدولتين). كما هاجرت النساء إلى ليبيا، حيث نالت التونسيات حصة الأسد من المهاجرات. ووصل عدد المهاجرات التونسيات إلى حوالي 300 مهاجرة بحسب بعض التقديرات (أي ما يتراوح ما بين 20 و30 بالمئة من أعداد المقاتلين الأجانب). وبحسب صاحبة المقالة، فقد قامت المغربيات بالسفر أيضاً باتجاه ليبيا، على الرغم من عدم وضوح عدد هذه المهاجرات. كما رافق الأطفال والديهم أو ولدوا في “دولة الخلافة” وولاية “الدولة الإسلامية” في ليبيا، على الرغم من عدم معرفة الأعداد الدقيقة لهؤلاء الأطفال حتى هذه اللحظة.

Translation- Tunisian National gaurd
تونسيان يقومان بتحية قوات الحرس الوطني يوم 19 مارس 2018 في بلدة بن قردان الجنوبية بعد تبادل إطلاق النار مع شخصين يشتبه بانتمائهما إلى جماعة جهادية. المصدر: AFP.

العودة وإعادة الانتشار

تشير واتانابي إلى عودة بعض المقاتلين الأجانب بالفعل إلى أوطانهم الأصلية أو إلى أماكن إقامتهم في شمال إفريقيا. وكان من بين هؤلاء حوالي 800 تونسياً، و220 مغربياً، وما لا يقل عن 87 جزائرياً (أي ما يصل إلى 25 و13 و33 بالمئة على التوالي من الأعداد الإجمالية للمقاتلين الذين غادروا إلى سوريا والعراق). ونظراً للأهمية الاستراتيجية التي تحظى بها ليبيا بالنسبة لتنظيم “الدولة الإسلامية”، فمن المرجح عودة عدد من المقاتلين الأجانب الليبيين إلى وطنهم، على الرغم من عدم توفر إحصائيات رسمية بهذا الشأن. وبصرف النظر عن المقاتلين الأجانب الذين تم إلقاء القبض عليهم، فقد عاد العديد من المقاتلين الأجانب سرّاً إلى بلادهم، خاصةً وأن عودتهم عبر المنافد الحدودية الرسمية قد تؤدي إلى اعتقالهم.

وتتشابه طرق عودة المقاتلين الأجانب إلى حدٍّ كبير مع تلك الطرق التي قاموا باستخدامها للوصول إلى وجهاتهم “الجهادية”، إذ يمكن تتبع ذلك عبر الإطلاع على الدول التي قام المقاتلين الأجانب بالعبور من خلالها أو تلك التي علقوا فيها. وعلى سبيل المثال، فقد عاد التونسيون برّاً وبطريقةٍ سريّة عن طريق ليبيا. كما عاد المصريون إلى وطنهم عبر ليبيا أو السودان. وما يزال بعض التونسيون والمغاربة عالقين في تركيا أثناء محاولتهم العودة إلى أوطانهم. ومن الممكن أن يقوم هؤلاء باستخدام طرق التهريب التي لجؤوا إليها البداية للوصول إلى تركيا.

ومن غير المرجّح أن يكون العائدون الذين خابت آمالهم أو أولئك الذين يخضعون لمراقبةٍ شديدة من قبل الأجهزة الأمنية العاملة في أوطانهم مصدر خطرٍ كبير. ويتمثل الخطر الأكبر في الآخرين الذين يحظون بالمهارات المعقدة والشبكات الشاملة. ومن الممكن إرسال هؤلاء في بعض الحالات إلى الوطن لمواصلة القتال هناك. وتم تأسيس جيب تنظيم “الدولة الإسلامية” في ليبيا على يد المقاتلين الأجانب الليبيين الذين عادوا من سوريا في عام 2014. وفي الوقت الذي من المستبعد فيه تكرار تكوين جيبٍ مماثل لهذا الجيب في مكانٍ آخر، إلا أن انتباه بعض العائدين قد يتحوّل نحو أوطانهم. وبالفعل، فقد أعلن بعض المقاتلين الأجانب التابعين لتنظيم “الدولة الإسلامية” والذين يحملون الجنسية المغربية عن عزمهم شن الجهاد ضد الملكية هناك.

وقد لا تؤثر عودة المقاتلين الأجانب على الشبكات الجهادية الوطنية فحسب، بل أيضاً على الشبكات الجهادية الإقليمية. وقد تشكّل عودة هؤلاء المقاتلين دعماً للشبكات الجهادية الإقليمية. وعلى الأرجح، فقد حصل العديد من العائدين على التدريب في ليبيا قبل سفرهم إلى سوريا والعراق، ما يعني إمكانية تمتع العديد منهم بعلاقاتٍ جهادية في ليبيا. وسافر التونسيون على وجه الخصوص بأعدادٍ كبيرة إلى سوريا والعراق، وكانوا على الأرجح قد حصلوا على التدريب ومروا أولاً عبر ليبيا، ما يوحي بأن الشبكات الجهادية التونسية – الليبية قد تحصل على دعم نتيجة عودة هؤلاء المقاتلين.

وقد يتأثر الأمن الإقليمي بشكلٍ أكبر بسبب أولئك الذين لا يرغبوا بالعودة إلى ديارهم ويفضلون إعادة الانتشار في الولاية الأخيرة التي ما تزال يسيطر عليها تنظيم “الدولة الإسلامية” في شمال إفريقيا – وهي محافظة سيناء في مصر – أو في ليبيا التي ما تزال محاولات تنظيم “الدولة الإسلامية” لإعادة تجميع صفوفه فيها قائمة. وفي الواقع، فقد انتقل العديد من مقاتلي تنظيم “الدولة الإسلامية” من سوريا إلى ليبيا في أعقاب الهجمات العسكرية التي تم شنها ضد معقل تنظيمهم هناك منذ عام 2015. وقد يؤدي سقوط معاقل تنظيم “الدولة الإسلامية” في سوريا والعراق إلى ارتفاع هذا الرقم. وقد لا يؤثر هذا الأمر على ليبيا فحسب، بل أيضاً على الدول المجاورة لها. وكانت تونس قد تضررت بشكلٍ كبير نتيجة تواجد تنظيم “الدولة الإسلامية” في ليبيا. وتم تنفيذ أكبر الهجمات الإرهابية التي شهدتها تونس في عام 2015 على متحف باردو بالعاصمة تونس ومنتجع شاطئ تونس على يد أفراد تم تدريبهم في ليبيا. وعلى سبيل المثال، فقد تم التخطيط لمحاولة الاستيلاء على مدينة بن قردان الحدودية في عام 2016 على يد إحدى خلايا تنظيم “الدولة الإسلامية” التي اتخذت من مدينة صبراتة الحدودية مقراً لها.

وبحسب واتانابي، فقد فرّت النساء برفقة رجالهن وأطفالهن من المناطق التي كان يسيطر عليها تنظيم “الدولة الإسلامية”، حيث عاد البعض منهم إلى ديارهم. ويجري احتجاز آخرين في ليبيا، والعراق، وسوريا، وتركيا، بانتظار المحاكمة و/أو إعادتهم إلى أوطانهم. ولم تضطلع النساء بأدوارهن كزوجات وأمهاتٍ فحسب، بل أنيطت بهم أيضاً مسؤولية تطبيق قواعد الأخلاق. كما كان يتم استخدام كمجنّدات للقيام بمهماتٍ انتحارية في سوريا والعراق. وعلى هذا النحو، قد تواصل بعض النساء العائدات المشاركة في عمليات التجنيد في أوطانهن أو في الانخراط ضمن الأعمال الإرهابية. ودعا قادة تنظيم “الدولة الإسلامية” مؤخراً النساء العائدات لإعداد أنفسهن للقيام بمهامٍ جديدة قد تتضمن تنفيذ الهجمات الانتحارية أو تربية الأطفال على أن يكونوا من المقاتلين المستقبليين في صفوف التنظيم. وفي الوقت الذي قد يكون فيه العديد من الأطفال أصغر من أن يتم تدريبهم على المهارات القتالية، فقد ظهرت تقارير تشير إلى تلقين بعض الأطفال الذين لم يتجاوز عمرهم تسع سنوات لتعاليم التنظيم، بالتزامن مع تعليمهم على استخدام الأسلحة.

Translation- Fayez al-Sarraj
رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية فايز السرّاج يزور مقر اللجنة الانتخابية الليبية في العاصمة طرابلس بعد استهدافها من قبل انتحاريين في 2 مايو 2018. وأسفر الهجوم الذي تبنى مسؤوليته تنظيم “الدولة الإسلامية” عن مقتل ما لا يقل عن عشرة أشخاص. المصدر: AFP.

رد فعل السياسة

قامت دول شمال إفريقيا حتى الآن بتبني مقاربة قانونية ساحقة تجاه المقاتلين الأجانب العائدين. وبات لدى معظم الدول (باستثناء ليبيا) أطراً قانونية لمقاضاة المقاتلين الأجانب تتماشى مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2178 الصادر في عام 2014، والذي دعا الدول لاتخاذ الخطوات الكفيلة بمعالجة ظاهرة المقاتلين الأجانب. وتستند معظم هذه الأطر القانونية إلى مقاضاة الانضمام إلى الجماعات الإرهابية خارج البلاد. وعلى هذا النحو، سيتم اعتقال المقاتلين الأجانب العائدين الذين يتم اكتشافهم على النقاط الحدودية الرسمية. ومع ذلك، ترى واتانابي أنه لن يتم مقاضاة جميع المعتقلين لعددٍ من الأسباب، بما في ذلك الافتقار إلى الأدلة وضعف أنظمة العدالة الجنائية، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة صعوبة عملية جمع الأدلة التي تكفل تقديم الأشخاص للمحاكمة.

وعلى الرغم مما يواجه عمليات الملاحقة القضائية من صعوبات، فقد قام عددٌ بسيط من دول المنطقة باتخاذ إجراءاتٍ إدارية للتعامل مع المقاتلين الأجانب العائدين الذين قد لا يمكن ملاحقتهم قضائياً ولكن يشتبه بارتكابهم جرائم مرتبطة بالمقاتلين الأجانب. وتعتبر تونس الاستثناء الذي تجدر ملاحظته في هذا السياق. وعلى سبيل المثال، يتم وضع المقاتلين الأجانب العائدين الذين لم تتم محاكمتهم قضائياً قيد الإقامة الجبرية وتحت المراقبة.

وإلى جانب ذلك، يبدو أنه لم يتم تصميم أي من البرامج المخصصة لتفكيك التطرف وإعادة دمج المقاتلين الأجانب العائدين، سواءً أكان ذلك داخل السجون أو خارجها. وفي الوقت الذي تحدثت فيه الحكومتان المغربية والتونسية في بعض الأحيان عن إمكانية تأسيس مثل هذه البرامج، فإنه لم يتم التوصل حتى الآن لشيءٍ ملموس. وفي الحالة التونسية، تميل مقترحات التعامل مع المقاتلين الأجانب العائدين التي تتجاوز الاحتجاز نحو دفع الجهات الفاعلة في المجتمع المدني لتبني ردود فعلٍ عنيفة، حيث تصر هذه الجهات على اتباع منهجيات أكثر صرامة في التعامل مع المقاتلين. وبالطبع، فإن ذلك يحول دون متابعة الحكومات المتعاقبة لمقترحاتها. وأعلنت الحكومة التونسية في سبتمبر من عام 2017 عن مبادرة جديدة لتفكيك تطرّف المقاتلين الأجانب العائدين، إلا أن مصير هذه المبادرة ما يزال قيد المتابعة.

وترى واتانابي أن حبس العائدين دون اتخاذ التدابير الكفيلة بتفكيك تطرفهم وإعادة دمجهم قد يكون منهجية قصير النظر. كما من الممكن أن يؤدي سجن العائدين إلى تزويدهم ببيئاتٍ مثالية لتعزيز تطرف الآخرين وتجنيدهم، لا سيما في ظل معاناة بعض دول المنطقة من اكتظاظ السجون واحتمال إخفاء السجناء لما يحملوه في صدورهم من شكاوي ضد الدولة، وهو ما يجعلهم عرضةً للروايات الجهادية. وعلاوةً على ذلك، قد يرى بعض المقاتلين الأجانب الذين لا ينتظرهم سوى الاعتقال والسجن لدى عودتهم أنه ليس أمامهم أي خيار سوى الانتقال إلى الدول ذات الحكومات الضعيفة أو تلك الدول المنكوبة بالنزاعات. وقد يدفعهم ذلك إلى الاعتماد على دعم الشبكات الجهادية، وهو ما يجعل تسريحهم أمراً مستبعداً ويزيد من المخاطر المرتبطة بالمناطق الإقليمية الساخنة مثل ليبيا.

وينبغي على دول المنطقة تطوير سياساتٍ واضحة على مستوى التعامل مع النساء العائدات. وعلى الرغم من المعلومات التي تشير إلى اعتقال النساء لدى اكتشاف عودتهن إلى بلادهم، إلا أن ذلك لا يحول دون وجود ميل للتساهل معهن بشكلٍ أكبر مقارنةً مع ما يتم تطبيقه من ممارسات بحق الرجال. ويعكس ذلك نزوع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكلٍ أكبر نحو التعامل مع النساء باعتبارهن غير عنيفات أو كضحايا. وعلى سبيل المثال، فقد تم اعتقال النساء التونسيات العائدات، ليتم بعد ذلك إطلاق سراحهن، ومراقبتهم ومنحهن المشورة عبر برامج تشرف عليها وزارة شؤون المرأة والأسرة. ويبدو أنه لا وجود لسياساتٍ محدّدة على مستوى معالجة الأطفال الذين يسافرون مع أمهاتهن أو الأيتام الذين قد يتم تقبلهم في نهاية المطاف في دول آبائهم.

المضي قدماً نحو الأمام

ترى واتانابي أن الاستراتيجيات الوطنية الفاعلة للتعامل مع العائدين بحاجة إلى تبني منهجية التعامل مع كل حالة على حدة، خاصةً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار اختلاف مستويات الخطر التي يشكلها المقاتلين الأفراد على الدول. وفي الوقت الذي تبرز فيه الحاجة لاعتقال بعض الأفراد، قد يكون من الأفضل التعامل مع الآخرين خارج نظام السجن. وينبغي أن يترافق مثل هذا النوع من المنهجيات المتمايزة مع برامج مصممة بعناية لتفكيك التطرف وإعادة الاندماج سواءً أكان ذلك داخل السجون أو خارجها. وقد تظهر الحاجة لوجود هياكل متخصصة في مجال الصحة العقلية والدعم الاجتماعي في حالة الأطفال.

ومع ذلك، لن يكون تفكيك التطرف وإعادة الاندماج فاعلاً إذا لم يقم العائدون فيما بعد بمواجهة نفس الظروف التي دفعتهم لمغادرة دولهم في المقام الأول. وقامت خطة عمل الأمم المتحدة من أجل منع التطرف العنيف بدعوة الدول لمعالجة الظروف المؤدية إلى التطرف في إطار استراتيجيات منع التطرف العنيف الوطنية، بالتزامن مع ضمان تنفيذ نشاطات مكافحة الإرهاب في إطار سيادة القانون. ومع ذلك، ما يزال أمام العديد من حكومات المنطقة طريقاً طويلاً للتصدي لأسباب التطرّف المباشرة (كوحشية الشرطة والاعتقالات التعسفية) والبنيوية (كالإقصاء السياسي والاجتماعي والاقتصادي).

كما سيتطلب الحد من التأثير الإقليمي للمقاتلين الأجانب الذين أعادوا الانتشار تطبيق منهجية إقليمية منسقة لمواجهة هذه المشكلة، بما في ذلك تعزيز التعاون بين الدول على مستوى الأمن الأوسع وتبادل المعلومات الاستخبارية، علماً بأن هذا الجانب لا يتمتع بنفس القوة التي ينبغي أن يكون عليها. وتبقى ليبيا الحلقة الأضعف في أي جهد يتم بذله لحرمان المقاتلين الجهاديين من الحصول على ملجأ آمن في المنطقة. وبالتالي، فإن هناك حاجة ماسة لتضافر الجهود الإقليمية والدولية بما يكفل إنهاء الصراع في ليبيا وتعزيز ما تتمتع به هذه الدولة من قدرات على مستوى الحوكمة والأمن.

وتختم واتانابي مقالتها بالقول: “تستطيع أوروبا، ومن ضمنها سويسرا، دعم دول شمال إفريقيا في جهودها الرامية للتعامل بطريقةٍ فاعلة مع التحديات المرتبطة بالعائدين وإعادة انتشار المقاتلين الأجانب عبر تشجيع استشكاف خيارات تفكيك التطرف وإعادة الإدماج. ويضاف إلى ذلك دعم التقدم الحاصل في مجال إصلاح القطاع الأمني وما يتم تنفيذه من تحسينات على مستوى الادماج الاجتماعي والاقتصادي، لا سيما بين الشباب. كما لا بد من الوقوف في صفٍّ واحد خلف العملية السياسية التي تقوم بها الأمم المتحدة في ليبيا، بالتزامن مع دعم بناء ما تحظى به هذه الدولة من قدرات”.

  • المملكة المتحدة: تواطؤ ومشاركة في الجريمة مع السعودية؟

    بحسب التقرير، فإن المليارات الثمانية التي تقوم بريطانيا بتصديرها إلى المملكة العربية السعودية تمثل ما لا يزيد عن ١٪ من إجمالي الصادرات البريطانية في عام ٢٠١٦. وإلى جانب ذلك، فقد وصلت إيرادات الخزينة البريطانية من مبيعات الأسلحة للمملكة العربية السعودية إلى ٣٨.٥ مليون دولار أمريكي – أي ما لا يزيد عن ٠.٠٠٤٪ من إجمالي دخل الخزينة في عام ٢٠١٦.
  • لماذا يحب القوميون الأمريكيون البيض بشار الأسد

    هناك تفسير بسيط لوقوع اليمين المتطّرف الأمريكي في حبّ القائد العربي المستبد بطريقةٍ تثير الفضول. ويكمن هذا التفسير في كسب قلوب أنصار اليمين المتطرّف عبر حملة الدعاية التي أطلقتها عائلة الأسد منذ عدّة أعوام في سوريا. ويعتمد حكم الأسد الاستبدادي على نفس الكلمات الطنانة التي يستخدمها اليمين المتطرّف لوصف المجتمع الذي يحاول أن يبني في وطنه – فهو يريد مجتمعاً نقياً ومتجانساً من المخلصين لسلطته الخاصة. ولهذا السبب، ينظر النازيون الأمريكيون الجدد إلى الأسد كبطلٍ من الأبطال.
  • منظمة "الخوذ البيضاء" وتاريخٌ طويل من استهداف متطوعي الإغاثة الإنسانية في زمن الحروب

    وبعيداً عن حملة التشويه تلك، فقد وقعت المنظمة ضحيةً للاعتداءات المباشرة أيضاً. وتضمنت هذه الاعتداءات تفجير العديد من المستشفيات التابعة للمنظمة. وتمثّل أوضح هذه الهجمات في المداهمة الليلية التي تم شنّها على أحد منازل المنظمة الآمنة في أغسطس 2017، حيث تم إعدام سبعة من المتطوعين على يد سفاحين ما تزال هوياتهم مجهولة حتى هذه اللحظة.