تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

سياسة الضغط الأمريكية فشلت في تطويع إيران

علاقة الولايات المتحدة وإيران
صورة تم التقاطها يوم ٣٠ ديسمبر ٢٠٢٠ لرجل إيراني أثناء جائحة “كوفيد ١٩” وهو يمشي مرتدياً كمامة بالقرب من الجدار الخاص بمبنى السفارة الأمريكية السابق بالعاصمة الإيرانية طهران. المصدر: ATTA KENARE / AFP.

نشر موقع “The conversation” مقالة سلطت الضوء على علاقات الولايات المتحدة الأمريكية المتوترة بإيران وما قد يعود به هذا التوتّر من تبعات سلبية على واشنطن. وتقوم صاحبة المقالة إليس ماليت، وهو باحثة دكتوراه في العلاقات الدولية بجامعة سري، بتناول الأسباب التي ينبغي على الغرب أخذها بعين الاعتبار لإعادة إشراك طهران في النظام الدولي والإقليمي.

ووسط الجلبة والعنف المصاحب للسياسة المحلية الأميركية – لا سيما الهجوم الأخير على مبنى الكابيتول في واشنطن – فإننا شهدنا تطوران في منطقة الخليج سلطا الضوء على كيفية مع إيران، وهو أحد أهم ملفات السياسة الخارجية التي يتعين على الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن التعامل معها بعد توليه لمقاليد الرئاسة يوم ٢٠ يناير الماضي.

وأعقب نشر البنتاغون لطائرتين قاذفتين للقنابل من طراز “بي-52” في الخليج يوم 7 يناير الجاري، إعلان الحرس الثوري الإيراني عن افتتاح قاعدة صواريخ استراتيجية جديدة قادرة على “مقاومة معدات الحرب الإلكترونية للأعداء”.

وبطبيعة الحال، فإن إصرار مسؤولي السياسة الخارجية الأمريكية على وصف إيران بالعدو العنيد ليس أمراً جديداً. وكما أشار المسؤولين السابقين في وزارة الخارجية الأمريكية ومجلس الأمن القومي ديفيد بنيامين وستيفن سايمون، فإن استراتيجيات الأمن القومي المتعاقبة بعد الحرب الباردة استندت إلى التعامل مع إيران باعتبارها “العدو المتصوّر” أكثر من أي جهةٍ أخرى.

وبهذا المعنى، فقد طبق صانعو السياسة الأميركية استراتيجيات، تتضمن عقوبات صارمة من جانب واحد، وعزلة دبلوماسية، وخطاب عدائي ضد إيران من أجل تحجيم سلوكها، وإن كان الهدف الأكبر، على الأرجح، هو السعي إلى تغيير النظام الإيراني نفسه.

وقد شاهدنا مؤخراً هذه السياسات ممثلة في استراتيجية الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب المسماة “أقصى ضغط“، والتي يصر وزير الخارجية السابق مايك بومبيو على أنها تهدف إلى مساعدة الشعب الإيراني على “تغيير المسار”.

وبمساواة التهديد الإيراني بالتهديد الذي كان يشكّله الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة، فإن الولايات المتحدة تواصل إهدار موارد مادية ورأس مال دبلوماسي دون داعٍ، وهو ما قد توظفه في ملفات أهم في السياسة الخارجية.

وعلى مدار العقود القليلة الماضية، أثبتت إيران قدرتها على الصمود أمام سياسات تضييق الخناق عليها اقتصادياً ودبلوماسياً. إذن، لما تصر واشنطن على فرض إجراءات اقتصادية لا جدوى منها على أمل كسر الحكم الديني هناك؟ إن السياسات التي اختارتها واشنطن، وتواصل اختيارها، مثيرةٌ للفضول، بحسب ماليت، ليس لأنها غير تقليدية، بل لأنها تصر عليها رغم فشلها المتكرر.

أقصى ضغط وأدنى مكاسب

كان قرارا ترامب بالانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة – المعروفة بالاتفاق النووي الإيراني عام 2015 بين إيران والدول الخمسة ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا – معتمداً على افتراض أن الاتفاق “فشل في ضمان أمن الشعب الأمريكي من المخاطر، التي يشكلها قادة الجمهورية الإسلامية”.

بدلاً من هذا، كان الهدف من حملة فرض أقصى ضغط، التي طبقها ترامب، هو إجبار إيران على الذهاب إلى طاولة المفاوضات والاستسلام لمطالب واشنطن وإلا واجهت خطر الإفلاس. وبحسب ماليت، فإن هذا الافتراض يرفض الاعتراف بقدرة إيران على مقاومة الإجراءات العقابية والرد بإجراءات أخرى تفرض ضغوطاً على الخصم.

يأتي رد إيران على ترامب في صورة أقصى مقاومة. فقيادة طهران تنجذب للتعامل مع فكرة التصعيد الإقليمي وسياسة عدم الإذعان النووية باعتبارها مربحة أكثر من الامتثال للأوامر الغربية وفرض القيود على سياساتها. وبدلاً من اعتبار نفسها مفلسة، فقد سعت إيران إلى جذب الانتباه الأمريكي عن طريق التصعيدات العسكرية الجديدة والمتمثلة في إدارة تهديد تدفق النفط عبر الخليج والابتعاد تدريجياً عن خطة العمل الشاملة المشتركة عبر استئناف عمليات تخصيب اليورانيوم.

وصرح المرشد الأعلى للثورة في إيران آية الله علي حسيني خامنئي بأن الحل لمواجهة الضغوط الغربية يكمن في تطوير “اقتصاد المقاومة” لتقليص اعتماد البلاد على الإيرادات النفطية. وفي الوقت الذي لم يحمي فيه هذا التصوّر إيران من الصدمات الخارجية مثل تذبذب أسعار النفط والعقوبات، فإن اقتصاد البلاد حقّق مكاسب متواضعة، إذ سجل إنتاج الحديد، والألومنيوم، والنحاس، والكهرباء نمواً كبيراً. وتهدف خطط إيران إلى الترويج للاعتماد الذاتي – باختصار، يتعلق الأمر بالتجارة ونشاط الأعمال كالمعتاد.

وبحسب ماليت، فإن استراتيجية ترامب في دفع إيران إلى طاولة المفاوضات لم تفشل فحسب، بل إن نشر البنتاغون حوالي 3 آلاف جندي إضافي في المنطقة ونشر أسطول إضافي من الطائرات المقاتلة في السعودية يعرض القوات الأمريكية للخطر أيضاً.

يأتي ذلك في الوقت الذي تواصل فيه طهران شن الهجمات على البعثات الدبلوماسية الأمريكية والقواعد العسكرية في العراق. وكان ذلك مشابهاً لما رأيناه في هجوم الميليشيات المدعومة من إيران بالصواريخ على مجمع السفارة الأمريكية ببغداد في ديسمبر الماضي. هذا تحديداً هو ما يجعل إيران مصدر تهديد للولايات المتحدة.

حان وقت حدوث تحوّل معقول في السياسات

ترى ماليت أن واشنطن تخاطر بأن تكون وحيدة إذا ما أصرّت على رأيها بأن تتعامل مع إيران على أنها دولة “شريرة” لا عقلانية. ومن الواضح أن الكثير من حلفاء الولايات المتحدة – تحديداً هؤلاء الموجودون في أوروبا – غير سعداء تجاه الأفعال الأمريكية أحادية الجانب. وهناك شعورٌ متنامي بأن الولايات المتحدة تمارس دوراً استفزازياً، كما أن لدى حلفائها مخاوف محقة من إمكانية أن توفر ردود أفعالها الحادة ذريعة لنشوب نزاع غير ضروري.

وعلى هذا النحو، فإنه ينبغي التخلي عن الشعارات المتجذرة التي تردد أن إيران تشكل خطراً وجودياً على الأمن العالمي. ويجب أن تسعى واشنطن إلى إشراك طهران عبر تبني دبلوماسية صارمة متعددة الأطراف، على أن تشمل هذه الدبلوماسية معاودة الانضمام إلى خطة العمل الشاملة المشتركة مقابل إلغاء العقوبات كي لا تلحق ضرراً بالعلاقات أو تزعزع استقرار المنطقة أكثر. ويجب أن تتعاون الدولتان في مجالات الاهتمام المشترك مثل الأزمات الإقليمية في سوريا واليمن، فضلاً عن التهديد الذي يفرضه تنظيم “الدولة الإسلامية”. ويجب إشراك إيران أيضاً في قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والصحة العامة، ومراقبة الأمراض.

إن مستقبل العلاقات الأمريكية – الإيرانية لن يكون ممهداً بالورود بحسب ما تراه ماليت، فالعقبات ستستمر في الظهور. بيد أن التحول بشكلٍ تدريجي إلى علاقة أكثر تعاوناً، سيخدم المصالح الأمريكية أكثر بكل تأكيد. وفي الوقت الذي تشير فيه الأفعال الإيرانية الحالية إلى خرقٍ واضحٍ للاتفاق النووي، فإنها تذكرنا بما قد يؤول إليه المسار الجديد إذا لم نعاود العمل بخطة العمل الشاملة المشتركة.

ولا يعني هذا أن كل المخاوف غير مبررة وأن كل التهديدات غير منطقية، لكن ردود الأفعال المبالغ فيها تجاه تهديدات ضئيلة ينتج عنه تداعيات استراتيجية خطيرة.

وتختم ماليت مقالتها بالتالي: “توضح الاضطرابات الأخيرة في واشنطن أن التهديد الأبرز للولايات المتحدة قد يكون أقرب لداخل البلاد مما نتصور. لقد حان وقت التفكير في التحديات العالمية المعاصرة دون استخدام نماذج بالية عفا عليها الزمن”.

ملاحظة

تم نشر هذه المقالة في الأصل على موقع https://theconversation.com في 13 يناير 2021.

written by
Mohammed Abdullatif
المزيد Mohammed Abdullatif articles