تبرع
وقائع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
ابحث في fanack.com
Please enter search keyword.

فيما يخص التعامل الاستخدامي مع قضية فلسطين

التعامل الاستخدامي مع قضية فلسطين
صورة تم التقاطها يوم ١٦ فبراير على هامش الجلسة الافتتاحية للاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب بمقر الجامعة العربية في القاهرة. المصدر: KHALED DESOUKI/ MENA / AFP.

ماجد كيالي

منذ البداية، انتهجت الأنظمة العربية السائدة سياسة استخدامية إزاء قضية فلسطين، والصراع ضد إسرائيل. هذه السياسة تتأسس على نوع من التلاعب والمخاتلة والتوظيف، الأمر الذي لم يفِد تلك القضية وإنما أضر بها.

والمعنى فإن قيام بعض الأنظمة العربية (كما حصل في اجتماع النقب قبل أيام) بفتح علاقات مع إسرائيل، التي تصر على التملص من حقوق الشعب الفلسطيني، ومع استمرارها بالاحتلال والاستيطان، والاحتفاظ بطبيعتها كدولة كولونيالية وكنظام أبارتهايد، يكشف عن حقيقة تلك الأنظمة التي لا يهمها سوى الحفاظ على سلطتها، وليس الدفاع عن حقوق مجتمعاتها، في دول تفتقر لحقوق المواطنة، كما تفتقر لمعنى الدولة كدولة مؤسسات وقانون ومواطنين.

هكذا، فإن قضية فلسطين بالنسبة لتلك الأنظمة مجرد مادة لصناعة الإنشاءات السياسية، إذ أن تلك النظم عمدت، في أغلب الأحوال، إلى التمييز بين هذه القضية وشعبها، بإعلائها من شأن تلك القضية، فقط من الناحية الشكلية، مقابل عدم مبالاتها، عمليا، إزاء معاناة شعبها، سواء من اللاجئين، أو من الذين يكابدون تحت الاحتلال. وظل التعاطي مع الفلسطينيين عموماً باعتبارهم إما أدوات سياسية قيد التوظيف، أو مشكلة أمنية ينبغي اتخاذ أشدّ الاحتياطات إزاءها.

لكن هذا كله لا يعني أن قضية فلسطين تلك لم تحظ بمكانة متميّزة في المجتمعات العربية، فهي كانت كذلك حقاً، وإن بدرجات متفاوتة، لكن ليس على اعتبارها مجرد قضية سياسية فقط، أو مجرد قطعة أرض فحسب، وإنما باعتبارها بمثابة معنى للحقيقة والعدالة، وباعتبارها تتضمن الطلب على الحرية والكرامة أيضاً. ولعل هذا يفسّر استقطاب قضية فلسطين لأجيال من الشباب العربي الذين وجدوا في حركة التحرر الفلسطينية، بخاصّة في مرحلة صعودها في الستينات والسبعينات، ضالتهم لإحداث التغيير المنشود في واقع المجتمعات العربية. ففي حينه، كان الكفاح من أجل فلسطين يتضمّن بداهة معنى الكفاح من أجل التحرّر والتقدم العربيين، بغضّ النظر عن تقييمنا في الوقت الراهن لهذه المقولة النظرية في حيز الممارسة السياسية.

مع ذلك، فإن مكانة قضية فلسطين تراجعت، منذ زمن طويل، بحيث لم تعد تبدو باعتبارها القضية المركزية، لأسباب متعددة، أولها أنه جرى استهلاكها، والتلاعب بها، من قبل النظم السياسية السائدة. وثانيها أن المجتمعات العربية باتت منهكة بمشكلاتها المستدامة والمستعصية، وثالثها أن هذه القضية لم تعد هي ذاتها عند القائمين عليها، من القيادات والفصائل الفلسطينية، وهذا أمر مهم جداً. ورابعها، أن معنى هذه القضية بات مشوّشاً عند قطاعات واسعة من الفلسطينيين أنفسهم، الذين باتوا منقسمين ومختلفين حول أولوياتهم وسياساتهم وحاجاتهم ورؤيتهم لذاتهم، تبعاً لأماكن تواجدهم، والظروف التي يعيشون في ظلّها.

عموما، يبدو من ذلك الاجتماع أن قضية فلسطين باتت مستنفذة من قبل النظام الرسمي العربي القديم، بعد زوال النظم «القومية» الاستبدادية، وأساساً بسبب اختلاف معناها، كما ذكرنا، لا سيما مع تحوّل حركتها الوطنية من حركة تحرّر إلى سلطة تحت الاحتلال، ولأنها لم تعد كذلك بالنسبة إلى شعبها ذاته، بعد أن باتت فلسطين مختزلة في الضفة والقطاع، وبعد التخلّي عن اللاجئين الفلسطينيين في البلدان العربية، وإزاحة قضيتهم من المعادلات السياسية، وبعد تهميش منظمة التحرير لصالح السلطة.

أيضاً، فإن قضية فلسطين هذه باتت تفتقد لمكانتها كقضية مركزية نسبة إلى المجتمعات العربية، بحكم انفصال مشروع التحرّر الفلسطيني عن مشروع التحرّر في البلدان العربية، بخاصّة بعد انكشاف مواقف معظم الفصائل الفلسطينية، وضمنها منظمة التحرير، التي نأت بنفسها عن ثورات «الربيع العربي»، بعد عقود من الادعاء بأن الثورة الفلسطينية هي طليعة الثورة العربية، وهو الادعاء الذي كانت له أثمانه الباهظة في الأردن ولبنان، والذي كابد جراءه اللاجئون الفلسطينيون في هذين البلدين.

اللافت أن القيادات الفلسطينية السائدة ما زالت تتجاهل كل تلك التحولات، أو إنها فوجئت بذلك الاجتماع، إن بسبب تحوّلها إلى مشروع سلطة، أو بسبب تماهيها مع النظام الرسمي، بأنظمته الاستبدادية، أو بسبب لامبالاتها إزاء الثورات العربية، التي لم تفهم مغزاها، ولم تدرك الفرصة التي تفتحها، لتطوير أحوالها وتعزيز مكانة شعبها، وردّ بعض الاعتبار لقضيتها.

كلّ ذلك سهّل على تلك الأنظمة الخروج على الإجماع العربي التقليدي، ولو الشكلي، بدعوى مواجهة الخطر الإيراني، أو بدعوى عدم مراعاة الولايات المتحدة لمصالحها وأولوياتها، أو بسبب تبني الإدارة الأمريكية لمطالب الإصلاح وحقوق الإنسان والانتقال الديمقراطي، الذي يعد لدى تلك الأنظمة بمثابة تدخل خارجي في شؤونها، بغض النظر عما إذا كان ذلك يعكس سياسة حقيقية أم استخدامية من قبل الولايات المتحدة.

المهم أن اجتماع العقبة فتح صفحة جديدة في طبيعة العلاقات العربية ـ الإسرائيلية، لكن من المشكوك فيه أن تنجح هكذا خطوة، مع بقاء إسرائيل كدولة استعمارية وعنصرية، وكدولة تصادر حقوق الفلسطينيين، وضمنه حقهم في تقرير المصير في وطنهم التاريخي، كما إن ذلك الشك ينبع من حقيقة غربة معظم الأنظمة عن مجتمعاتها في المنطقة العربية، فلا شيء يقيني في هذه المنطقة الحبلى بالاضطرابات.

ملاحظة

الأفكار الواردة في هذه التدوينة هي آراء المدوّن الخاص بنا ولا تعبّر بالضرورة عن آراء أو وجهات نظر فنك أو مجلس تحريرها.